سلاح المسيّرات الحكومي اليمني يربك الحوثي

ميليشيات إيران فوجئت بانقلاب ميزان القوة ضدها

أ.ف.ب- المجلة
أ.ف.ب- المجلة

سلاح المسيّرات الحكومي اليمني يربك الحوثي

تطور هو الأهم منذ عشر سنوات في اليمن، هو ظهور معادلة "الدرونز" (المسيرات) لقوات الحكومة ضد ميليشيات الحوثي في مناطق عدة ومن فصائل حكومية مختلفة.

وعدا أنها رفعت معنويات اليمنيين وتقلق الموالين للحوثي، فقد أحدثت فارقا عسكريا من الجو على الأرض. وهناك عمليات عسكرية موازية لقوات حكومية، بدأت على الأرض تستخدم فيها المدفعية وكذلك سلاح الجو اليمني لأول مرة منذ بداية الحرب.

أولاً: ما الذي حدث فعلاً (يونيو–أغسطس 2026)

التحوّل ليس تدريجياً بل جاء مفاجئا في أسابيع قليلة وأظهر منظومة عسكرية متكاملة لدى الحكومة الشرعية اليمنية:

* يونيو 2026: وزير الدفاع اليمني الفريق طاهر العقيلي يكشف في مقابلة عن امتلاك القوات المسلحة مسيّرات، بعضها مُصنّع محلياً وبعضها مُشترى، ودخلت الخدمة في عدد من جبهات القتال.

* 29–30 يوليو: أول عرض علني للسلاح الجوي المسيّر. ويمثل ظهور المسيرات في العرض تحولاً في الخطاب العسكري للحكومة، التي اعتمدت طوال سنوات الحرب على طيران التحالف، مقابل توسّع الحوثيين في استخدام المسيّرات داخلياً وعبر الحدود وبحرياً.

* أوائل أغسطس: تصعيد حوثي عنيف- مقتل 58 من جنود مجلس القيادة الرئاسي في مأرب في أعنف الهجمات منذ سنوات، وشلّ ميناء المخا.

* منتصف أغسطس: الكشف لأول مرة عن إدخال المسيرات الانتحارية الموجهة بنظام "FPV" إلى الخدمة الميدانية واستخدامها في ضربات استهدفت ثكنات وعربات حوثية.

* 20 أغسطس: ألوية العمالقة الجنوبية تشهر وحدة مسيّرات تضم مسيّرات انتحارية، و"كوادكابتر FPV"، ومسيّرات لإسقاط الذخائر، وأصولاً استطلاعية ورادارات.

للمقارنة الكمّية غير المباشرة: اعترضت الحكومة اليمنية 254 منظومة جوية غير مأهولة داخلة إلى البلاد بين نوفمبر 2022 ويونيو 2023. وهذا ما ضُبط فقط

وقد أعلنت الحكومة اليمنية بقيادة الرئيس رشاد العليمي في 18 أغسطس/آب تنفيذ أكثر من 100 هجوم خلال 24 ساعة، وحوالي 133 عملية ضد قدرات وعناصر الحوثيين.

 بل قبل ذلك في 17 أغسطس/آب، أفادت تقارير بأن القوات اليمنية استخدمت قدراتها المتنامية بالمسيّرات إلى جانب المدفعية للقضاء على أكثر من 200 مقاتل حوثي. وفي مؤشر لافت لأنه من الطرف الآخر: اعترفت وسائل إعلام حوثية بمقتل 84 من عناصرها خلال نحو أسبوع، بينهم 28 قائداً ميدانياً.

هل يغيّر هذا ميزان القوة؟

الإجابة المتحفّظة التي يتفق عليها المحللون، أن التطور مهم في الحرب المنتظرة وهو بالفعل يغيّر التوازن التكتيكي، لا الاستراتيجي وبشرط الاستمرارية.

ما الذي تغيّر فعلاً؟ لعقد كامل كان الحوثيون يحتكرون ميزة الحرب غير المتماثلة جواً. كانوا قادرين على مراقبة خصومهم وضرب تجمعاتهم ومراكز قيادتهم بعيداً عن خطوط التماس، بينما كانت القوات الحكومية في موقع الدفاع والاعتراض. هذا الاحتكار كُسر.

ما لم يتغيّر: الفجوة في المدى الاستراتيجي والعمق الصناعي قائمة. والحوثيون يحتفظون بقدرة على إلحاق ضرر استراتيجي دون تغيير خريطة السيطرة. فقد تعرّض ميناء المخا القريب من باب المندب الاستراتيجي لأكثر من 35 ضربة صاروخية ومسيّرة، وقُتل 16 شخصاً وأُصيب 22، والميناء مغلق أمام الحركة البحرية؛ وتقدّر معلومات عسكرية عدد الصواريخ والمسيّرات المُطلقة باتجاه المخا في التصعيد الأخير بنحو 90. الميليشيا حليفة إيران تحاول السيطرة على المضيق ومنع التجارة البحرية منه استجابة لدعوة طهران.

الفارق بين قوات الطرفين في العدد والنوع

لا توجد أرقام معلنة عن أعداد المسيّرات التي يمتلكها أي من الطرفين؛ إذ لم تكشف الحكومة اليمنية عن أنواع مسيّراتها أو مدياتها وقدراتها الفنية والعملياتية، فيما لا تنشر ميليشيا الحوثي جرداً لترسانتها. لكن سجل الاستخدام يتيح رصد تفاوت واضح بينهما.

يمتلك الحوثيون خبرة تقارب عقداً، ونفذوا منذ سبتمبر/أيلول 2016 أكثر من ألف عملية بالمسيّرات، تسببت في سقوط أكثر من 700 قتيل. في المقابل، لا تتجاوز خبرة القوات الحكومية أسابيع أو أشهراً، وليس لديها سجل عمليات تراكمي موثق.

ويظهر الفارق أيضاً في النوع والمدى؛ إذ يستخدم الحوثيون مسيّرات استراتيجية وأحادية الاتجاه، بينها «صماد-3» بمدى يصل إلى نحو 1500 كيلومتر وحمولة تبلغ 18 كيلوغراماً، وعائلة «قاصف» بحمولة تصل إلى 30 كيلوغراماً. أما القوات الحكومية، فتعتمد غالباً على مسيّرات تكتيكية قصيرة المدى، موجهة عن بُعد وقابلة لإعادة الاستخدام.

كما استفاد الحوثيون من مساعدة تقنية قدمتها إيران و«حزب الله» اللبناني، بينما تعتمد القوات الحكومية على تعديل مسيّرات مدنية لأغراض عسكرية. وللمقارنة الكمية غير المباشرة، اعترضت الحكومة اليمنية 254 منظومة جوية غير مأهولة كانت في طريقها إلى البلاد بين نوفمبر/تشرين الثاني 2022 ويونيو/حزيران 2023، وهذا عدد المنظومات التي ضُبطت فقط.

الحكومة اليمنية
قوات مسلحة يمنية تقف بالقرب من طائرات عسكرية مسيّرة مثبتة على حوامل

 

الإعلام الحوثي قلق على وحدة صفوفه ويخشى الانهيار بسبب الدعاية التي تبين الهجمات على مراكزه

الفيديوهات وحجم المتابعة

لا يوجد أي إحصاء منشور أو موثّق لعدد مقاطع المسيّرات ولا لأرقام المشاهدات. لكن من الواضح أن هناك متابعات مليونية للفيديوهات التي نشرتها القوات الحكومية ضد الحوثي خاصة أن هناك توقعات بهجوم واسع على الانقلابيين. إنما لم تنشر أي جهة بحثية أو إعلامية رقما مؤكدا. وقد حظيت فيديوهات القوات اليمنية باهتمام كبير وتناقلتها وسائل الإعلام اليمنية على نطاق واسع وكذلك وجدت اهتماما من الإعلام الدولي. من خلال هذه الفيديوهات يبدو أن الحوثي يواجه نهاية التفوق الذي كان يتمتع به.

تطورات إعلامية

* بثّت وحدات عسكرية حكومية مراراً لقطات مؤكدة وليست من إنتاج الذكاء الاصطناعي تُظهر مسيّرات تتعقب أهدافها وتُسقط قنابل وتقتل مقاتلين وتدمّر مدرعات، بوتيرة شبه يومية منذ مطلع أغسطس/آب.

أ.ف.ب

* الإعلام الحوثي قلق على وحدة صفوفه ويخشى الانهيار بسبب الدعاية التي تبين الهجمات على مراكزه. الحوثي أطلق عدة فيديوهات مضادة تنفي صحة لقطات حكومية استهدفت مواقعه وقال إنها منقولة عن فيديوهات مسيرات في حرب السودان الحالية. بعد فحصها تبين صحة تقريبا كل ما عرضته القوات اليمنية وبعضها اعترف به الحوثي.

* مصادر الفيديوهات جاءت عبر تشكيلات متعددة (الجيش، العمالقة، حراس الجمهورية، المحاور العسكرية)، لا جهة واحدة. مما يبين أن هناك وحدة في تسلسل القيادة الشرعية وتنسيقا في العمليات.

* من التطورات المهمة أن منصة "إكس" قامت بتعليق حساب المتحدث العسكري الحوثي وهذا عامل يؤثر على معادلة الانتشار الرقمي بين الطرفين. المبرر لوقف الحساب الحوثي أنه كان يبث فيديوهات فيها صور لقتلى ممنوعة نتيجة البشاعة الظاهرة في الصور.

قد تكون هذه المسيّرات عُدّلت لحمل حمولات مُرتجلة تستهدف مواقع حوثية على الأرض، على غرار ما يفعله محاربون دوليون وغير دوليين في مناطق نزاع أخرى

 تعليقات دولية: هذه أوكرانيا اليمن

ماريوس بالس، باحث دكتوراه، المركز الدولي للتحويل في بون: "الجانب الحكومي يكتسب الآن قدرة تكتيكية مهمة محتملة… المسيّرات القابلة لإعادة الاستخدام والموجّهة عن بُعد قد تكون مفيدة بشكل خاص للمعركة اليومية على خطوط جبهة شبه ثابتة، حتى لو لم تضاهِ مدى الضربات الاستراتيجية لدى الحوثيين". وعن الفجوة، قال إنه ما زال يعتبر الحوثيين خطرين إجمالاً، بحكم عقد من الخبرة العملياتية وطيف أوسع من المنظومات التي بناها الإيرانيون لهم. كما تم رصد ظهور مسيّرة "FPV" تعمل بالتحكّم عبر الألياف الضوئية في جبهة مأرب أي انتقال دروس أوكرانيا إلى اليمن. وسماها "أوكرنة حرب المسيّرات التكتيكية". يقول إن المسيّرات الرخيصة تحوّلت إلى سلاح عادي للوحدات الصغيرة مثل البنادق بدل أن تكون قدرة تخصصية للاستخدام المؤقت. التجربة الأوكرانية تنتقل لليمن.

أ.ف.ب
جندي أوكراني وهو يختبر طائرة مسيّرة من نوع FPV خلال تدريب في موقع غير معلن عنه في منطقة زابوروجيا، وسط الغزو الروسي لأوكرانيا، في 10 أبريل 2026

روبن داس، زميل باحث، كلية راجاراتنام للدراسات الدولية، سنغافورة: "قد تكون هذه المسيّرات عُدّلت لحمل حمولات مُرتجلة تستهدف مواقع حوثية على الأرض، على غرار ما يفعله محاربون دوليون وغير دوليين في مناطق نزاع أخرى".

يزيد الجدوي، مدير البحوث، مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية عن البعد الإعلامي: "لسنوات، تمتّع الحوثيون بميزة واضحة في استخدام لقطات هجماتهم لإبراز الهيمنة العسكرية وتقويض معنويات خصومهم. القوات الحكومية بدأت الآن تنازعهم هذه المساحة". ويضيف أن انتشار اللقطات عبر تشكيلات متعددة يوحي بأن المسيّرات لم تعد قدرة محصورة في وحدات قليلة بل أداة عملياتية موزّعة على نطاق أوسع، وأن حملة المسيّرات قد تجعل خطوط الجبهة أكثر كلفة على الحوثيين وتقيّد حركتهم وتُضعف مواقعهم تدريجياً. لكنه يشترط استمرار الكثافة والتنسيق الحاليين.

font change