السعودية وفرنسا... توافق استراتيجي على استقلالية القرار في زمن التحوّلات

سيادة واستقلالية لصياغة النظام الجديد

رويترز
رويترز
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يصافح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدى وصوله لحضور اجتماع في قصر الإليزيه في باريس، فرنسا، في 24 أغسطس 2026

السعودية وفرنسا... توافق استراتيجي على استقلالية القرار في زمن التحوّلات

استقبلت فرنسا ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، يومي 23 و24 من أغسطس/آب الجاري، في "زيارة دولة" ، وهي أعلى مراتب الزيارات الدبلوماسية وأكثرها تكريماً وتشريفاً، تلبية لدعوة الرئيس إيمانويل ماكرون.

في توقيت إقليمي ودولي حساس، تطرقت القمة لقضايا الساعة والصراعات الجيوسياسية الراهنة خاصة في الخليج العربي والشرق الأوسط، وأسفرت المباحثات رفيعة المستوى عن تحقيق قفزة نوعية في العلاقات الثنائية، وتقارب استراتيجي مطرد بين الجانبين.

المعاصرة والاستمرارية

عمدت الرياض وباريس إلى توسيع نطاق تعاونهما منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية في عام 1926. وتتجلى الاستمرارية في مستوى الثقة الراسخ وتطوير الشراكة وتنويعها.

دشن ولي العهد السعودي زيارته الباريسية بحضور نهائي كأس العالم للرياضات الإلكترونية في باريس، برفقة الرئيس الفرنسي، وهذه هي المرة الأولى التي يقام فيها هذا النشاط خارج المملكة العربية السعودية، ويعبر عن استراتيجية "القوة الناعمة" للمملكة وفق "رؤية 2030".

استهل ولي العهد السعودي زيارته بحضور نهائي كأس العالم للرياضات الإلكترونية في "القصر الكبير"، المكان ذاته الذي احتضن معرض الرياض عام 1986، ليعود بعد أربعين سنة على خطى والده الملك سلمان مكرّساً إنجازات القوة الناعمة

احتضن هذه المناسبة "القصر الكبير" (غراند باليه) المعلم التاريخي في قلب العاصمة الفرنسية. وأقيم في المكان نفسه سابقاً معرض "الرياض بين الأمس واليوم" في عام 1986، وذلك بحضور خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز عندما كان أميراً للرياض، والرئيس الراحل جاك شيراك والذي كان حينها رئيساً للوزراء.

أ.ف.ب
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس "فيفا" جياني إنفانتينو يحضرون الحفل الختامي لكأس العالم للرياضات الإلكترونية في "القصر الكبير" (غراند باليه) في باريس، في 23 أغسطس 2026

ونظراً للنجاح الهائل لذلك المعرض تم تغيير اسمه ليصبح "معرض المملكة بين الأمس واليوم" ليشمل تراث جميع مناطق المملكة وثقافتها. وهكذا بعد أربعين سنة يعود الأمير محمد بن سلمان على خطى والده إلى نفس المكان كي يكرس إنجازات "القوة الناعمة" للمملكة العربية السعودية ويؤكد على الوصل بين المعاصرة والاستمرارية في العلاقات بين باريس والرياض.

توثيق الشراكة الاستراتيجية 

شهدت العلاقات السعودية-الفرنسية لقاءات وقمماً عديدة بين ولي العهد السعودي والرئيس الفرنسي، وتوثقت الصلات بينهما. تتقاسم السعودية وفرنسا موقفا استراتيجيا واضحا يرتكز على امتلاك السيادة والاستقلالية الكاملة في صناعة القرار السياسي الخارجي وإدارة العلاقات الدولية. لذا كان من الطبيعي التفاعل بين فرنسا إحدى الدول الخمس الكبرى من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي، والقوة الأوروبية والمتوسطية المحورية، والمملكة العربية السعودية، اللاعب الدولي المؤثر صاحب الدور القيادي في العالمين الإسلامي والعربي. ومن هنا يتيح الثقل السياسي والاقتصادي والدبلوماسي للطرفين الإسهام في صناعة القرار الإقليمي والدولي.

خلال قمة الإليزيه التي شهدت الاجتماع الأول لمجلس الشراكة الاستراتيجية الفرنسي-السعودي، الذي تم إنشاؤه خلال زيارة الرئيس الفرنسي للرياض في نهاية عام 2024، ناقش الزعيمان الأزمات الجيوسياسية والاستفادة من الفرص التي تتيحها "رؤية المملكة 2030"، و"خطة فرنسا 2030"، لتطوير الشراكة الاقتصادية الثنائية في مجالات الاستثمار المشترك، والصناعة، والطاقة، والثقافة والتراث، والسياحة، والتعليم، والتقنية، والفضاء، والدفاع والأمن، وغيرها من المجالات.

عكس البيان المشترك تنسيقا وثيقا حول أبرز الأزمات... إدانة الهجمات على السفن في مضيق هرمز، انسحاب إسرائيل من لبنان ونزع سلاح الجماعات غير التابعة للدولة، الترحيب باتفاق نزع سلاح "حماس"، والتمسك بحق الفلسطينيين في دولتهم المستقلة

من إيران إلى لبنان، مروراً بمجالات الطاقة والدفاع، تعتبر باريس أن الأمير محمد بن سلمان، شخصية محورية في الشرق الأوسط، وتعتزم الحفاظ على نفوذها في المنطقة وبناء ملامح علاقة خاصة ومتعددة الأوجه مع الرياض.

هكذا دشن الأمير محمد بن سلمان والرئيس ماكرون مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية الحقيقية لكي تكون ركيزة أساسية في تشكيل النظام الإقليمي الجديد بعد سلسلة الحروب بين 2023 و2026. 

التحديات الجيوسياسية والتنمية 

في مواجهة التحديات الجيوسياسية الجسيمة في الإقليم، أسفرت مباحثات باريس عن تنسيق وثيق بشأن أبرز الأزمات الإقليمية. وتبلور ذلك في البيان المشترك الموسع، إذ أدان الطرفان الهجمات على السفن في مضيق هرمز، وأعربا عن تمسكهما بحل دبلوماسي لملف إيران النووي.

على صعيد الملف اللبناني، تم التأكيد على ضرورة انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي اللبنانية، وضرورة إتمام نزع سلاح كل الجماعات غير التابعة للدولة اللبنانية.

ورحب الجانبان بالإعلان عن الاتفاق القاضي بنزع سلاح حركة "حماس"، وأكدا رفضهما القاطع لمحاولات تقويض حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة.

وأكد الطرفان مجدداً دعمهما لمجلس القيادة الرئاسي اليمني وجهود الأمم المتحدة، وشددا على أهمية تكثيف الجهود لإنهاء الأزمة ووقف التدخلات الخارجية في السودان، والتزامهما بوحدة سوريا واستقرارها وتعافيها الاقتصادي. 

رويترز
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ووزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان آل سعود ووزير الاقتصاد الفرنسي بعد توقيع اتفاق تجاري بين البلدين في قصر الإليزيه في باريس، في 24 أغسطس 2026

ينعكس التقارب في وجهات النظر على الصعيد العملي مثل المبادرة المشتركة التي حملتها السعودية وفرنسا إلى الأمم المتحدة لإعادة إحياء "حل الدولتين". وتراقب باريس عن كثب حالة عدم اليقين في الإقليم، والتوازنات الجديدة تبعاً للمبادرتين الرئيستين اللتين أطلقتهما المملكة العربية السعودية: اتفاق مكة الدفاعي مع باكستان وتركيا، والتحالف البحري لضمان حرية الإبحار الآمن في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

ثمّنت الرياض معدات مجموعة "تاليس" الفرنسية للدفاع الجوي التي صدّت هجمات المسيّرات، فيما تراقب باريس التوازنات الجديدة بعد "اتفاق مكة" الدفاعي والتحالف البحري في البحر الأحمر

ومما لا شك فيه أن التعاون الدفاعي الفرنسي-السعودي سيؤمن ما تطلبه الرياض من تقنيات جديدة وأسلحة دفاعية.

ويكشف مصدر فرنسي مطلع عن تثمين الرياض لمعدات مجموعة "تاليس" الفرنسية للدفاع الجوي والتي لعبت دوراً فعالاً في صد هجمات المسيرات التي استهدفت المملكة.

أما على صعيد أمن الطاقة، فقد أكد البيان المشترك على ضرورة تعزيز التعاون الاستراتيجي في مجالات النفط والبتروكيماويات. وفي هذا الإطار، أشادت باريس بجهود المملكة في تعزيز مرونة سلاسل الإمداد واستدامة مصادر الطاقة.

البعد الثقافي والترفيهي في الشراكة الثنائية

تعزز زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى باريس القوة السعودية الناعمة وتفتح آفاق المستقبل أمام الشباب. ومما لا شك فيه أن الرياضة على أنواعها والرياضات الإلكترونية تمثل مدماكاً أساسياً لرؤية مستقبلية بشأن كل أوجه الثقافة، والرياضة، والسياحة، والترفيه. 

ترتكز المجالات الجديدة للتقارب بين البلدين إلى التحول الذي تشهده السعودية في إطار "رؤية 2030"، ونقاط القوة التي تتمتع بها فرنسا في قطاعات مثل الطاقة والبنية التحتية والثقافة والابتكار والذكاء الاصطناعي والتعليم والصناعات الإبداعية.

في هذا الصدد، كان للشأن الثقافي حصته في البيان المشترك، إذ تقرر تمديد الشراكة السعودية-الفرنسية بشأن "موقع العلا" حتى عام 2035، استناداً  إلى "الفرص التي توفرها العلا بوصفها وجهة ثقافية وتراثية كبرى في القرن الحادي والعشرين".

ورحب الطرفان بمشاركة فرنسا في المعرض الدولي في الرياض، وهو "الحدث التاريخي" بالنسبة للسعودية، كما أنهما اتفقا على جعل المعرض محطة بارزة في العلاقات الفرنسية-السعودية.

على الصعيد الترفيهي، اتفق البلدان على تعزيز علاقاتهما الاقتصادية والاستثمارات المتبادلة، وتحديداً مشروع "شركة القدية للاستثمار" القائم على إنشاء ثلاثة مرافق ترفيهية: في "سيرجي-بونتواز"، بمنطقة إيل دو فرانس، بإجمالي استثمارات سعودية تصل إلى 6 مليارات يورو.

رويترز
وزير الرياضة السعودي الأمير عبد العزيز بن تركي الفيصل يوقع مع وزيرة الرياضة الفرنسية مارينا فيراري اتفاق تعاون في مجال الرياضة قبيل الحفل الختامي لكأس العالم للرياضات الإلكترونية في "القصر الكبير" في باريس، في 23 أغسطس 2026

في وقت سابق، صرحت فاليري بيكريس، رئيسة منطقة إيل دو فرانس، بأنها تعمل منذ ثمانية عشر شهراً على مشروع مدينة ملاهي مستوحاة من سلسلة المانغا اليابانية الشهيرة "دراغون بول". وأضافت بيكريس: "إنه مشروع بحجم ديزني، ومن شأنه أن يعزز جاذبية إيل دو فرانس السياحية بشكل كبير". وأعرب الرئيس الفرنسي لولي العهد السعودي عن امتنانه للثقة التي توليها المملكة لفرنسا "الوجهة السياحية الأولى في العالم" .

أكدت زيارة الأمير محمد بن سلمان على الانتقال من شراكة ثنائية فرنسية-سعودية قوية للغاية إلى شراكة استراتيجية شاملة تتعزز في زمن الأزمات. وقد توصل الطرفان إلى تفاهمات بناءة بفضل العمق التاريخي لعلاقة تدرجت على مدى قرن من الزمن وتتطلع نحو مستقبل مزدهر قائم على الاحترام والاستقلالية والعمل من أجل الاستقرار والتنمية واحترام القانون الدولي.

font change

مقالات ذات صلة