الجنوب السوري اختبار حقيقي... ما تتمسك به دمشق وما تشترطه إسرائيل

معادلة صعبة

أ.ف.ب
أ.ف.ب
جندي إسرائيلي يقوم بدورية في جبل الشيخ في مرتفعات الجولان التي ضمتها إسرائيل، والمتاخمة للبنان وسوريا، في 15 يناير 2026

الجنوب السوري اختبار حقيقي... ما تتمسك به دمشق وما تشترطه إسرائيل

منذ إقامة إسرائيل عام 1948، لم تكن سوريا، في حساباتها وإدراكاتها الاستراتيجية والسياسية والعسكرية، مجرد بلد جوار، أو بلدا عاديا، إذ يمثّل جبهة مواجهة، وتحديا أمنيا وسياسيا، وعقدة جغرافية، مع تأثيراته الثقافية والاجتماعية في عموم المنطقة العربية.

إضافة إلى ما تقدم ثمة ما يميز سوريا، باعتبار الشعب الفلسطيني جزءا من مجتمعات بلاد الشام، من مختلف النواحي، فهي بمثابة بلد مفتاحي، أو أساسي، في المشرق العربي، خاصة في حال قيام نوع من التكامل أو التعاضد بينها وبين مصر أو العراق، وصولا إلى دول الخليج العربي، وهو ما حرصت إسرائيل على الحؤول دونه بمختلف الأشكال والوسائل.

هكذا، فإلى جانب أن سوريا بحكم موقعها لعبت دورا أساسيا في الصراع العربي-الإسرائيلي، وكانت ضمنه في مجمل الحروب العربية-الإسرائيلية في مختلف العهود، ومع اعتبار حرب 1973 هي بمثابة آخر الحروب الدولتية العربية ضد إسرائيل، فقد لعبت دورا أساسيا أيضا، في دعم أنشطة الفصائل الفلسطينية، و"حزب الله" اللبناني، ضد إسرائيل، في نصف القرن الماضي، بما في ذلك كونها جسرا بين إيران ولبنان، بغض النظر عن التوظيفات السياسية الداخلية والخارجية لذلك، على الرغم من نأيها بذاتها عن أي صدام مع إسرائيل، باستثناء لحظة التصادم في البقاع اللبناني، إثر الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982.

وتبعا لكل ما تقدم فقد عرّفت إسرائيل حدودها مع سوريا باعتبارها أهدأ حدود لها، إذ ظلّت سوريا في عهد نظام الأسد (الأب والابن) تتجنّب أي رد على اعتداءات إسرائيل عليها وانتهاكها لسيادتها، مبررة ذلك بمقولتها الشهيرة: "الرد في المكان والزمان المناسبين"؛ أي أن النظام السوري كان يقول شيئا، باعتباره ضمن محور "المقاومة والممانعة"، ويفعل شيئا آخر.

المداخلات الإسرائيلية بعد التغيير السوري

اللافت أن إسرائيل التي تعايشت مع نظام الأسد، وجيشه، وقدراته العسكرية، لأكثر من نصف قرن، سارعت بعد انهياره في 8/ 12/ 2024، إلى توجيه التهديدات إلى سوريا، وانتهاك سيادتها، عبر ثلاثة مداخل: الأول، الاعتداء على أراضيها، مع شن حملة عسكرية واسعة، نجم عنها تدمير البني التحتية للجيش السوري، وكل قطعاته العسكرية، الجوية والبرية والبحرية، وهو أمر بات بمثابة سلوك روتيني للجيش الإسرائيلي، على الحدود، داخل الأراضي السورية. والثاني، تهديد سوريا، نظريا وعمليا، ببذر الانقسامات فيها، جغرافيا واجتماعيا، بدعوى "حماية الأقليات"، وهو ما فعلته، إبان أزمة السويداء، بالتدخل العسكري المباشر في يوليو/تموز 2025، والذي توقف بضغط أميركي. والثالث، المطالبة بإخلاء محافظات الجنوب السوري (السويداء ودرعا والقنيطرة) من أي تواجد عسكري للجيش السوري، لضمان أمن إسرائيل؛ وهو ما تحاول إسرائيل فعله في لبنان أيضا.

يقول آفي أشكينازي، في مقال عنوانه: "إسرائيل تغيّر قواعد اللعب في الشرق الأوسط"، أن إسرائيل "حددت، من خلال الأفعال، منطقة بعمق 80 كيلومتراً مربعاً على الحدود داخل الأراضي السورية، خالية من سلاح النظام السوري والميليشيات والتنظيمات "الإرهابية"، وفي طليعتها "حماس" و"حزب الله". (معاريف، 13/ 3/ 2025).

ما يفاقم القلق الإسرائيلي أن الولايات المتحدة، وخاصة رئيسها دونالد ترمب، بات أكثر قربا من القيادة السورية الحالية، بل إنه يغدق المديح على الرئيس السوري أحمد الشرع، في مقابل أنه يضغط على إسرائيل

إذن، إن إسرائيل تستهدف، مما تفعله في سوريا ولبنان وفلسطين، أولا، إعادة الاعتبار لجيشها، ولذاتها، كالقوة العسكرية الأقوى في الشرق الأوسط، بعد الضربة التي تعرض لها في "طوفان الأقصى" (أواخر 2023)، وهذا يشمل، أيضا، قضم النفوذ التركي، أو الحؤول دون استفحاله في سوريا. وثانيا، الزعم، أو التبرير، بـ "أمنها القومي"، بإيجاد حائط صدّ، أو عمق، أمني استراتيجي لها، يجنّبها "طوفان" آخر، مستقبلا. وثالثا، الاستثمار في المشكلات، أو التصدّعات، المجتمعية في سوريا ولبنان، واللعب عليها، لفرض استراتيجية قديمة تتأسس على خلق مشرق عربي على شاكلتها، من جماعات متمحورة حول هوياتها الطائفية والأثنية، ما يخفّف من استثنائيتها كدولة يهودية في المنطقة؛ بمعنى أنها بذلك لا تطبّع مع محيطها العربي، وإنما تطبّع المحيط العربي معها؛ أو تعمم خاصيتها في محيطها.

ويلخص رون بن يشاي كل ذلك بقوله: "تعتزم إسرائيل تصميم واقع جديد في المنطقة بجوار حدودها جنوبي دمشق، عبر خلق منظومة دفاعية من ثلاث مناطق أو مقاطع جغرافية: المقطع القريب من إسرائيل هو منطقة الفصل، كما تقررت في اتفاقات فصل القوات في 1974؛ وخارج منطقة الفصل منطقة للحراسة (هي المناطق العازلة)، وفيها قرى سورية كثيرة، دخل إليها الجيش الإسرائيلي موضعياً ليمنع التسلح، كما يتيح رقابة ومرمى نيران لمسافات بعيدة؛ وما وراء منطقة الحراسة "منطقة النفوذ"، تحاذي طريق دمشق–السويداء، وعرضها 65 كيلومتراً، وتتضمن تجمعات الدروز وعرباً سُنة معنيين بالعلاقة مع إسرائيل، والتي ترى إسرائيل فيه (أي الإقليم الدرزي وسكانه) عنصراً لها التزام تجاهه" (يديعوت أحرونوت، 11/ 3/ 2025).

وللتذكير، فقد كان يسرائيل كاتس، وزير الدفاع الإسرائيلي، قد وجّه تهديدا صريحا للرئيس السوري أحمد الشرع، إبان زيارة له لجبل الشيخ المحتل في 13/ 3/ 2025، بأنه "عندما يفتح عينيه في القصر الرئاسي في دمشق كل صباح، سيرى أن الجيش الإسرائيلي يراقبه من قمة جبل الشيخ، وفي المنطقة العازلة جنوب سوريا، من أجل حماية أهالي الجولان، والجليل، من تهديداته"؛ مؤكدا أن إسرائيل مستعدة للبقاء في سوريا بشكل دائم".

التهديد السوري في المنظور الإسرائيلي

ما تفعله إسرائيل في سوريا، وفي المنطقة، من واقع امتلاكها فائض قوة، وإدراكها أن سوريا (أو أي من الأطراف الأخرى) لا تمتلك القدرة للرد عليها، كما أنّ المعطيات الدولية والإقليمية والعربية، قد لا تمكنها، أو تسمح لها، بالرد، بخاصة بعد انهيار الجيش السوري، وتدمير إسرائيل للقدرات العسكرية السورية، وفي ظل الأوضاع الخاصة، سياسيا وأمنيا واقتصاديا واجتماعيا، التي تعيشها سوريا، في المرحلة الانتقالية.

أ.ف.ب
رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس بين جنود الجيش الإسرائيلي على جبل الشيخ في مرتفعات الجولان المحتلة، في 17 ديسمبر 2024

القصد أن إسرائيل ستبقى تشتغل في هذا الاتجاه، لإنهاك سوريا، واستنزافها، وإرهاقها، وإبقائها كدولة، ضعيفة، ومقسمة، وخاضعة، وهذا ما يفترض التحسب له، ودراسة سبل تفويته، أو تجاوزه. ومع ذلك، فإن سوريا في وضعها الراهن، أي وهي لا تستطيع، وليس بوسعها، انتهاج أي خيار عسكري، ستظل موضع استهداف من قبل إسرائيل، بحكم عديد من العوامل، أهمها:

أولا، أن إسرائيل تحتل هضبة الجولان السورية، منذ 60 عاما، بل إنها باتت تعتبرها جزءا من أراضيها (قانون أساس: 1981)، وهذا الوضع لا يمكن لسوريا القبول به، وهذا ما صرح به مؤخرا وزير الخارجية السورية أسعد الشيباني، مع تأكيده أن هذا الأمر ليس مطروحا في هذه الظروف، التي تكتفي فيها سوريا، راهنا، بانسحاب إسرائيل من الأراضي السورية التي احتلتها بعد 8/ 12/ 2024.

وثانيا، العلاقة السورية-التركية المتميزة، فهذه ترى فيها إسرائيل تهديدا لها، بعد أن باتت، بعض الأوساط فيها، تعرّف تركيا كعدو، كأنها احتلت مكانة إيران، التي انحسر نفوذها مؤخرا في المشرق العربي.

وثالثا، تنظر إسرائيل إلى قيام حلف دفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان، بمثابة تهديد لمكانتها في الشرق الأوسط، لذا فهي تخشى من تعزيز هذا الحلف لاستقلالية سوريا، وتمكينها من تحصين ذاتها إزاء الاملاءات والضغوطات والتدخلات السياسية والعسكرية الإسرائيلية.

ورابعا، باتت إسرائيل تدرك، أن سوريا، وعلى الرغم من إنها ضعيفة عسكريا واقتصاديا، فإن لديها القدرة على صد الضغوط الإسرائيلية (وحتى الأميركية) الرامية لإخضاعها لإملاءات التطبيع، بالاستناد إلى الحائط العربي، بمطالبتها باستعادة الجولان السورية، والتمسك بالمبادرة العربية للسلام.

وخامسا، ما يفاقم القلق الإسرائيلي أن الولايات المتحدة، وخاصة رئيسها دونالد ترمب، بات أكثر قربا من القيادة السورية الحالية، بل إنه يغدق المديح على الرئيس السوري أحمد الشرع، في مقابل أنه يضغط على إسرائيل، ويقيّد يدها، في التدخل في الشأن السوري، كما في عديد من الملفات. وفي هذا الإطار يرى دكتور ميخائيل ميلشتاين أن "ترمب سيُقرر مصير الوضع في سوريا أيضاً، كما حدث في لبنان ويحدث حالياً في غزة، وهذا أيضاً يتعارض مع مصالح إسرائيل"، (يديعوت أحرونوت، 17/ 8/ 2026). بمعنى أن ذلك يحدث عن حساب إسرائيل، أي على حساب تآكل مكانتها في رسم الاستراتيجية الأميركية في المنطقة.

ما يميز المفاوضات الحالية، السادسة من نوعها، أنها تجري تحت رعاية أميركية، وفي بلد عربي هو الأردن، وأنها مفاوضات مباشرة، ومعلن عنها، وأنها تقتصر على البعد الأمني

ويحاول المحلل الإسرائيلي إيال زيسر تلخيص الوضع الراهن بين إسرائيل وسوريا، وما بينهما الولايات المتحدة وتركيا، بالآتي: "عندما سقط نظام الأسد، استغلت إسرائيل اللحظة، وهاجمت ودمرت قدرات عسكرية كان يحوزها نظام الأسد، كي لا تسقط في أياد غير مرغوب فيها، وتجندت لمساعدة الدروز في صراعهم ضد الحكم السوري الجديد، وهجومها الأخير على كل موقع تعلم أن فيه قوات تركية. غير أن الأيام التي تمتعت فيها إسرائيل بحرية عمل في سوريا انقضت بلا عودة؛ فالشرع أصبح عزيز الغرب، وكانت النتيجة المحتمة التضييق على مجال عمل إسرائيل في سوريا. لكن تركيا ليست إيران، والشرع ليس بشار الأسد، فالتوتر سيستمر، ومثله أعمال إسرائيل على أراضي سوريا. لكن لا يوجد في هذه اللحظة تخوف من التصعيد الذي لا يريده أي من الأطراف، لا أنقرة، ولا "القدس" [تل أبيب]، ولا دمشق". (إسرائيل اليوم، 20/ 8/ 2026).

مفاوضات سورية-إسرائيلية بدون نتائج

نظرا لكل العوامل ستبقى سوريا في دائرة الاستهداف الإسرائيلي، بغض النظر عما تريده أو ما لا تريده، وبغض النظر عن رؤيتها لأحوالها، ما يفسر مسعى سوريا، في اللحظة الراهنة، لوضع الأمر في إطار ما يسمى بـ "خفض التصعيد"، وكفّ يد الجيش الإسرائيلي عن العمل في الأراضي السورية، والضغط لانسحابه من الأراضي التي احتلها، أو دخلها، بعد 8/ 12/ 2025، مع إعادة تفعيل اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 وتنفيذه بالكامل، على قاعدة احترام سيادة سوريا ووحدة أراضيها وحقوقها السيادية، وهي النقاط التي شكلت محور المباحثات التي جرت في الأردن، برعاية أميركية، لا أكثر ولا أقل.

رويترز
وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني يتحدث خلال مقابلة مع وكالة رويترز في دمشق، سوريا، 22 أغسطس 2026

ما يفترض التذكير به، الآن، أن تلك المفاوضات ليست الأولى من نوعها، بين إسرائيل وسوريا، فبعد اتفاقيات الهدنة عام 1948، واتفاقية فض الاشتباك عام 1974، حصلت مفاوضات عديدة، تمحورت حول استعادة الجولان السورية والترتيبات الأمنية والتطبيع، دون أن تصل إلى أية نتيجة.

هذا حصل في مفاوضات مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، والتي استمرت لعدة أعوام في واشنطن، ثم توقفت، واستؤنفت ثانية في أواسط التسعينيات في واي بلانتيشن، وفي مرة ثالثة عقدت في واشنطن، وفرجينيا، عامَي 1999، و2000، في عهد إيهود باراك، برعاية الرئيس الأميركي بيل كلينتون، وفي مرة رابعة، في عهد إيهود أولمرت وبشار الأسد، حيث عقدت مفاوضات غير مباشرة، بوساطة تركيا عام 2008. وفي العهد الجديد في سوريا تم الإعلان عن مفاوضات غير مباشرة، صيف 2025، بهدف "خفض التصعيد".

ما يميز المفاوضات الحالية، السادسة من نوعها، أنها تجري تحت رعاية أميركية، وفي بلد عربي هو الأردن، وأنها مفاوضات مباشرة، ومعلن عنها، وأنها تقتصر على البعد الأمني، ولا تشتمل على بعد سياسي، كما أنها تؤجل مسألة الاحتلال الإسرائيلي للجولان في الظروف والمعطيات الراهنة.

font change