لقاحات السرطان الجديدة... من الوقاية قبل ظهور الورم إلى علاج مصمَّم لكل مريضhttps://www.majalla.com/node/332860/%D8%B9%D9%84%D9%88%D9%85-%D9%88%D8%AA%D9%83%D9%86%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A%D8%A7/%D9%84%D9%82%D8%A7%D8%AD%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B1%D8%B7%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%88%D9%82%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D9%82%D8%A8%D9%84-%D8%B8%D9%87%D9%88%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B1%D9%85-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%B9%D9%84%D8%A7%D8%AC-%D9%85%D8%B5%D9%85%D9%91%D9%8E%D9%85-%D9%84%D9%83%D9%84
لسنوات طويلة بدت عبارة "لقاح السرطان" أقرب إلى وعد مستقبلي منها إلى علاج حقيقي. فاللقاحات تنجح بصورة مذهلة عندما يكون العدو فيروسا أو بكتيريا يمكن جهاز المناعة تمييزها بسهولة، لكن السرطان مختلف، إذ ينشأ من خلايا الجسم نفسه، ويتغير باستمرار، وقد يحمل كل مريض ورما مختلفا جينيا عن ورم مريض آخر، حتى لو كان السرطان في العضو نفسه.
لكن عام 2026 قد يكون نقطة تحول في هذه القصة. ففي 19 أغسطس/آب أعلنت شركتا "موديرنا" و"ميرك" نجاح تجربة من المرحلة الثالثة للقاح شخصي قائم على الحمض النووي الريبي المرسال، يعرف باسم "إنتيسميران أوتوجين"، عند استخدامه مع العلاج المناعي "بيمبروليزوماب" بعد استئصال الميلانوما العالية الخطورة. وهي أول نتيجة إيجابية من المرحلة الثالثة لعلاج سرطاني يعتمد على الحمض النووي الريبي المرسال، وأول نجاح بهذا المستوى للقاح يستهدف مستضدات جديدة مصممة بصورة خاصة لكل مريض.
الخبر لا يعني أن "لقاحا للسرطان" أصبح جاهزا في الصيدليات، فالدواء لا يزال تجريبيا ولم يحصل حتى مطلع سبتمبر/أيلول 2026 على موافقة للاستخدام الروتيني، كما أن الشركات لم تنشر بعد التفاصيل الرقمية الكاملة للتجربة. لكنه يمثل أقوى دليل حتى الآن على إمكان تصميم لقاح من ورم المريض نفسه، ثم استخدامه لتدريب المناعة على مطاردة الخلايا المتبقية بعد الجراحة.
لقاح للوقاية وآخر للعلاج
أول ما ينبغي توضيحه هو أن مصطلح "لقاح السرطان" يضم فكرتين مختلفتين تماما.
الأولى هي لقاحات تمنع العدوى التي يمكن أن تتسبب بالسرطان؛ وأهم مثلين هما لقاح فيروس الورم الحليمي البشري، الذي يمنع نسبة كبيرة من سرطانات عنق الرحم وعددا من سرطانات الشرج والمهبل والفرج والقضيب والرأس والعنق، ولقاح التهاب الكبد "بي"، الذي يقلل خطر العدوى المزمنة التي قد تنتهي بتليف الكبد وسرطان الخلايا الكبدية. هذه اللقاحات لا تبحث عن الخلية السرطانية نفسها، بل تمنع أحد أسباب تكوّنها.
ينقسم "لقاح السرطان" لقاحات وقائية تمنع عدوى مسببة للسرطان، وأخرى علاجية تدرب جهاز المناعة على استهداف الخلايا السرطانية لدى المصابين أو المعرضين لعودة المرض
أما النوع الثاني فهو اللقاحات العلاجية، ويعطى لشخص لديه سرطان بالفعل أو أزيل ورمه ويخشى عودته. والهدف هنا أن يتعلم جهاز المناعة التعرف إلى علامات موجودة على الخلايا السرطانية ثم يكوّن خلايا تائية تستطيع البحث عنها وقتلها.
حتى الآن يظل "سيبوليوسيل-تي" "بروفينج" المثل الأوضح على لقاح علاجي للسرطان حصل على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأميركية. ويستخدم لبعض الرجال المصابين بسرطان البروستاتا النقيلي المقاوم للعلاج الهرموني مع أعراض قليلة أو معدومة. ويصنع العلاج من خلايا مناعية تسحب من المريض وتعرض في المختبر لبروتين مرتبط بسرطان البروستاتا ثم تعاد إليه لتحفيز المناعة ضد الورم.
أما العلاجات بالفيروسات الحالة للأورام، التي توصف أحيانا بأنها لقاحات سرطانية، فهي فئة متداخلة لكنها مختلفة في آلية عملها. لذلك لا ينبغي خلطها باللقاحات التي تصمم أساسا لتدريب الجهاز المناعي على مستضدات الورم.
اللقاح الذي أثبت أن الوقاية من السرطان ممكنة
إذا كان الحديث عن اللقاحات العلاجية لا يزال مليئا بالتجارب والأسئلة، فإن نجاح اللقاحات الوقائية لم يعد افتراضا.
ففي يونيو/حزيران 2026 نشرت دورية "ذا لانسيت" تحليلا لبيانات الوفيات في إنكلترا بين عامي 2001 و2024 أظهر أنه لم تسجل أي وفاة بسرطان عنق الرحم بين النساء بعمر 20 إلى 24 عاما خلال الفترة من 2020 إلى 2024، وهي مجموعة وصلت فيها تغطية التطعيم ضد فيروس الورم الحليمي البشري في سن 12 إلى 13 عاما إلى نحو 88-90 في المئة.
اختبار مخبري في شركة "ترانسجين" للتكنولوجيا الحيوية، التي تعمل على تطوير لقاح للسرطان يستهدف المستضدات الجديدة، في إيلكيرش-غراڤنفشتادن شرق فرنسا، 17 نوفمبر 2021
وكان من المتوقع تاريخيا تسجيل نحو 23 وفاة في هذه الفئة. وقدر الباحثون أن برنامج التطعيم ارتبط بتجنب نحو 200 وفاة بسرطان عنق الرحم في إنكلترا حتى نهاية 2024. والدراسة رصدية، ولذلك لا تعني أن اللقاح يوفر حماية مطلقة لكل فرد، لكنها تقدم أقوى دليل وطني حتى الآن على أن التطعيم يخفض الوفيات وليس الإصابات فقط.
وتضع منظمة الصحة العالمية التطعيم ضد فيروس الورم الحليمي في قلب خطتها للقضاء على سرطان عنق الرحم كمشكلة للصحة العامة، وتستهدف تطعيم 90 في المئة من الفتيات بالكامل في سن 15 عاما. وحتى نهاية 2025 كانت 165 دولة قد أدخلت اللقاح في برامجها، ولم تجد المراجعة العالمية الأحدث للسلامة التي نشرتها المنظمة في أغسطس/آب 2026 إشارات جديدة مثيرة للقلق.
المشكلة الأساس أن الخلية السرطانية ليست جسما غريبا بالكامل. فهي خلية بشرية اكتسبت طفرات سمحت لها بالنمو والخروج عن السيطرة، ولذلك فإن كثيرا من البروتينات الموجودة عليها موجود أيضا، بدرجات مختلفة، على خلايا سليمة.
يتعلم جهاز المناعة منذ البداية ألا يهاجم مكونات الجسم الطبيعية. بالتالي فإن محاولة تطعيم الإنسان ببروتين يوجد على الورم والأنسجة الطبيعية معا قد تنتج استجابة ضعيفة، أو تخاطر بإصابة الأنسجة السليمة.
تضع منظمة الصحة العالمية التطعيم ضد فيروس الورم الحليمي في قلب خطتها للقضاء على سرطان عنق الرحم كمشكلة للصحة العامة
ثم تأتي مشكلة أخرى هي أن الأورام غير متجانسة، فقد تختلف الخلايا داخل الورم الواحد نفسها، كما أن الورم يتطور مع مرور الوقت ويستطيع التخلص من العلامة التي تتعرف إليها المناعة أو إيقاف عرضها على سطح الخلايا.
ولهذا لم تتحول عقود من التجارب على لقاحات الأورام إلى نجاحات واسعة. لكن مراجعة نشرتها "نيتشر ميديسن" في مارس/آذار 2026 قالت إن نتائج مشجعة من تجارب المرحلتين الأولى والثانية، وتحسن اختيار المستضدات وتقنيات التوصيل، نقلت المجال إلى مرحلة جديدة وأدت إلى بدء تجارب كبيرة، خصوصا عند استخدام اللقاحات في المراحل المبكرة وبعد الجراحة عندما تكون كمية السرطان المتبقية صغيرة.
كلمة السر: المستضدات الجديدة
جاء الاختراق الأكبر من شيء يسمى المستضدات الجديدة أو "نيوأنتيجنز". فعندما تحدث طفرة داخل الخلية السرطانية يمكن أن تنتج بروتينا لم يكن موجودا في خلايا الجسم الطبيعية. وقد تقطع الخلية أجزاء صغيرة منه وتعرضها على سطحها. وبالنسبة لجهاز المناعة، تصبح هذه القطعة أشبه بعلم غريب يمكن استخدامه لتمييز السرطان عن الأنسجة الطبيعية.
المشكلة أن هذه الطفرات تختلف من مريض إلى آخر. وهنا دخل التسلسل الجيني والذكاء الاصطناعي والحمض النووي الريبي المرسال إلى الصورة.
في اللقاح الشخصي، يأخذ الباحثون عينة من الورم ويقارنون الحمض النووي الموجود فيها بالحمض النووي السليم للمريض، ثم يحددون الطفرات الخاصة بالسرطان ويتنبأون بأيها سيولد مستضدات تستطيع الخلايا المناعية رؤيتها. بعد ذلك يصنع لقاح يحمل التعليمات اللازمة لإنتاج مجموعة من هذه الأهداف.
اختبار مخبري في شركة "ترانسجين" للتكنولوجيا الحيوية، التي تعمل على تطوير لقاح للسرطان يستهدف المستضدات الجديدة، في إيلكيرش-غراڤنفشتادن شرق فرنسا، 17 نوفمبر 2021
الفكرة إذا ليست إعطاء كل مرضى سرطان الجلد اللقاح نفسه، وإنما تصنيع لقاح مختلف لكل مريض.
الميلانوما أول اختبار حقيقي في المرحلة الثالثة
"إنتيسميران أوتوجين"، المعروف سابقا باسم "في 940" أو "إم آر إن إيه-4157"، يمكن تصميمه ليحمل الحمض النووي الريبي الذي يرمز لما يصل إلى 34 مستضدا جديدا خاصا بورم المريض. وبعد إعطائه، تنتج الخلايا هذه البروتينات مؤقتا وتعرضها لجهاز المناعة كي تتعلم الخلايا التائية قائمة الأهداف التي ينبغي البحث عنها.
وأعطي اللقاح في التجارب مع "بيمبروليزوماب"، وهو دواء يرفع أحد "الفرامل" عن الخلايا التائية. وبذلك يحاول العلاج الجمع بين عمليتين، اللقاح يخبر جهاز المناعة ما الذي يبحث عنه، و"بيمبروليزوماب" يساعده في الاستمرار في الهجوم.
يعتمد اللقاح الشخصي على تحليل ورم المريض لاكتشاف طفرات يمكن المناعة استهدافها، ثم تصميم لقاح يحمل تعليمات لإنتاج هذه الأهداف وتحفيز الجهاز المناعي ضدها
كانت تجربة المرحلة الثانية قد أعطت الإشارة الأولى القوية. وبعد متابعة وسطية بلغت خمس سنوات، ارتبط الجمع بين اللقاح و"بيمبروليزوماب" بانخفاض خطر عودة الميلانوما أو الوفاة بنسبة 49 في المئة، وانخفاض خطر ظهور نقائل بعيدة أو الوفاة بنسبة 59 في المئة مقارنة بـ"بيمبروليزوماب" وحده.
لكن السؤال الحقيقي كان: هل ستتكرر النتيجة في تجربة أكبر؟
لهذا بدأت تجربة المرحلة الثالثة، "إنترباث-001"، التي شملت 1137 مريضا أزيلت لديهم ميلانوما جلدية عالية الخطورة في المراحل من الثانية "بي" حتى الرابعة. وفي 19 أغسطس/آب 2026 أعلنت الشركتان أن الدراسة حققت هدفها الأساس المتمثل في إطالة الفترة دون عودة السرطان، وكذلك هدفا رئيسا يتعلق بمنع النقائل البعيدة، وكانت الفروق ذات دلالة إحصائية وأهمية سريرية مقارنة بـ"بيمبروليزوماب" وحده.
لكن هناك نقطة يجب الحذر منها، الأرقام التفصيلية للمرحلة الثالثة لم تعلن بعد حتى مطلع سبتمبر/أيلول، ولذلك فإن نسب الانخفاض البالغة 49 في المئة و59 في المئة تخص تجربة المرحلة الثانية الطويلة المتابعة، ولا يجوز نسبها إلى تجربة المرحلة الثالثة. ومن المتوقع عرض البيانات التفصيلية لاحقا، بينما قالت الشركتان إنهما تعتزمان مناقشة تقديم طلبات الموافقة مع الجهات التنظيمية.
بعد تسعة أيام فقط من هذا الخبر جاءت نتيجة تذكر بأن تقنية الحمض النووي الريبي ليست ضمانا للنجاح.
امرأة تعمل على لقاح لسرطان الرئة في مختبر شركة "أوز إيمونوتيرابيوتكس" في نانت، 1 أكتوبر 2023
ففي 28 أغسطس/آب أعلنت "بايونتك" وشريكتها "جينينتك" إنهاء تجربة من المرحلة الثانية للقاح شخصي يسمى "أوتوجين سيفوميران" لدى مرضى سرطان القولون والمستقيم العالي الخطورة بعد الجراحة والعلاج الكيميائي، وكان المرضى لا يزال لديهم حمض نووي سرطاني يمكن اكتشافه في الدم.
وجاء القرار بعد مراجعة مستقلة خلصت إلى أن الدراسة من غير المرجح أن تثبت تحسنا في البقاء الكلي، مع وجود عدم توازن عددي في الوفيات بين مجموعتي الدراسة. ولم تثبت الدراسة أن تقنية اللقاح نفسها تتسبب بالضرر، لكن النتيجة أوقفت التجربة وأظهرت أن نجاح اللقاح في الميلانوما لا يعني نجاح المنصة نفسها في كل بيئة ورمية.
وهذا الاختلاف مفهوم بيولوجيا. فالميلانوما غالبا ما تحمل عددا كبيرا من الطفرات وتكون أكثر قابلية لاستجابة الجهاز المناعي، بينما تستطيع أورام أخرى تكوين بيئة شديدة التثبيط حولها أو عرض عدد أقل من المستضدات القوية.
البنكرياس اختبار في واحد من أصعب الأورام
ومن أهم الاختبارات لهذه الفكرة سرطان البنكرياس، الذي يعد نموذجا للورم "البارد" مناعيا. في دراسة مبكرة على 16 مريضا أزيل لديهم سرطان البنكرياس جراحيا، استخدم الباحثون "أوتوجين سيفوميران" المصمم بصورة خاصة لكل مريض مع العلاج المناعي والعلاج الكيميائي. نجح اللقاح في توليد استجابات قوية من الخلايا التائية لدى ثمانية مرضى.
وبعد متابعة وسطية امتدت إلى 3.2 سنوات، لم يصل متوسط الفترة دون عودة السرطان لدى المرضى الثمانية الذين كوّنوا استجابة مناعية إلى نهايته بعد، بينما بلغ 13.4 شهرا لدى الثمانية الذين لم يولد اللقاح لديهم استجابة قابلة للقياس. وظلت بعض الخلايا التائية التي أنشأها اللقاح موجودة لسنوات، وقدر الباحثون متوسط عمر بعض سلالاتها بنحو 7.7 سنوات.
أظهرت "إنترباث-001" نتائج إيجابية للقاح الشخصي في الميلانوما، لكن توقف لقاح مشابه لسرطان القولون يبرز أن نجاح هذه التقنية يختلف باختلاف نوع الورم وخصائصه البيولوجية
لكن الدراسة صغيرة وغير عشوائية، ولا تثبت أن اللقاح هو سبب تأخر الانتكاس. ولهذا تجرى تجربة عشوائية أكبر، بينما يستمر برنامج الدواء في سرطان البنكرياس رغم توقف تجربته في سرطان القولون.
في فبراير/شباط 2026 نشرت "نيتشر" نتائج متابعة طويلة للقاح شخصي آخر قائم على الحمض النووي الريبي لدى 14 مريضة بسرطان الثدي الثلاثي السلبي بعد العلاج الأولي.
وولدت جميع المريضات تقريبا استجابات للخلايا التائية ضد عدة مستضدات جديدة، واستمرت بعض الخلايا المناعية الناتجة من اللقاح لسنوات. وظلت 11 من المريضات دون انتكاس لفترات وصلت إلى ست سنوات بعد التطعيم.
لكن عدد المشاركات صغير جدا ولا توجد مجموعة مقارنة تسمح بالقول إن اللقاح منع الانتكاس. أهمية الدراسة مختلفة، فقد أثبتت أن اللقاح الشخصي يستطيع إنشاء ذاكرة مناعية طويلة الأمد، وهي أحد أهم الشروط التي يحتاجها أي لقاح سرطاني ناجح.
لقاح فيروسي شخصي لسرطان الرأس والعنق
لا يعتمد المستقبل على الحمض النووي الريبي وحده. ففي أغسطس/آب 2026 نشرت "نيتشر كوميونيكيشنز" تجربة عشوائية صغيرة للقاح شخصي يسمى "تي جي 4050"، يستخدم فيروسا معدلا من نوع "فاكسينيا أنقرة" لنقل ما يصل إلى 30 مستضدا جديدا اختيرت وفقا لطفرات ورم كل مريض بسرطان الخلايا الحرشفية في الرأس والعنق.
ومن بين 16 مريضا أمكن تقييمهم وحصلوا على اللقاح بعد العلاج القياسي، لم تحدث أي انتكاسة بعد متابعة وسطية بلغت 30 شهرا، مقابل ثلاث حالات انتكاس بين 16 مريضا في مجموعة المراقبة. كما ظهرت استجابات مناعية للمستضدات المستهدفة لدى نحو 73 في المئة ممن تلقوا اللقاح مبكرا.
لكنها تجربة من المرحلة الأولى وعدد المشاركين صغير، وكان الهدف الأساس دراسة السلامة، ولذلك تحتاج إشارة الفعالية إلى تأكيد بدراسات أكبر.
ربما تكون الفكرة الأكثر طموحا في 2026 هي الانتقال من علاج الورم بعد ظهوره إلى اعتراض السرطان قبل أن يصبح سرطانا غازيا.
وقد بدأت الفكرة لدى الأشخاص الذين نعرف مسبقا أنهم معرضون لخطر شديد بسبب طفرات وراثية.
في يناير/كانون الثاني نشرت "نيتشر ميديسن" دراسة على لقاح يدعى "نوس-209" لدى 45 شخصا يحملون متلازمة "لينش"، وهي حالة وراثية ترفع بصورة كبيرة خطر سرطان القولون وبطانة الرحم وأنواع أخرى.
عامل صحي يعطي لقاح فيروس الورم الحليمي البشري (HPV) لفتاة في كراتشي في 24 سبتمبر 2025، خلال حملة تطعيم ضد سرطان عنق الرحم، الذي يُعد أكثر أنواع السرطان تشخيصا لدى النساء
بدلا من تصنيع لقاح لكل فرد، يحمل "نوس-209" مجموعة جاهزة من 209 مستضدات جديدة ناتجة من طفرات متكررة تظهر في الأورام المرتبطة بخلل إصلاح الحمض النووي. ومن بين 37 مشاركا أمكن تقييم استجابتهم المناعية، ولد اللقاح استجابة للخلايا التائية لدى الجميع، وظلت الاستجابة قابلة للكشف بعد عام لدى 85 في المئة. ولم تسجل آثار جانبية خطيرة مرتبطة بالعلاج.
لكن الدراسة لم تثبت بعد أن اللقاح يمنع السرطان، إذ كانت أهدافها الأساس السلامة والاستجابة المناعية. الأهمية هي إثبات إمكان تعليم جهاز المناعة مسبقا التعرف إلى طفرات يحتمل أن تظهر عندما تبدأ خلايا ما قبل السرطان في التطور.
تطعيم أصحاب الخطورة المرتفعة ضد "كراس"
يقدم سرطان البنكرياس نموذجا أكثر جرأة. ففي يوليو/تموز 2026 نشر باحثون أول تجربة بشرية للقاح "إم كراس-فاكس"، الذي يستهدف ست طفرات شائعة في جين "كراس". وشملت الدراسة 20 شخصا لديهم استعداد وراثي للإصابة بسرطان البنكرياس إلى جانب تغيرات في البنكرياس يمكن رؤيتها بالتصوير، لكنهم لم يكونوا مصابين بسرطان بنكرياس غازي.
ولد اللقاح استجابة مناعية ضد "كراس" لدى 18 من 20 مشاركا، أي 90 في المئة، واستمرت بعض سلالات الخلايا التائية لمدة تصل إلى عامين. ولم يصب أي مشارك بسرطان البنكرياس خلال متابعة وسطية بلغت 16.5 شهر.
أظهر لقاح "نوس-209" الجاهز استجابات مناعية قوية لدى حاملي "متلازمة لينش"، إذ استجاب له جميع المشاركين القابلين للتقييم، واستمرت الاستجابة لدى 85 في المئة منهم بعد عام، دون آثار جانبية خطيرة مرتبطة بالعلاج
لكن هذه النتيجة لا تعني أن اللقاح منع 100 في المئة من السرطانات؛ فالدراسة شملت 20 شخصا فقط، دون مجموعة ضابطة، والمتابعة قصيرة بالنسبة لمرض قد يستغرق سنوات حتى يظهر. إنها إثبات مبكر لإمكان تطعيم أشخاص أصحاء معرضين بشدة للخطر ضد طفرة سرطانية قبل ظهور الورم.
يتجه المجال حاليا في مسارين. الأول هو اللقاح الشخصي، ميزته أن أهدافه مختارة خصيصا لورم المريض، وبالتالي يصعب أن تكون موجودة على الأنسجة السليمة. لكن تصنيعه معقد، إذ يحتاج إلى عينة جيدة من الورم، وتسلسل جيني، واختيار حاسوبي للمستضدات، ثم تصنيع المنتج واختباره وتسليمه للمريض. وقد استغرق تصنيع اللقاحات في إحدى الدراسات المبكرة لسرطان الثدي 69 يوما في المتوسط، وإن كانت التقنيات التجارية الجديدة تسعى إلى تقليص هذه المدة.
المسار الثاني هو اللقاحات الجاهزة أو المشتركة، التي تستهدف طفرات أو مستضدات تظهر لدى أعداد كبيرة من المرضى، مثل "كراس" أو المستضدات المشتركة في "متلازمة لينش". هذه اللقاحات يمكن تصنيعها مسبقا وتخزينها وتوزيعها مثل الأدوية التقليدية، لكنها لن تناسب كل ورم وقد تكون أقل قدرة على ملاحقة التنوع الجيني الخاص بكل مريض.
لماذا تعطى اللقاحات بعد الجراحة؟
أحد الدروس التي تزداد وضوحا هو أن اللقاح قد لا يكون في أفضل حالاته أمام كتلة ضخمة من السرطان المنتشر. فالورم الكبير يحتوي على ملايين أو مليارات الخلايا المتنوعة، ويصنع بيئة تثبط الخلايا المناعية، وقد يتغير قبل أن تتعلم المناعة كيفية السيطرة عليه.
أما بعد الجراحة، فقد لا يبقى إلا عدد قليل من الخلايا المجهرية المنتشرة في الجسم. وهنا يصبح الأمر أشبه بتدريب جيش على البحث عن عدد صغير من الأعداء المختبئين بدلا من مطالبته باقتحام مدينة محصنة.
ولهذا ترى مراجعة حديثة في "نيتشر ميديسن" أن أحد أكثر الاتجاهات الواعدة هو استخدام لقاحات السرطان في العلاج المساعد بعد الجراحة أو حتى قبل الجراحة، عندما يكون العبء الورمي أقل ويكون لدى جهاز المناعة فرصة أفضل للعمل.
فني مختبر يُحضّر إنزيمات تُستخدم في تصنيع لقاح السرطان الشخصي في مختبر البيولوجيا الجزيئية التابع لشركة "ترانسجين" في إيلكيرش-غراڤنفشتادن شرق فرنسا، 27 أغسطس 2025
رغم الزخم غير المسبوق، لا توجد حتى الآن إجابة واحدة عن السؤال: هل ستصبح لقاحات السرطان ركنا أساسيا مثل العلاج الكيميائي والعلاج الموجه؟
الميلانوما قدمت في أغسطس/آب 2026 أول دليل قوي من المرحلة الثالثة، لكن تفاصيل الدراسة الكاملة والبقاء الكلي ما زالت منتظرة. وعلى الجانب الآخر أظهر توقف تجربة سرطان القولون أن القدرة على تحفيز الخلايا التائية لا تعني تلقائيا إطالة حياة المريض. كما أن دراسات البنكرياس والثدي والرأس والعنق والوقاية لدى أصحاب الخطورة الوراثية لا تزال صغيرة أو في مراحل مبكرة.
وهناك تحد آخر هو اختيار المستضد الصحيح. فالخوارزمية قد تحدد عشرات الطفرات في ورم المريض، لكن ليس كل بروتين متحور سيعرض فعليا على سطح الخلية، وليس كل مستضد معروض سيولد خلية تائية قوية، وقد يتخلص الورم لاحقا من الخلايا التي تعرض الهدف.
إضافة إلى ذلك تأتي تكلفة ووقت تصنيع اللقاحات الشخصية، والحاجة إلى اختبارات جينية متقدمة وبنية لوجستية تسمح بتحويل خزعة واحدة إلى دواء خاص بمريض واحد.
ولهذا بدأ المعهد الوطني الأميركي للسرطان خلال 2026 العمل مع مؤسسة المعاهد الوطنية للصحة على مبادرة وطنية لتسريع تطوير لقاحات السرطان العلاجية، مع خطط لاختبار منصات شخصية بالحمض النووي الريبي وأخرى جاهزة للاستخدام، والتركيز على الأورام العالية الخطورة بعد الجراحة وبناء أنظمة أسرع لتصنيع اللقاحات وتقييم المستضدات.
من لقاح يمنع الفيروس إلى لقاح مكتوب باسم المريض
قصة لقاحات السرطان تسير الآن في ثلاث مراحل مختلفة في الوقت نفسه. الأولى نجحت بالفعل، منع العدوى التي تتسبب بالسرطان، كما يحدث مع لقاحات فيروس الورم الحليمي والتهاب الكبد "بي".
الثانية بدأت تثبت نفسها علاجيا كتعليم المناعة مهاجمة سرطان ظهر بالفعل أو منع عودته بعد الجراحة، مع وصول لقاح شخصي للميلانوما إلى أول نجاح من المرحلة الثالثة.
أما الثالثة فهي الأكثر طموحا وهي تطعيم الشخص المعرض للخطر ضد السرطان قبل أن يتكون الورم نفسه، كما تحاول تجارب "متلازمة لينش" وطفرات "كراس".
وهذا ربما يكون التغيير الأكبر في مفهوم اللقاح. فلقاح الحصبة أو شلل الأطفال واحد لملايين البشر، أما لقاح السرطان في صورته الأكثر تطورا فقد يبدأ بقطعة من ورم مريض واحد، ثم يقرأ العلماء طفراته ويصنعون له خلال أسابيع قائمة خاصة من الأهداف، وكأن الدواء كتب باسمه.
لم نصل بعد إلى عصر يمكن فيه أخذ "لقاح يمنع السرطان" بصورة عامة، فالسرطان مئات الأمراض وليس عدوا واحدا. لكن عام 2026 قدم أقوى دليل حتى الآن على أن الجهاز المناعي يمكن تدريبه ضد بصمة الورم الشخصية، وفي الوقت نفسه بدأ العلماء اختبار فكرة أكثر جرأة، ألا ننتظر حتى يظهر السرطان أصلا.