لا بد من الامتنان للتكنولوجيا التي أنجبت لنا "واتساب". ماذا كنا سنفعل من دونه. كيف كان سيكون شكل حياتنا. كيف كنا "سنتواصل" من دونه؟ "واتساب" أحدث ثورة في حياتنا، حقيقة لا مجازا، وما سمي "الربيع العربي" يوما خير شاهد على ذلك، وإن كانت نتيجته– بحسب بعض الروايات- أو نتيجة قمعه– بحسب روايات أخرى- شتاءات لا تنقطع. لبنان على سبيل المثال، قامت فيه ثورة في 2019 لأن الحكومة فكرت بفرض رسوم على "واتساب". نعم، لقد غير الفتى زوكربرغ حياتنا بصورة جذرية، مرّة أخرى، بعد أن غيرها من خلال "فيسبوك".
الآن، نعيش زمن ما بعد الصدمة الأولى. "واتساب" والتواصل الاجتماعي عموما، لم يعودا حدثا طارئا، أو مرحلة عابرة. باتا نمطا من أنماط الحياة، تماما كتناول القهوة في الصباح، أو كفتح حساب في البنك. لكي تعيش في هذا الزمن، يجب أن تفتح حسابا في "واتساب". يمكنك التخلي عن معظم وسائل التواصل، لكن ليس عن "واتساب". قرار أن لا يكون لديك هذا التطبيق، أن لا يكون أول ما تراه صباحا، وآخر ما تراه قبل النوم، يشبه قرار التخلي عن صورتك في المرآة. أن تقف أمام المرآة، فترى جدارا بدلا من أن ترى وجهك.
على المستوى الشخصي، "واتساب" يتيح لي التواصل يوميا مع أفراد عائلتي البعيدين. صحيح أنه نادرا ما يكون لدينا أخبار جديدة نتبادلها، إذ لا يمر زمن كاف لحدوث شيء نتحدث عنه، لكننا نتحدث على كل حال. يجب أن نتحدث عبر "واتساب". نشرب القهوة في الصباح، ونتحدث عبر "واتساب" في المساء. أحيانا مرة في الصباح ومرة أخرى في المساء. ما المانع. فالأمر كله مجاني في نهاية المطاف. أذكر زمنا كان أخي يتصل مرة كل أسبوعين، من الخليج حيث كان يعمل، ببيت جيراننا، الوحيدين في الحي الذين يملكون هاتفا أرضيا، لكي يخبرهم بأنه سيتصل الساعة كذا، بحيث يخبرون أهلي لكي يكونوا موجودين وقت الاتصال. أذكر الصوت المرتفع خلال تلك المحادثة، وكأن أعجوبة الكلام عبر المسافات لا تتحقق إلا برفع الصوت.
اليوم باتت هذه ذكرى قديمة، غابرة، تماما كذكرى الهاتف الأرضي نفسه. يكاد يخجل المرء من ذكر أنه عاش ذلك الزمن، فهذا يعني أنه ينتمي إلى فئة شبه منقرضة. أمي حتى الآن لا تصدق أعجوبة "واتساب". ترانا نحن أبناءها متجاورين في مربعات صغيرة على شاشة هاتفها الصغيرة، فتشعر بالذهول. فهي لا تسمع أصواتنا فحسب، بل ترانا. ترانا في بث حي لأي شيء نقوم به خلال وقت تلك المكالمة. لقد أصبحنا أبطال مسلسلها اليومي الذي نحن أبطاله الوحيدون. أحيانا، تخبرها شقيقتي المقيمة في السويد بما طبخته اليوم، فتقول لها أمي ناولي أخاك– أي أنا– طبقا، فهو يقف بجوارك، ويكون علينا تذكيرها بأنني أقيم في إسبانيا، فتقول أعرف.
أنت متاح لمجرد أن علامة خضراء ظهرت قرب اسمك. أنت متاح لأن "شحطتين" ظهرتا أمام اسمك، بدلا من "شحطة" واحدة
هذا الجانب المضيء في "واتساب". لكنه لا يأتي دون جوانب مظلمة، مثل كل ثورة. الجانب المظلم هو في فكرة كونك متاحا طوال الوقت، خصوصا للغرباء. "واتساب" جعل الجميع "متعارفين" في الحد الأدنى، و"أصدقاء" في الحد الأقصى. لا يبالي الشخص على الطرف الآخر، بفوارق المناطق الزمنية، ولا بفكرة الخصوصية نفسها. أنت بالنسبة إليه متاح طوال الوقت، ليل نهار، في عطلة نهاية الأسبوع، في العطل السنوية، في الصحة وفي المرض. أنت متاح لمجرد أن علامة خضراء ظهرت قرب اسمك. أنت متاح لأن "شحطتين" ظهرتا أمام اسمك، بدلا من "شحطة" واحدة. نحن أبناء ثقافة الشحطة والشحطتين. "رأى رسالتي لكنه لم يرد عليّ" جملة تكاد تعرّف جيلا، أو "إنه يكتب الآن" لأن هناك نقاطا ظهرت ترقص على الشاشة. لو تخيل أحدهم في فيلم خيال علمي مثل هذه المشاهد قبل عقود قليلة، لكنا اعتبرناها نتاج مخيلة فقيرة.
أنت تحمل بين يديك، في هاتفك الذي يكاد لا يفارق يديك، انكشافك الكامل. أنت "متصل أو غير متصل"، "موجود أو غير موجود" وفقا لهذه الإشارات البسيطة. من شدة سخاء مجانية "واتساب" التي أفسدت الجميع بالدلال المفرط، أن أحدهم قد يرسل لك رسالة، وينصرف عنك، دون أن ينتظر ردك، وإن رددت فقد يختفي ساعات قبل أن يقرر الرد. إنها آلية تقوم مقام الإجراء المحض. إجراء الانكشاف الاعتيادي. قد لا يكبد شخص نفسه عناء أن يلقي عليك التحية قبل أن يقول ما يريد قوله لك. في مجال عملنا تحديدا، قد يقفز مقال لأحدهم على "واتسابك"، قبل أن يقول لك كاتبه "مرحبا"، وربما لا يقولها. وقد يمطرك أحدهم فجأة بالقلوب والورود وإشارات اليد المتعددة. وعليك أن تفكر في الرمز المناسب للرد، هل أرد بقلب أو اثنين، أو ربما ثلاثة، أو ربما قلب مع وردة، أو ربما أمازحه برمز رقصة، أو أعطيه جرعة من الرسمية فأرد باليد الشاكرة. هناك بيننا من هم خبراء حقيقيون في استخدام هذه الرموز. هذه أيضا من علامات جيلنا الكبرى. وفي حال قرر الطرف الآخر أن يرسل "فويس" بدلا من الكلام، فهل يجب أن أرد بـ"فويس"، هل سأكون قليل الذوق إن رددت بكلمات... ولكن، بكم كلمة يجب أن أرد على "فويس"، وهل أرقّع الأمر بتشكيلة منتقاة من الرموز؟
أفكر أحيانا في التخلي عنه، فأرى نفسي تائها في صحراء شاسعة، أنادي ولا يسمعني أحد، وأمشي لساعات دون أن أعثر على شربة ماء
على كل حال، ما زلت ممتنا للتكنولوجيا التي أنجبت لنا "واتساب"، أقله لأنني أكلم أمي يوميا. مع ذلك أفكر أحيانا، مجرد تفكير، في التخلي عنه، فأرى نفسي تائها في صحراء شاسعة، أنادي ولا يسمعني أحد، وأمشي لساعات دون أن أعثر على شربة ماء. تخيفني الصورة فأعدل عن الفكرة، وأعود بقوة إلى "واتساب" لأجد نفسي غارقا في رمال متحركة، أمد يدي لعل يدا تنتشلني، فلا أجد سوى المزيد من الرموز والإشارات، فأدرك أنني غارق لا محالة.