نائب واحد وحزب جديد... روبرت لُو ومشروع اليمين المتطرف في بريطانيا

صانع المحتوى المفضل لدى إيلون ماسك

رويترز
رويترز
روبرت لُو يلقي كلمة خلال المؤتمر الوطني لحزب الإصلاح البريطاني في برمنغهام، بريطانيا، في 20 سبتمبر 2024

نائب واحد وحزب جديد... روبرت لُو ومشروع اليمين المتطرف في بريطانيا

في صيف 2025، ظهر قرب بلدة غريت يارموث الساحلية قارب غريب. وفي ظروف عادية، ربما مر من دون أن يلتفت إليه أحد. غير أن نائب غريت يارموث في البرلمان هو روبرت لُو، رجل يشارك بلاده انشغالها بالقوارب الغريبة والغرباء الذين يصلون على متنها.

لم يضيع النائب لُو وقتا في دق ناقوس الخطر. نشر صورة للقارب على وسائل التواصل الاجتماعي وكتب: "قوارب مطاطية تصل إلى غريت يارموث، الآن. أبلغت السلطات، وأنا أتابع الأمر على وجه السرعة. إذا كانوا مهاجرين غير شرعيين، فسأستخدم كل أداة متاحة لي لضمان ترحيل هؤلاء الأشخاص". وعلى الرغم من إلحاح الموقف، وجد وقتا أيضا للمطالبة بترحيل جماعي.

جاء رد الفعل هذا في ظل حالة الذعر التي تجتاح البلاد حيال الهجرة "غير الشرعية". ففي مقاطعة كِنت، يصل الغرباء بالآلاف، تعينهم على دخول بريطانيا شبكة من مهربي البشر في فرنسا. غير أن نظرة سريعة إلى الخريطة تكفي لإظهار أن يارموث وجهة مستبعدة، إلا إذا كانوا قد قرروا الإبحار إليها من هولندا.

وعندما تحرك خفر السواحل للتحقق من الأمر، تبين أن على متن القارب أربعة مجدفين، جميعهم بريطانيون، وكان أحدهم من مشاة البحرية الملكية سابقا. أما غايتهم فكانت جمع التبرعات والتوعية بمرض العصبون الحركي.

وسارع لُو إلى نشر تدوينة ثانية: "خبر جيد. إنذار كاذب! المركب المجهول كان يقل مجدفين في مهمة خيرية، والحمد لله. وتهنئة للطاقم، سأتبرع بألف جنيه إسترليني للمؤسسة الخيرية التي يدعمونها". ولم يبد عليه شيء من الحرج بسبب خطئه. ثم أضاف: "واصلوا التجديف، وانتبهوا لأي مهاجرين غير شرعيين حقيقيين! لا أعتذر عن يقظتي من أجل ناخبي دائرتي. إنها أزمة وطنية. لا ترحيل جماعيا للمجدفين الخيريين، لكننا نحتاج إليه بالتأكيد للمهاجرين غير الشرعيين!"

الحادثة تافهة في ذاتها، لكنها تكشف الكثير عن نائب غريت يارموث، ولا يقتصر ذلك على هشاشة معرفته بالجغرافيا. فقد هيمنت قضية "القوارب الصغيرة" على النقاش العام في بريطانيا طوال سنوات، منذ أن بدأت تلك القوارب تصل في أعقاب بريكسيت. وفي نظر لو، لا تقل مشكلة الأشخاص الموجودين على متن تلك القوارب عن مشكلة عدم قانونية عبورهم.

وقد كوّن لنفسه نظرية في الأمر: هؤلاء، في معظمهم، رجال مسلمون قادمون من مجتمعات "عشائرية"، يحملون قيما وممارسات غريبة عن الحضارة الأنغلوسكسونية. وهم متعصبون ضدّ النساء، ويستغلون الفتيات الإنكليزيات اللواتي ينظرون إليهن على أنهن "لحم". وفوق ذلك، فإنهم لا يحبون الكلاب أيضا.

دخل روبرت لُو عالم السياسة متأخرا نسبيا. أمضى عشرين عاما في القطاع المالي، وترأس نادي ساوثمبتون لكرة القدم، وهو من الطبقة الثرية، وشغل لفترة وجيزة عضوية البرلمان الأوروبي. ثم انضم إلى حزب "ريفورم يو كيه" وانتخب عضوا في مجلس العموم. ومع ذلك، لم يتحول إلى اسم معروف على نطاق واسع، خارج غريت يارموث، إلا في وقت قريب، عندما تورط في خصومة مدوية مع نايجل فاراج.

دخل روبرت لُو عالم السياسة متأخرا نسبيا. أمضى عشرين عاما في القطاع المالي، وترأس نادي ساوثمبتون لكرة القدم، وشغل لفترة وجيزة عضوية البرلمان الأوروبي

في مارس/آذار 2025، قال لصحيفة "ديلي ميل" إن "ريفورم يو كيه" هو "حزب احتجاج يقوده المسيح المنتظر"، وإن الوقت ما يزال مبكرا للحكم على ما إذا كان نايجل سيصبح رئيس وزراء جيدا. ووصف لُو ما أعقب ذلك بأنه "اغتيال سياسي". وفي حديثه إلى جو روغان، مقدم أحد أكثر برامج البودكاست شعبية، روى أن الحزب "وجّه إلي اتهامات كاذبة بأنني هددت بضرب [...] ضياء يوسف في اجتماع، وأن أحدهم كان يقول إنني أتجول في البرلمان وأتباهى بأنني رام ماهر جدا وأنني سأطلق النار على ضياء يوسف. أعني، هل يعقل أن تصدق ذلك؟ إن سجلي نظيف تماما."

وربما كانت مخاوف "ريفورم" وراء مصادرة الشرطة أسلحته النارية في تلك الفترة. قال لروغان: "حسنا، لدي بالفعل بعض الأسلحة يا جو، لأنني أملك مزرعة. لذلك، عندما تأتي إلى المملكة المتحدة، آمل أن تأتي معي لصيد طيور التدرج."

ويبدو أن روغان لم يتحمس للفكرة، ولعل فتور حماسته كان دليلا على محبته للحيوانات. أو ربما على غريزة سليمة لحفظ النفس.

أ.ف.ب
روبرت لُو يتحدث إلى الناس خلال حملة انتخابية قبل الانتخابات الفرعية في ماكرفيلد في 18 يونيو، غرب مانشستر، شمال غرب إنجلترا في 13 يونيو 2026

ومنذ قطيعته المريرة مع فاراج، مضى لُو إلى تأسيس حزبه الخاص، "ريستور بريتن". ورغم أنه ممثله الوحيد في البرلمان، فقد نجح الحزب بالفعل في انتزاع بعض الأصوات من الحزب الأقدم. ففي الانتخابات الفرعية في ميكرفيلد، تفوق على المحافظين وحل ثالثا بنسبة 6.8 في المئة.

ويتمثل القلق الواضح لدى فاراج في احتمال أن يشتت "ريستور" أصوات اليمين. وحتى عندما اقترح لُو أخيرا عقد ميثاق بين الطرفين ورأب الصدع بينهما، أضعف فرص نجاحه حين أملى شروطه. وشملت مطالبه الترحيل الجماعي للمهاجرين غير الشرعيين "بمن فيهم النساء والأطفال"، وتشديد قواعد الهجرة القانونية، وحظر الذبح الحلال والكوشر، والبرقع، وزواج الأقارب، والمحاكم الشرعية، إلى جانب إجراء استفتاء على عقوبة الإعدام، وخفض مخصصات الرعاية الاجتماعية لتمويل "الاكتفاء الذاتي".

وادخر لُو أكثر شروطه استفزازا إلى النهاية: استبعاد الوزراء المحافظين السابقين من أي حكومة مقبلة. ومن شبه المؤكد أن هذا سيكون ترحيلا أبعد مما يستطيع زعيم "ريفورم" أن يمضي فيه. وهتف لُو: "يجب أن يصبح الترحيل الجماعي حتمية سياسية. يجب أن يرحلوا جميعا". وطموحه أن يطرد من شواطئ بريطانيا نحو مليون شخص، أو ما يقارب ذلك.

وأعلن لُو أيضا تأييده لتومي روبنسون، ذلك اليميني المتطرف المعروف على هامش احتجاجات الشوارع، الذي حرص فاراج طويلا على النأي بنفسه عنه وعن خطابه كي لا يؤثر على شعبيته في أعين المحافظين.

صوت إيلون ماسك

ولعل هذا يفسر كيف تمكن نائب مغمور من الفوز بتأييد إيلون ماسك. فأغنى رجل في العالم ومالك منصة "إكس" يمنح لُو أكثر من مجرد دعم معنوي. وتشير تقارير إلى أن دخله من صناعة المحتوى مرشح لأن يتجاوز راتبه كنائب في البرلمان، وتعزز خوارزميات "إكس" انتشار رسائله اللاذعة.

وفي الآونة الأخيرة، وصف لُو سياسات الشمول بأنها "سرطان شرير، خبيث، أفعواني"، ووصف المهاجرين غير الشرعيين بأنهم "ذكور أجانب لم يخضعوا للتدقيق"، يتسكعون "حيث تسير ابنتك في طريق عودتها إلى المنزل".

ويصرح لُو بعائداته الرقمية كما تقتضي القواعد، متجنبا بذلك صداما مع البرلمان من النوع الذي انتهى بفاراج إلى التنحي، ثم إلى أن يجد نفسه في صندوق الاقتراع في مواجهة "مجموعة من المغمورين"، بينهم رجل يرتدي زي سلة قمامة. ومع ذلك، من الواضح أن تقاضي المال من ملياردير ذي آراء شبه فاشية لم يفعل الكثير لتهذيب مواقف لُو.

تؤكد مقابلة لُو مع جو روغان أنه يملك موهبة لا يمكن إنكارها في الإطناب المتبجح، حيث يسترسل أحيانا ويجانب الدقة في الوقائع مرارا

وتؤكد مقابلته مع جو روغان ذلك. حيث إن لُو، الذي يسترسل أحيانا ويجانب الدقة في الوقائع مرارا، يملك موهبة لا يمكن إنكارها في الإطناب المتبجح. يزعم أن الإسلام يهدد ما يسميه المجتمعات "عالية الثقة"، ويصور "الجمعية الفابية"، وهي جمعية حميدة في حقيقتها، كأنها تنظيم غامض يسيطر على "حزب العمال". أما لبنان، فكان، على ما يبدو "بلدا مسيحيا [...] كانت لديهم أفضل الجامعات. وكان لديهم مجتمع شديد الانفتاح [...] ويقال إن بيروت في الستينات كانت أفضل مكان على وجه الأرض. نبيذ رائع، وحرية، واستنارة كبيرة [...] وما إن تجاوزت نسبة المسلمين نحو 15 في المئة حتى بدأت تظهر مشكلة الحرب الأهلية."

ويصعب التوفيق بين هذا الكلام وبيانات التعداد، التي تظهر أن المسلمين كانوا يشكلون بالفعل ضعف هذه النسبة عام 1922. لكن هذا التفصيل ليس مهماً حقا هنا. فلبنان مفيد إلى لُو باعتباره عينة مختبرية توضح، في تصوره، كيف يمكن لمجتمع مسيحي مزدهر أن يسقط بفعل "الاستبدال العظيم"، تلك الفكرة المحببة إلى دوغلاس موراي.

أ.ف.ب
روبرت لُو يتحدث إلى الناس خلال حملة انتخابية قبل الانتخابات الفرعية في ماكرفيلد في 18 يونيو، غرب مانشستر، شمال غرب إنجلترا في 13 يونيو 2026

والإيحاء بأن "عصابات الاغتصاب" قد تقود بريطانيا إلى الطريق نفسه الذي سلكه لبنان. غير أن تقرير لُو عن التحقيق في عصابات الاغتصاب تعرض لانتقادات بسبب ما شابه من أخطاء ومعلومات مضللة. وقد اعتمد على مواد منشورة من قبل، بينها مواد صادرة عن جماعات مناصرة مثل "كريستيان كونسيرن". بل إن شرطة أيرلندا الشمالية ذهبت إلى حد القول إنها لم تجد دليلا يثبت صحة أي من النتائج التي خلص إليها.

ومع ذلك، يقر لُو من دون مواربة أن التحقيق افتقر إلى الأدلة الواقعية. وعذره أن الدولة أهملت القضية، وأن أحدا لا يعرف حقا الأرقام الفعلية. وهنا لا يسع المرء إلا أن يتذكر ليز تراس وهي تندد بـ"الدولة العميقة".

تماما كما حدث مع رئيسة الوزراء السابقة ليز تراس، يبدو أن أعداء لُو ليس لهم ملامح واضحة، فهم يتكاثرون في مخيلته حتى يسيطروا على عالمه الموازي الخاص. وقد منحته تلك المقابلة الودية، التي أجراها معه أحد المقربين من إيلون ماسك، في الولايات المتحدة مؤخرا حرية مطلقة ليعبر عن أعمق مخاوفه وهواجسه.

أما في أرض الواقع، فتسقط كل تلك المخاوف الزائفة، إذ يتبين أن "القوارب الصغيرة" للمهاجرين غير القانونيين (التي تمثل هاجسا مؤرقا لليمين عموما) ما هي إلا قوارب يقودها أشخاص عاديون، إذا كلف المرء نفسه عناء النظر إليهم، سيكتشف أنهم لا ينوون حتى اقتحام الشواطئ أو السيطرة عليها كما يُشاع.

وفي هذا الواقع الفعلي، قد يكسر الحب قيود تعريفات العرق واللون لدى اليمين المتطرف في بريطانيا، فقد يقع ابن أحد قياداته في حب امرأة ليبية، على سبيل المثال، ليجد نفسه مشاركا بهدوء في حفل زفافهما وتناول اللحم الحلال، لأن التعايش الإنساني والتنوع الثقافي يفرض نفسه كأمر واقع وطبيعي، بعيداً عن العنصرية.

بل وقد يسوء حظه ويجد اليميني المتطرف نفسه في مواجهة حادة خلال مقابلة مع نيك روبنسون، المذيع في "هيئة الإذاعة البريطانية"(BBC)  التي يصفها اليمين المتطرف بـ"السرطانية". في هذه المقابلة، يصدمه المذيع بحقيقة أن تعريفه المتزمت لـ"النقاء العرقي" يعني أن الملك تشارلز نفسه قد يتعرض للترحيل لأنه ليس "بريطانياً أبيض" خالصاً! والسبب أن والده  الأمير فيليب وُلد في اليونان.

font change