"نصرة الإسلام والمسلمين" و"القاعدة"... انفصال مؤجل في الساحل الأفريقي

لماذا يرجح أن يسلك أكبر تنظيم جهادي في مالي مسارا أقرب إلى "طالبان"

أ.ف.ب
أ.ف.ب
جندي من "الجبهة الوطنية لتحرير أزواد" داخل مبنى متضرر في كيدال بعد هجمات شنها جهاديون مرتبطون بالقاعدة وانفصاليون من الطوارق على بلدات استراتيجية أواخر أبريل، في 9 مايو 2026

"نصرة الإسلام والمسلمين" و"القاعدة"... انفصال مؤجل في الساحل الأفريقي

السؤال التقليدي بشأن "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"، فرع "القاعدة في منطقة الساحل"، هو ما إذا كانت ستسلك في نهاية المطاف طريق "هيئة تحرير الشام" في سوريا، فتقطع صلتها رسميا بالتنظيم الأم، وتعيد تقديم نفسها كفاعل سياسي شرعي، غير أن الأجدى هو السؤال عن مقدار الاستقلال العملي الذي تستطيع الجماعة تحقيقه مع إبقاء صلتها بـ"القاعدة".

خلال العامين أو الثلاثة المقبلة، تبدو الاستقلالية أرجح من الانفصال. وستواصل الجماعة بناء قاعدتها الجغرافية والمالية والإدارية، فيما تبقى بيعتها الرسمية لـ"القاعدة" قائمة اسميا، احتمال القطيعة قائم، لكنه ليس السيناريو المرجح.

المقارنة السورية تبالغ في تقدير الجماعة

لم يتشكل البناء المؤسسي لـ"هيئة تحرير الشام" في إدلب من فراغ. فقد دعمت تركيا الجماعة منذ بداياتها، حين كانت لا تزال تعرف باسم "جبهة النصرة"، ففتحت لها الحدود وقدمت لها السلاح والدعم اللوجستي منذ 2012. وتلى ذلك قبول أميركي ضمني، إذ تعاملت واشنطن بهدوء مع إعادة صياغة الجماعة لهويتها الأيديولوجية، وأحجمت عن ضرب مواقعها. وكان الانفصال عن "القاعدة" عام 2016 ممكنا جزئيا لأن "هيئة تحرير الشام" كانت تملك بالفعل قناة مجربة مع راع خارجي مستعد، مع الوقت، لتحويل تلك العلاقة إلى اعتراف سياسي، لم يجلب بناء المؤسسات راعيا جديدا، فالراعي كان موجودا أصلا.

لدى "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" محاكم شرعية وإتاوات على طرق التهريب في مناطق انسحبت منها الدولة، حتى وصفها محللون "نواة دولة لامركزية"، لكن حكمها قائم على ائتلاف فصائل دون قيادة موحدة أو راعٍ خارجي، يواكب بمسار نحو الاعتراف

ولدى "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" بدورها عناصر حقيقية، وإن بقيت جزئية، من بناء المؤسسات. ففي وسط مالي، تدير "جبهة تحرير ماسينا"، أحد مكونات الائتلاف بقيادة أمادو كوفا، محاكم شرعية، وتجمع الزكاة، وتفرض قواعد للسلوك في عشرات القرى التي انسحبت منها الدولة المالية فعليا. وفي الشمال، تفرض الجماعة إتاوات على طرق التهريب نحو الجزائر، وتحصل على حصة من تجارة السجائر والوقود والمهاجرين، وهي تجارة سبقت ظهور الجهاديين بزمن طويل.

وفي المناطق التي يرسخ فيها نفوذ الجماعة، تفيد مجموعة الأزمات الدولية بأنها تفصل في المنازعات وتفرض ضرائب مختلفة. ويصف بعض المحللين الوضع بأنه نواة دولة لامركزية، تدار محليا منطقة بعد أخرى، من دون مركز قيادة واحد.

أ.ف.ب
جندي من "الجبهة الوطنية لتحرير أزواد" يتفقد موقع حفرة ناجمة عن قصف جوي شنته القوات المسلحة المالية في مدينة كيدال، مالي، في 14 مايو 2026

لكن منظومة حكمها تظل متفاوتة وغير موحدة، فالجماعة ائتلاف يضم "ماسينا" و"أنصار الدين" والفرع الصحراوي لتنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" وفصائل أخرى، ولا تملك نمط القيادة الموحدة الذي بنته "هيئة تحرير الشام" في إدلب. كما تفتقر، بخلاف "هيئة تحرير الشام"، إلى راع خارجي راسخ من وزن تركيا، يستطيع أن يواكب بناء المؤسسات بمسار سياسي يفضي لاحقا إلى الاعتراف.

أفغانستان تقدم المقارنة الأدق

ما تزال "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" بعيدة عما حققته "طالبان": السيطرة الكاملة على دولة، بوزاراتها وقدر من الانخراط الدولي. ومع ذلك، وبعد سنوات على استعادة كابول، لم تقطع رسميا صلتها بـ"القاعدة". ولا يزال مراقبو الأمم المتحدة، ومحللون مستقلون يصفون العلاقة بين الطرفين بأنها وثيقة، رغم خطوات محدودة اتخذتها "طالبان" لإبقائها بعيدة عن الأضواء.

والسبب أن أي طرف خارجي لم يشترط على "طالبان" قطع صلتها رسميا بـ"القاعدة" مقابل التعامل معها. فقد اعترفت روسيا بحكومتها من دون أن تطلب منها ذلك، فيما تتعامل الصين ودول الجوار معها ببرغماتية، فيما تراجع نفوذ الدول الغربية في كابول كثيرا منذ الانسحاب. والدرس أن بناء المؤسسات لا يفضي تلقائيا إلى القطيعة. هو يجعلها ممكنة، إذا ظهر طرف خارجي يملك الرغبة والقدرة على جعل الانفصال شرطا للحصول على شيء تريده الجماعة.

أما "القاعدة"، فليست طرفا سلبيا ينتظر ما يقرره فرعها المحلي. إن اتساع هامش استقلال "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" يضع التنظيم الأم أمام معضلة خاصة به، إذ تظل له مصلحة في إبقاء أكبر أذرعه الإقليمية النشطة ضمن شبكته. وقد يسعى إلى صون نفوذه عبر الروابط البشرية وقنوات التمويل، أو يتكيف مع استقلال الجماعة المتزايد إذا رأى أن بقاءها داخل منظومته أجدى من محاولة إعادة إخضاعها. وقد ينظر، في المقابل، إلى هذا الابتعاد باعتباره تهديدا، فيدخل معها في منافسة هادئة على المقاتلين والموارد. وأي تقدير يتعامل مع النتيجة على أنها قرار يخص الجماعة وحدها يغفل أن للطرف الآخر في العلاقة مصالحه وحساباته أيضا.

الطلب على الحوار قائم... لكن الاعتراف السياسي غائب

الجديد في 2026 أن التواصل العملي مع "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"، بمعزل عن الاعتراف السياسي بها، لم يعد مجرد احتمال نظري. فالجزائر، بعدما أصلحت علاقتها بباماكو في يوليو/تموز إثر قطيعة تعود إلى 2023، أفادت تقارير بأنها توسطت في انسحاب القوات الروسية من كيدال عقب الهجوم المشترك الذي شنته "جبهة تحرير أزواد" والجماعة في أبريل/نيسان، كما توسطت في الإفراج عن 82 جنديا ماليا في أغسطس/آب.

وحتى السلطات العسكرية في مالي، التي أمضت سنوات ترفض الوساطة الجزائرية وتفضل الحل العسكري، اضطرت إلى البحث عن قنوات اتصال مع الجماعة بشأن الوصول إلى باماكو المحاصرة. ولا يرقى أي من ذلك إلى اعتراف سياسي، فباماكو، أحد أركان تحالف دول الساحل إلى جانب بوركينا فاسو والنيجر، تريد الحوار مع الجماعة كضرورة تكتيكية للبقاء، لا خطوة نحو إضفاء الشرعية عليها. ولا يريد حكام مالي العسكريون ولا شركاؤهم في التحالف رؤية الجماعة قريبة من السلطة في العاصمة.

أ.ف.ب
عناصر أمن من حركة "طالبان" يستقلون مركبة مصفحة خلال احتفالات بمناسبة عيد استقلال أفغانستان في مقاطعة أرغستان بولاية قندهار، في 19 أغسطس 2026

أما تصريحات الجماعة بعد كيدال، التي عبرت فيها عن رغبتها في علاقات "متوازنة" مع موسكو، فتبدو أقرب إلى البحث عن صيغة تعايش منها إلى طلب الشرعية، لكن النمط نفسه مهم: الحاجة إلى الحوار مع من يسيطر على الأرض وخطوط الإمداد تظهر سريعا ومن دون شروط سياسية. وحتى الآن، لم تبد الجزائر ولا روسيا ولا السلطات العسكرية في مالي اهتماما بجعل صلة الجماعة بـ"القاعدة" جزءا من هذا الحوار.

الجزائر هي المتغير الذي ينبغي مراقبته

للجزائر تاريخ من الانخراط السياسي في شمال مالي، يتجاوز إدارة الأزمات التكتيكية، وهي التي توسطت في اتفاق الجزائر للسلام عام 2015. أما التقارب الراهن، فيقترن بالتزامات استراتيجية تشمل استثمارات في البنية التحتية والطاقة في بوركينا فاسو، وتقديم محطة كهرباء للنيجر، وإحياء مشروع خط أنابيب الغاز العابر للصحراء، ويوحي ذلك بأن الجزائر تسعى إلى دور أطول أمدا كضامن إقليمي.

إذا تطور هذا الدور إلى حد بدأت معه الجزائر تربط دعمها بشروط تفرض على الجماعات المسلحة، فقد يظهر أول مسار واقعي يدفع طرفا خارجيا إلى مطالبة "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" بالابتعاد عن "القاعدة"، على أن يأتي هذا الضغط من داخل المنطقة لا من الغرب. ولا توجد مؤشرات على ذلك حتى الآن. وما يستحق الرصد هو نشوء حضور أمني جزائري دائم في مناطق تحت سيطرة الجماعة، أو أي ربط علني بين مشاريع البنية التحتية الجزائرية، وشروط تفرض على الجماعات المسلحة، أو صدور مواقف جزائرية بشأن وضع الجماعة تتجاوز حدود الوساطة الإنسانية.

طبقا للنموذج الأفغاني، لم تقطع "طالبان" صلتها بالقاعدة فلا طرف خارجيا اشترط عليها ذلك، أما الجزائر فقد تغيّر المعادلة إن ربطت دعمها بشروط على الجماعة بضغط من داخل المنطقة لا من الغرب

ثمة حقيقتان ناصعتان تشيران إلى أن المسار الأفغاني أقرب من النموذج السوري. الأولى أن حكم "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" مجزأ وقائم على ائتلاف من الفصائل، والثانية أنه الافتقار إلى طرف خارجي يجعل التعامل معها مشروطا بقطع صلتها بـ"القاعدة."

ويبقى المتغير المفتوح هو ما إذا كان الدور الجزائري في الوساطة سيتطور إلى نفوذ سياسي أكثر رسوخا. وإلى أن يحدث ذلك، فإن المؤشر الأجدر بالمتابعة ليس إعلان الجماعة القطيعة مع "القاعدة"، وإنما التباعد العملي بين مصالح الطرفين: ففيما تبني الجماعة هوية أشد ارتباطا بالأرض والسياسة المحلية، تتمسك "القاعدة" بهوية عابرة للحدود تقودها أولويات أيديولوجية أوسع.

رويترز
أقامت كتيبة خالد، التابعة إلى "هيئة تحرير الشام"، عرضا عسكريا في دمشق عقب الإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد، في 27 ديسمبر 2024

يبقى أن السؤال الحقيقي لا يتعلق بقدرة الجماعة على تحقيق الاستقلالية، فهي تتمتع بالفعل بقدر واسع منها، وإنما بقدرة "القاعدة" على استيعاب هذا الاستقلال من دون التفريط في القيمة الاستراتيجية للعلاقة. فإذا وقعت القطيعة الرسمية في نهاية المطاف، فالأرجح أن تأتي ثمرة تفاوض بين طرفين، لكل منهما أسبابه للإبقاء على الصلة قائمة أطول مدة ممكنة.

font change

مقالات ذات صلة