من جيفري هنتون إلى الحوثي

لدينا تكنولوجيا القرن الحادي والعشرين، وسياسة تعود- في بعض جوانبها- إلى القرن التاسع عش

من جيفري هنتون إلى الحوثي

استمع إلى المقال دقيقة

يحذر جيفري هنتون، أحد عرّابي الذكاء الاصطناعي وحائز جائزة نوبل، من التكنولوجيا التي ساهم في تطويرها. الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى انقراض البشرية. ليست نهاية محتومة، لكنه تحذير مرعب من رجل الخوارزميات لا التمنيات.

بياناته مختصرة. كلماته محسوبة. يعرف وزن الأحرف المنقوشة من فمه. كأنه رئيس أركان جيش أو مدير جهاز استخبارات. العالم كان ينتظر ما يفعل، والآن ينتظر ما يقول. وصفة "عراب الذكاء" أن يتعاون "التنين" و"النسر" ضد هذا التهديد الوجودي

هل هذا ممكن الآن؟

بعد الحرب العالمية الثانية، قام النظام الدولي على مبادئ عاش في ظلها لعقود. هناك دول وسيادة وحدود، وقانون دولي ومؤسسات وتحالفات، ودول ضد الميليشيات. وفي عز الحرب الباردة، كانت أميركا والاتحاد السوفياتي يتسابقان على السلاح، ويتصارعان على النفوذ، ويخوضان حروباً بالوكالة، لكنهما أدركا أن منع حرب نووية عالمية مصلحة مشتركة. عندما يصبح الخيار بين الانتصار والفناء، يصبح التعاون ضرورة.

هذه المعادلة تتغير. حروب كثيرة تتدحرج في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا وأميركا اللاتينية. "عراب الذكاء" يحذرنا من حرب محتملة مع آلة في المستقبل يمكن أن تفلت من أصابع صانعها، فيما يقدم العالم أمامنا دليلاً يومياً على عجز البشر عن إدارة حروب الحاضر والإمساك بشرايينه.

يصعب العثور على صورة أكثر تكثيفاً لعصرنا من المغامرة الحوثية الأخيرة. خلية حوثية تعمل على تطوير أسلحة استخدمت "كلاود كود" من "آنثروبيك"، أحد أكثر تطبيقات الذكاء الاصطناعي تطوراً، للمساعدة في تطوير برمجيات التوجيه والملاحة والتحكم لبرامج تسلح، بينها صاروخ باليستي. وعندما فشلت تجربة لصاروخ موجّه، عادت الخلية إلى الذكاء الاصطناعي لتحليل أسباب الفشل.

المفارقة الثانية، مقاتلون في واحدة من أكثر مناطق العالم فقراً واضطراباً يستخدمون أحد أكثر منتجات التكنولوجيا البشرية تقدماً للمساعدة في تطوير أسلحة، فيما تقع على مقربة منهم واحدة من أهم بوابات التجارة العالمية؛ باب المندب. تستطيع ميليشيا تتمركز على ضفته أن تهدد السفن الحاملة لمكونات أساسية من تكنولوجيا المستقبل، وتدفعها لتضيف آلاف الكيلومترات إلى الرحلة بين آسيا وأوروبا.

اليمن يطرح سؤالاً أكثر إلحاحاً: كيف سنضع قواعد للآلة إذا كنا نعجز عن فرض قواعد تمنع ميليشيات من السيطرة على شريان حيوي للبشرية؟

الذكاء الاصطناعي ليس عالماً افتراضياً. وراء الخوارزميات عالم مادي ضخم. رقائق ومراكز بيانات وكهرباء ومعادن حرجة ومصانع وسفن وسلاسل إمداد تمتد بين القارات. التكنولوجيا الأكثر تقدماً في تاريخ البشرية تعتمد، في النهاية، على موانئ ومضائق وطرق بحرية وشرايين وطرق إمداد يمكن أن يربكها صاروخ أو مسيّرة في أيدي "ذئب منفرد" أو عنصر في ميليشيات أو حرب.

هنا يلتقي جيفري هنتون بالحوثيين. الأول يسأل: كيف نحمي البشرية إذا أصبحت الآلة أذكى منا وتمردت على الإنسان. واليمن يطرح سؤالاً أبسط وأكثر إلحاحاً: كيف سنضع قواعد للآلة إذا كنا نعجز عن فرض قواعد تمنع ميليشيات من السيطرة على شريان حيوي للبشرية.

لدينا تكنولوجيا القرن الحادي والعشرين وسياسة تعود، في بعض جوانبها، إلى القرن التاسع عشر

تحذير هنتون لا يتعلق بالذكاء الاصطناعي وحده. نخشى اليوم أن تصبح الآلة أذكى من الإنسان. لكن الخطر الأقرب قد يكون أن تزداد الآلة ذكاء فيما يفقد عالمنا قدرته على إدارة القوة التي صنعها. يريد هنتون من ترمب وشي جينبينغ، اللذين سيلتقيان قريبا في أميركا، الاتفاق على قواعد التكنولوجيا. فيما يتسابق القطبان على الرقائق والذكاء الاصطناعي، والتسلح، والبحار، والنفوذ.

التكنولوجيا تلغي الحدود والسياسة تعيد بناءها. الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى تعاون عالمي واستقرار. الاقتصاد يحتاج إلى سلاسل إمداد عالمية والحكومات تعود إلى الرسوم والحماية. المشكلات أصبحت أكثر عالمية، فيما بعض الحلول رهينة ميليشيات. 

لدينا تكنولوجيا القرن الحادي والعشرين، وسياسة تعود- في بعض جوانبها- إلى القرن التاسع عشر. ميليشيات تقرر أن ممراً دولياً يمكن أن يصبح جبهة في حربها وحرب إيران. من جيفري هنتون إلى الحوثيين، هذه إحدى مفارقات عصرنا.

font change