هل ينبغي لـ"أنثروبيك" التريث في طرح عام أولي قد يرفع قيمتها إلى تريليوني دولار؟

وسط مخاوف بشأن السلامة... تدعو الشركة لإبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي

رويترز
رويترز
الرئيس التنفيذي لشركة "أنثروبيك" داريو أمودي يصل لعقد اجتماعات مع مسؤولي إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض بواشنطن العاصمة، الولايات المتحدة، 17 أبريل/نيسان 2026

هل ينبغي لـ"أنثروبيك" التريث في طرح عام أولي قد يرفع قيمتها إلى تريليوني دولار؟

منذ تأسيسها قبل نحو خمسة أعوام ونصف العام، واجهت شركة "أنثروبيك" للذكاء الاصطناعي تحديا مستمرا في الموازنة بين تطوير الذكاء الاصطناعي بصورة آمنة، وتحقيق ما يكفي من الإيرادات لمواصلة توسيع نطاق أبحاثها. وبلغ هذا التحدي ذروته في 12 سبتمبر/أيلول، حين دعا داريو أمودي، رئيس الشركة، قطاع التكنولوجيا إلى "إبطاء وتيرة" تطوير الذكاء الاصطناعي، في وقت كانت فيه "أنثروبيك" تستعد، بحسب التوقعات، لما قد يكون أكبر طرح عام أولي في التاريخ.

ولاقت دعوة أمودي إلى التريث تأييدا من رؤساء مختبرات أخرى للذكاء الاصطناعي، من بينهم سام ألتمان من "أوبن إيه آي" وإيلون ماسك من "سبيس إكس إيه آي".

وجاء ذلك بعد أسبوع انتقلت فيه المخاوف من المخاطر الكارثية المحتملة للذكاء الاصطناعي من النقاشات الدائرة داخل وادي السيليكون إلى نشرات الأخبار وأحاديث الناس. وزادت حدة القلق بعد تحذيرات أطلقها باحثون في "أنثروبيك"، تحدثوا فيها عن مخاوف جدية داخل الشركة من أن يؤدي تطور الذكاء الاصطناعي إلى تهديد بقاء البشرية خلال سنوات قليلة.

من غير المألوف، على أقل تقدير، أن يحذر موظفون في شركة من عواقب كارثية قد تترتب على أكثر منتجاتها تطورا، وتبدو المفارقة أكبر عندما تكون الشركة نفسها، في الوقت ذاته، تسعى إلى جذب المستثمرين إلى طرح عام أولي قد يرفع قيمتها إلى تريليوني دولار، أي ما يقارب القيمة الإجمالية لأكبر عشرة طروحات عامة أولية شهدها قطاع التكنولوجيا.

أ.ف.ب
صورة تُظهر شعار شركة الذكاء الاصطناعي الأميركية المتخصصة في السلامة والأبحاث "أنثروبيك" معروضا على شاشة هاتف ذكي في بروكسل، 10 يونيو/حزيران 2026

وإذا تحققت تلك التحذيرات، وافترضنا أن بعض المحامين نجوا من الكارثة، فقد تجد "أنثروبيك" نفسها أمام ما وصفه ديفيد ساكس، كبير مستشاري الذكاء الاصطناعي السابق لدى دونالد ترمب، بأنه "أُم دعاوى المسؤولية عن المنتجات".

حذّر باحثون في "أنثروبيك" من مخاوف جدية أن يؤدي تطور الذكاء الاصطناعي لتهديد بقاء البشرية خلال سنوات قليلة، في تحذير غير معتاد أن يصدر من داخل شركة على أكثر منتجاتها تطورا

أثارت هذه التطورات تكهنات بأن "أنثروبيك" قد تضطر، في أقل تقدير، إلى تعديل مستندات نموذج "إس-1" السرية التي قدمتها إلى هيئة  الأوراق المالية والبورصات الأميركية تمهيدا للطرح العام الأولي. وقد لا يقف الأمر عند هذا الحد، إذ قد يخفض ضامنو السندات التقييم المستهدف، أو يفضلون تأجيل الطرح بالكامل.

وزاد سام ألتمان من حدة الموقف في 12 سبتمبر/أيلول، حين أعلن في مقابلة مع مجلة "فورتشن" أن "أوبن إيه آي"، التي قدمت هي الأخرى مستندات تمهيدا لطرح عام أولي، لم تعد تعتزم الإدراج في البورصة خلال هذا العام، وقال: "في ظل كل ما يثار حاليا بشأن السلامة، لا يبدو هذا توقيتا مناسبا لطرح الشركة للاكتتاب العام".

لا تخلو تصريحات السيد ألتمان من لمحة سخرية موجهة إلى غريمه، ولا سيما أن "أوبن إيه آي" أشارت سابقا إلى أنها لن تكون جاهزة على الأرجح لطرح أسهمها للاكتتاب العام قبل العام المقبل.

وعلى الجانب الآخر، سارع عدد من مستثمري "أنثروبيك" إلى إعلان دعمهم للسيد أمودي وشركته، وكان من بينهم براد غيرستنر من "ألتميتر كابيتال"، التي شاركت في قيادة أحدث جولة تمويل للشركة، وكتب على منصة "إكس": "ستطرح (أنثروبيك) أسهمها للاكتتاب العام. السوق يعرف كيف يقيم المخاطر".

لكن موعد طرح "أنثروبيك" للاكتتاب العام، والتقييم الذي ستسعى إليه، يعتمدان على عدة عوامل. ويقول جون كوفي، خبير قانون الأوراق المالية في كلية الحقوق بجامعة كولومبيا، إنه من المعتاد أن تعدل الشركات الوثائق المقدمة إلى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية قبل الطرح العام الأولي، ويمكن إنجاز ذلك بسرعة.

رويترز
الرئيس التنفيذي والشريك المؤسس لشركة "أنثروبيك" داريو أمودي يتحدث خلال الاجتماع السنوي السادس والخمسين للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، سويسرا، 20 يناير/كانون الثاني 2026

ويرجح أن تكون "أنثروبيك"، التي صمم هيكل حوكمتها لإعطاء السلامة الأولوية على الأرباح، قد أفصحت بالفعل في نموذج "إس-1" عن المخاطر المحتملة بالقدر الكافي. واعتماد الهيئة لهذه الإفصاحات يحد إلى حد كبير من مسؤولية "أنثروبيك" عن الاحتيال في الأوراق المالية إذا وقعت كارثة، أما المسؤولية عن المنتجات فهي مسألة مختلفة، لكن من المرجح أيضا أن تكون الشركة قد أفصحت في النموذج نفسه عن مخاطر التعرض لدعاوى قضائية.

مع ذلك، قد تحسم أوضاع السوق قرار "أنثروبيك" في نهاية المطاف، ويقول السيد كوفي إن الشركة ستراقب خلال الأيام المقبلة تأثير هذه الضجة في أسهم شركات الذكاء الاصطناعي المدرجة في البورصة، فإذا خيم على القطاع "ظلام دامس" وتراجعت أسهم شركاته على نطاق واسع، فقد يدفع ذلك "أنثروبيك" إلى إعادة النظر جديا في خطط الطرح العام الأولي. أما إذا كان التراجع محدودا، فإن ذلك قد لا يؤدي إلى تأجيل الطرح فترة طويلة.

وسط تكهنات بأن تعدّل "أنثروبيك" وثائق طرحها أو تؤجله بالكامل، انقسمت المواقف، فألتمان أعلن أن "أوبن إيه آي" لن تُدرج هذا العام وسط مخاوف السلامة، فيما ساند مستثمرون أمودي بأن السوق يعرف كيف يقيّم المخاطر، ويبقى الحكم للسوق إن خيم "ظلام دامس" على أسهم الذكاء الاصطناعي

يرى مؤيدو "أنثروبيك" أن سجل السيد أمودي الطويل في التحذير من مخاطر الذكاء الاصطناعي يدعو إلى الاطمئنان أكثر مما يثير القلق. وفي مقالة نشرها خلال عطلة نهاية الأسبوع، أشار رئيس "أنثروبيك" إلى عاملين وراء موجة المخاوف الأخيرة، أولهما أن قدرات الذكاء الاصطناعي تتطور بوتيرة أسرع من قدرة القطاع على فهم سبل السيطرة عليها. وكتب أن السبب الرئيس في ذلك هو "قدرة الذكاء الاصطناعي المتنامية على بناء الجيل التالي من الذكاء الاصطناعي".

أما العامل الثاني، فهو سلسلة من الحوادث الأخيرة التي نفذ فيها وكلاء متمردون عمليات اختراق غير قانونية، من بينها هجوم شنته أسراب من وكلاء "أوبن إيه آي" على منصة "هاغينغ فيس" للذكاء الاصطناعي، وقد تكون هذه الحوادث مؤشرا إلى أخطار أكبر في المستقبل.

أ.ف.ب
مشغّل يعمل في مركز بيانات الشركة الفرنسية "أو في إتش كلاود" في مدينة روبيه شمالي فرنسا، 3 أبريل/نيسان 2025

واقترح السيد أمودي عددا من الخطوات التي يمكن أن تساعد القطاع على إبطاء تطوير النماذج وتعزيز السلامة، وقال إن "أنثروبيك" ستمنح مقيّمين مستقلين من خارج الشركة مستوى الوصول نفسه إلى نماذجها الذي يتمتع به موظفوها، بما يتيح لهم مراجعة ممارسات السلامة والإبلاغ عن الحوادث، وكتب السيد ألتمان أن "أوبن إيه آي" ستتخذ الخطوة نفسها.

إن تعمّقت المخاوف بشأن السلامة وتأثير الذكاء الاصطناعي في الوظائف والكهرباء والفجوة الطبقية، فقد تتصاعد ضغوط سياسية لتجميد التطوير وبناء مراكز البيانات

واقترح السيد أمودي أيضا تنظيم نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدما في الولايات المتحدة. وإلى أن يتحقق ذلك، دعا المختبرات إلى التعاون طوعا، على أن تمنحها الحكومة الأميركية إعفاء قانونيا يبدد المخاوف المرتبطة بقوانين مكافحة الاحتكار، كما دعا إلى وضع إطار تنظيمي دولي واسع يشمل الصين أيضا.

لكن الرئيس ترمب لم يبد القلق نفسه، ففي 13 سبتمبر/أيلول،  قلل من المخاوف المتعلقة بسلامة الذكاء الاصطناعي، معتبرا أن الأهم هو التفوق على الصين في تطوير هذه التكنولوجيا.

 وقال للصحافيين خلال زيارة إلى أيرلندا: "من يفوز بالذكاء الاصطناعي يفوز بكل شيء"، كما قلل السيد ساكس، مستشاره السابق، من الحاجة إلى التنظيم، قائلا إنه إذا كانت "أنثروبيك" و"أوبن إيه آي" تريان ضرورة إبطاء تطوير النماذج، فبوسعهما فعل ذلك بنفسيهما.

ومع ذلك، لا يرجح أن تلحق مقترحات السيد أمودي ضررا كبيرا بالآفاق التجارية لشركة "أنثروبيك"، فإبطاء تطوير النماذج الأكثر تقدما قد لا يؤثر في الإيرادات إلا بدرجة محدودة، لأن نماذج الشركة الحالية تتمتع بالفعل بقدرات تفوق احتياجات معظم عملائها من الشركات، الذين يشكلون المصدر الرئيس لدخلها.

وقد تستفيد "أنثروبيك" أيضا من أي توقف مؤقت، إذا اضطر مطورو النماذج مفتوحة المصدر إلى إبطاء وتيرة عملهم بدورهم، بعدما بدأت نماذجهم الأقل كلفة تستقطب بعض عملاء "أنثروبيك" و"أوبن إيه آي" من الشركات.

رويترز
متظاهرون يسيرون عبر مدينة سان فرانسيسكو من مقر شركة "أوبن إيه آي" إلى شركة "إكس إيه آي"، مطالبين بوقف تطوير الذكاء الاصطناعي، سان فرانسيسكو، الولايات المتحدة، 21 مارس/آذار 2026

لكن المستثمرين المحتملين في الطرح العام الأولي، ولا سيما أولئك الذين انجرفوا وراء الحماس للذكاء الاصطناعي، ينبغي أن لا يستهينوا بموجة القلق الأخيرة بشأن السلامة، فإذا عمقت هذه المخاوف القلق القائم أصلا في الغرب، وبدرجة أقل في آسيا، من تأثير الذكاء الاصطناعي في الوظائف وأسعار الكهرباء واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، فقد تتصاعد الضغوط السياسية للمطالبة بوقف تطوير هذه التكنولوجيا مؤقتا وتجميد بناء مراكز البيانات.

وحتى من لا يخشون أن يقضي الذكاء الاصطناعي على البشر، لديهم ما يدعو إلى القلق من سياسيين مذعورين قد يسعون إلى القضاء عليه.

font change

مقالات ذات صلة