مرصد كتب "المجلة"... جولة على أحدث إصدارات دور النشر العربية

مرصد كتب "المجلة"... جولة على أحدث إصدارات دور النشر العربية

نتعرف من خلال هذه الزاوية إلى أحدث إصدارات الكتب العربية، في الأدب والفلسفة والعلوم والتاريخ والسياسة والترجمة وغيرها. ونسعى إلى أن تكون هذه الزاوية التي تطل كل أسبوعين مرآة أمينة لحركة النشر في العالم العربي.

الكتاب: الوعي المتمرد

الكاتب: ميشال أونفراي

ترجمة: على يوسف أسعد

الناشر: صفحة سبعة للنشر والتوزيع – السعودية

يبحث الفيلسوف الفرنسي ميشال أونفراي في كتابه "الوعي المتمرد"، في تاريخ الأفكار من زاوية المفكرين الذين تمردوا على السائد ورفضوا الخضوع له، ودفعوا ثمن تمردهم على السلطات الفكرية والسياسية والدينية في عصورهم. يلتفت المؤلف إلى شخصيات كان حضورها قائما على الاعتراض والمخالفة والخروج عن النسق، بصرف النظر عن مدى شهرتها في العالم.

يستعيد أونفراي عددا من هؤلاء المفكرين، ويتوقف عند أفكارهم وسيرهم والظروف التي أحاطت بهم. ومن بينهم نيتشه، وسبينوزا، وجورج سوريل، وغيرهم ممن رأوا أن التفكير الحقيقي يرتبط ارتباطا وثيقا بالقدرة على مقاومة الأفكار الجاهزة. ومن خلال هذه الشخصيات، يرى أن الاختلاف هو موقف فكري، وليس مجرد رغبة في مخالفة الآخرين.

التمرد الذي يتحدث عنه أونفراي يشمل، بالإضافة إلى التمرد السياسي، علاقة الإنسان بالدين والأخلاق والمجتمع، وموقفه من المؤسسات التي تفرض تعريفاتها الخاصة للحقيقة والصواب. ولذلك يهتم الكتاب بالمفكر الذي يرفض أن تكون أفكاره نسخة من أفكار الجماعة، حتى عندما تكون هذه الجماعة مدعومة بسلطة دينية أو سياسية أو ثقافية.

يروي ساندز قصة انتقال العالم من وصف الفظائع التي ارتكبت خلال الحرب إلى وضعها في إطار قانوني يجعل المسؤولية والمحاسبة ممكنتين

يمنح أونفراي مساحة كبيرة لسير الشخصيات التي يختارها، لأن حياة المفكر بالنسبة إليه هي جزء من أفكاره. فالاختلاف لا يظهر في الكتب وحدها، بل في المواقف التي يتخذها أصحابها، وفي علاقاتهم بالسلطة، وفي الطريقة التي عاشوا بها تلك الأفكار. ومن هنا يتحول الكتاب إلى نوع من إعادة قراءة تاريخ الفكر من خلال أولئك الذين لم يقبلوا بسهولة القواعد التي وضعها عصرهم.

الوعي المتمرد

في خلفية ذلك كله، يظهر دفاع واضح عن حرية التفكير وعن حق الفرد في مساءلة ما يبدو ثابتا ونهائيا. ويوجه أونفراي نقدا إلى المؤسسات حين تتحول من مطارح لتنظيم المعرفة والمجتمع إلى أدوات لإسكات الأصوات المختلفة.

لهذا يمكن اعتبار "الوعي المتمرد" كتابا في تاريخ الأفكار بقدر ما هو كتاب عن الحرية والاختلاف. إنه يجمع نماذج من مفكرين اختاروا المواجهة بدل الامتثال، ويضع تجاربهم أمام القارئ المعاصر لا سيما أننا في عالم ما تزال فيه السلطة تمتلك مقدرة كبيرة على تحديد ما يقال وما يرفض وما يعتبر مقبولا.

الكتاب: الشارع الشرقي الغربي- حول أصل الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية

الكاتب: فيليب ساندز

ترجمة: سمر عدنان بغجاتي

الناشر: دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع– سوريا

في كتابه "الشارع الشرقي الغربي- حول أصل الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية"، يأخذنا الكاتب البريطاني فيليب ساندز، وهو المحامي وأستاذ القانون الدولي، في رحلة تبدأ من مدينة لفيف الأوكرانية، تلك المدينة التي عرفت عبر تاريخها بأسماء مختلفة، وكانت في النصف الأول من القرن العشرين أشبه بمركز ثقافي وفكري مهم في أوروبا، وتنتهي تلك الرحلة عند محاكمات نورمبرغ الشهيرة، حيث وضعت الأسس الأولى للغة القانونية التي سيستخدمها العالم لاحقا في توصيف الجرائم الجماعية. يجمع الكتاب بين التاريخ والسيرة الشخصية والتحقيق الصحافي والبحث في القانون الدولي.

تبدأ قصة تأليف هذا الكتاب من دعوة تلقاها ساندز عام 2010 لإلقاء محاضرة في كلية الحقوق بجامعة لفيف، حيث ارتبطت هذه المدينة بتاريخ عائلته من جهة والدته. تقوده تلك الزيارة إلى البحث في ماضي جده ليون بوخولز. ومن خلال البحث في الوثائق والذكريات والأرشيفات، يكتشف ساندز أن قصته العائلية تتقاطع على نحو صادم مع قصص ثلاثة رجال آخرين: المحاميان هيرش لاوترباخت ورافائيل ليمكين، والقيادي النازي هانس فرانك.

أما المحاميان لاوترباخت وليمكين فكانا قد درسا القانون في الجامعة نفسها في لفيف، وفي المدينة نفسها التي ارتبطت بعائلة ساندز. لكن رحلتيهما الفكريتين قادتهما إلى صياغة مفهومين أصبحا من أهم مفاهيم القانون الجنائي الدولي الحديث: "الجرائم ضد الإنسانية" و"الإبادة الجماعية". الأول يركز بصورة أساسية على حماية الإنسان الفرد من الجرائم التي ترتكب بحقه، فيما يركز الثاني على فكرة حماية الجماعات من محاولات تدميرها وإبادتها. وفي خضم الحرب العالمية الثانية وما ارتكبته ألمانيا النازية من جرائم واسعة النطاق، شق هذان المفهومان طريقهما إلى القانون الدولي، وظهرا لاحقا في سياق محاكمات نورمبرغ.

الخيانة هنا ترتبط بالفقد والخذلان وسوء الفهم، كما ترتبط بالظروف السياسية والاجتماعية التي تضع الأفراد أمام خيارات قاسية ومحدودة

أما الرجل الثالث في هذه القصة فهو هانس فرانك، محامي هتلر والحاكم العام للمناطق التي احتلتها ألمانيا النازية في بولندا، والمسؤول عن إدارة منطقة شهدت قتل أعداد هائلة من اليهود وغيرهم. وعبر ذلك يرسم الكتاب مشهدا مثيرا: رجل يبحث عن تاريخ عائلته (الكاتب)، ورجلان يحاولان مواجهة الجرائم التي شهدتها أوروبا مواجهة قانونية (المحاميان)، ورجل كان في قلب النظام الذي ارتكب تلك الجرائم (محامي هتلر). في عام 1945، يظهر هذا المشهد واضحا في نورمبرغ، حيث كان فرانك واحدا من المتهمين، بينما ليمكين ولاوترباخت كانا ممن عملوا على تسمية الجرائم وتوصيفها القانوني ومساءلة مرتكبيها.

الشارع الشرقي الغربي

ما يميز الكتاب أنه، إضافة إلى سرد تاريخ الهولوكوست أو تاريخ محاكمات نورمبرغ، يكتب التاريخ من خلال حكايات أشخاص محددين، ومن خلال وثائق وأرشيفات وذكريات عائلية، بحيث يصبح التاريخ العام متداخلا مع التاريخ الشخصي. فكلما تقدم ساندز في بحثه عن جده، وجد نفسه أقرب إلى فهم الظروف التي دفعت ليمكين ولاوترباخت إلى ابتكار المفاهيم القانونية التي ستغير طريقة العالم في النظر إلى الجرائم الجماعية وهما: الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية.

يمكن النظر إلى الكتاب بوصفه سيرة عائلية وتحقيقا تاريخيا ورحلة في نشأة القانون الدولي الحديث في الآن نفسه. يتتبع الظروف والأشخاص والوقائع التي جعلت ظهور التعبيرين بوصفهما مصطلحين قانونيين ممكناً. ومن خلال كتاب أشبه ما يكون بعمل روائي وكتاب بحثي في آن معا، يروي ساندز قصة انتقال العالم من وصف الفظائع التي ارتكبت خلال الحرب إلى وضعها في إطار قانوني يجعل المسؤولية والمحاسبة ممكنتين.

الكتاب: خيانات لم يرتكبها أحد

الكاتب: محمد ديبو

الناشر: دار رياض الريس للنشر والتوزيع– لبنان

تنشغل رواية "خيانات لم يرتكبها أحد" للكاتب السوري محمد ديبو، بمفهوم الخيانة بوصفه تجربة إنسانية وسياسية ونفسية معقدة، وتتتبع أثر السلطة والخوف والذاكرة والتحولات التاريخية في حياة الأفراد والعائلات والجماعات الهوياتية، ومن خلال حكاية عائلية تمتد عبر ثلاثة أجيال، تبحث الرواية في قضايا مثل الانتماء والوفاء والاتهام، وفي الفارق بين الوقائع كما حدثت وبين ما تحفظه منها الذاكرة وتنقله الروايات الشخصية.

تنطلق الحكاية من حدث صادم يقلب حياة "مريم"، الطبيبة المؤيدة لنظام الأسد، حين يصلها نبأ مقتل شقيقها "حمزة". لكن الصدمة تتخذ منحى أقسى عندما يبلغها رجل الأمن بأن شقيقها ليس "شهيدا" كما كان ينبغي، وإنما هو "خائن" لا يصلى عليه. هذا الحدث يجعل "مريم" تعود إلى تاريخ عائلتها، وتنقب في طبقات من الحكايات والمواقف والوقائع التي بقيت طويلا متروكة أو مسكوتا عنها.

تتسع الرواية، انطلاقا من ذلك، لتتحول إلى حكاية طويلة ومتشعبة حول رحلة في الذاكرة الاجتماعية السورية، تمتد عبر ثلاثة أجيال داخل البيئة العلوية في الساحل السوري. تبدأ الحكاية مع الجد الذي قاتل ضد الانتداب الفرنسي، ثم تنتقل إلى الأب الذي انخرط في حزب "البعث" وعاش التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها سوريا خلال العقود اللاحقة، وصولا إلى جيل الأحفاد الذين وجدوا أنفسهم في قلب الصراعات والانقسامات التي أعقبت ثورة 2011. وبين هذه الأجيال تتوزع مواقف أفراد العائلة بين التأييد والمعارضة والعمل في الأجهزة الأمنية، لتتحول السياسة من شأن عام إلى عامل مؤثر في العلاقات العائلية، ويصبح الاختلاف السياسي سببا في تصدع الروابط بين الآباء والأبناء والإخوة.

تمنح الرواية مفهوم "الخيانة" مساحة مركزية في بنائها السردي، لكنها لا تقدمه بوصفه فعلا واضح الحدود والمعالم يمكن حسمه بحكم نهائي. فالخيانة هنا ترتبط بالفقد والخذلان وسوء الفهم، كما ترتبط بالظروف السياسية والاجتماعية التي تضع الأفراد أمام خيارات قاسية ومحدودة. والعنوان نفسه ينطوي على هذه المفارقة، إذ يجمع بين مفهوم يفترض عادة وجود فاعل وفعل ونتيجة، وبين نفي ارتكاب الخيانة أصلا، الأمر الذي يضع أمام القراءة ارتباكا واضحا ومعقدا حول مسؤولية الأفراد ومصائرهم.

كتاب عن صحابي عاش زمن التحول من الخلافة إلى الملك، واختار، في مواجهة صراعاته الدامية، أن يبتعد عن السيف وأن يجعل من تجنب الفتنة موقفا سياسيا

تتخذ الذاكرة هنا دور البطولة في فهم الحاضر. فالماضي يستمر في التأثير في الشخصيات من حيث علاقاتها ومواقفها. ومن خلال استعادة الحكايات العائلية، تتداخل الرواية مع التاريخ والمرويات الشفاهية والوثائق، ويصبح البحث في الماضي نوعا من بناء صورة العائلة والمجتمع، وفهم التحولات التي تركت آثارها على أكثر من جيل.

لا يوجد هنا ثنائيات أخلاقية جاهزة: خائن ووطني، شرير وخير... إنما تناقضات ومخاوف ورغبة في النجاة. فالأفراد يجدون أنفسهم في ظروف تاريخية وسياسية ضاغطة، فتتحول الخيارات التي اتخذوها لحماية أنفسهم أو عائلاتهم هي نفسها إلى مصادر للاتهام والندم والانقسام. ومن خلال ذلك تتجاوز الرواية الحكاية العائلية الخاصة لتكون في قلب المجتمع السوري وتبحث في تأثير التحولات السياسية والاجتماعية الكبرى في المصائر والعلاقات اليومية.

يعتمد محمد ديبو أسلوبا واقعيا يجمع بين السرد التخييلي والبحث في التاريخ والذاكرة والمرويات الشفاهية والوثائق، مع لغة مكثفة بما ينسجم مع التوتر النفسي والاجتماعي الذي يطبع الشخصيات. يدخل السرد إلى العالم الداخلي للشخصيات، ويتقفى آثار الفقد والصمت والخوف والشك في وعيها وفي علاقتها بالماضي والحاضر.

خيانات لم يرتكبها أحد

بهذا المعنى يمكن القول إن "خيانات لم يرتكبها أحد" رواية عن الخسارات الصامتة، وعن الجراح التي لا يصنعها الأفراد وحدهم، بل تتداخل في تشكيلها الظروف السياسية والاجتماعية والذاكرة الشخصية. وهي تجعل من مصير عائلة واحدة مدخلا لقراءة تحولات مجتمع كامل، وتقدم الإنسان في تعقيده وضعفه وتناقضاته، بعيدا عن الأحكام الجاهزة والثنائيات المبسطة، فتبقى الخيانة في الرواية مفهوما ملتبسا تتقاطع فيه الحقيقة مع الذاكرة، والوفاء مع الخوف، والمسؤولية مع الحاجة إلى النجاة.

الكتاب: الفرار من الفتنة- دراسة في المواقف السياسية لعبد الله بن عمر

الكاتب: د. أحمد محمود إبراهيم

الناشر: دار مدارات للأبحاث والنشر– مصر

يتتبع المؤرخ المصري الدكتور أحمد محمود إبراهيم في كتابه "الفرار من الفتنة- دراسة في المواقف السياسية لعبد الله بن عمر"، واحدا من أكثر المواقف إثارة للاهتمام في التاريخ السياسي الإسلامي المبكر، من خلال شخصية الصحابي عبد الله بن عمر، الذي عاصر جانبا كبيرا من التحولات السياسية التي شهدها القرن الأول الهجري، من دولة النبوة والخلافة الراشدة إلى الصراع الذي نشب حول الخلافة بعد مقتل عثمان بن عفان، ثم النزاع بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، وصولا إلى استقرار الحكم الأموي. يتخذ الكاتب من مواقف عبد الله بن عمر السياسية مدخلا لفهم القصة الكاملة التي تكمن خلف/ وتحيط بالسلطة والفتنة والخروج عليها.

كان عبد الله بن عمر، وفق الصورة التي يقدمها الكتاب، حاضرا في قلب التحولات الكبرى تلك، لكنه اختار في اللحظات الحاسمة أن يبتعد عن الصراع المسلح، وأن لا يحمل السلاح إلى جانب طرف من الأطراف. فكان موقفه، كما يعرضه المؤلف، بعيدا عن كونه موالاة مطلقة للسلطة وعن المشاركة في قتال خصومها، كان نوعا من الاعتزال السياسي الذي يقوم على تجنب الفتنة وحقن الدماء والحفاظ على وحدة الجماعة. ومن هنا جاء عنوان الكتاب "الفرار من الفتنة"، كتعبير عن موقف سياسي وأخلاقي أكثر من كونه مجرد ابتعاد عن أحداث عابرة.

محاولة لفهم ما الذي يحدث عندما تتقاطع خيارات الدولة مع مصالح المجتمع، وحين يصبح الاقتصاد جزءا من صراع سياسي واجتماعي أكبر

يحاول الدكتور أحمد محمود إبراهيم أن يضع هذا الموقف في سياقه التاريخي، فيبحث في الأسباب التي دفعت ابن عمر إلى اختيار هذا الطريق، ويرى أن موقفه لم يكن حالة فردية معزولة، وإنما كان جزءا من تيار فكري وسياسي أوسع، اختار طاعة الحاكم وتجنب الخروج عليه حين يكون البديل هو الاقتتال والانقسام، انطلاقا من أولوية الحفاظ على الجماعة ووحدتها. وفي هذا السياق يمكن اعتبار ابن عمر نموذجا لما يسمى "الاعتزال السياسي" في التجربة الإسلامية المبكرة.

يستعرض الكتاب مواقف ابن عمر في عدد من المنعطفات الأساسية، بدءا من الأحداث التي سبقت مقتل عثمان، مرورا بالفتنة الكبرى والصراع بين علي ومعاوية، ثم موقفه من الحكم الأموي وما تلاه من اضطرابات سياسية. ومن خلال هذه المراحل يحاول المؤلف الكشف عن منطق ثابت وراء مواقف ابن عمر، وعن الكيفية التي تعامل بها مع سلطة لم يكن يشاركها بالضرورة كل خياراتها، لكنه كان يرى أن مواجهتها بالسلاح قد تقود إلى نتائج أشد خطرا على الجماعة. ولذلك يقدمه الكتاب بوصفه شخصية اختارت الابتعاد عن السلطة من دون أن تتحول إلى خصم مسلح لها، فلم تمالئها أو تحمل سيفها، وفي الوقت نفسه لم تجعل من معارضتها مشروعا أو هدفا قتاليا.

الفرار من الفتنة

لكن الكتاب يدخل في طور أكثر تعقيدا من مجرد كون ابن عمر رافضا للفتنة فحسب، فيتتبع التحولات التي طرأت على موقفه في أواخر حياته، فقد شهد- باستمرار وعلى اختلاف المراحل- نتائج الصراعات التي حاول الابتعاد عنها، ووجد نفسه أمام واقع سياسي مختلف عما كان عليه في بدايات الفتنة.

من هنا، فإن كتاب "الفرار من الفتنة- دراسة في المواقف السياسية لعبد الله بن عمر"، يقدم قراءة في شخصية ذلك الصحابي وفي الوقت نفسه في مرحلة تأسيسية من التاريخ السياسي الإسلامي. إنه كتاب عن صحابي عاش زمن التحول من الخلافة إلى الملك، واختار، في مواجهة صراعاته الدامية، أن يبتعد عن السيف وأن يجعل من تجنب الفتنة موقفا سياسيا له منطقه وأسبابه.

الكتاب: تحدي تنمية العالم الثالث

الكاتب: هوارد هاندلمان

ترجمة: أحمد محمود

الناشر: المركز القومي للترجمة– مصر

لا يضع هوارد هاندلمان ما يسمى "العالم الثالث" في خانة جغرافية واحدة، ولا يتعامل معه بوصفه كتلة متشابهة. ينتقل بين آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط، ويتتبع التجارب والمسارات المختلفة، ويقارن بين مجتمعات اتخذت خيارات سياسية واقتصادية متباينة. ومن خلال هذه المقارنات يوضح كيف تتداخل السياسة مع الاقتصاد، وكيف يمكن لعوامل اجتماعية وتاريخية أن تدفع بلدا في اتجاه، بينما تدفع بلدا آخر في اتجاه مختلف، وذلك في كتابه "تحدي تنمية العالم الثالث" الذي ترجمه أحمد محمود.

فما المقصود بالتنمية حين نتحدث عن دول خرجت من الاستعمار، أو دول ما زالت تحاول اللحاق باقتصادات أكثر استقرارا؟ ولماذا استطاعت بعض المجتمعات أن تحقق نموا اقتصاديا وسياسيا، بينما بقيت مجتمعات أخرى تدور حول مشكلات الفقر وعدم المساواة والصراع السياسي دون أن تحقق تقدما يذكر؟

كتاب في تاريخ الأفكار بقدر ما هو عن الحرية والاختلاف، يجمع نماذج من مفكرين اختاروا المواجهة بدل الامتثال

يقول الكتاب إن التنمية لا تختصر في ارتفاع الدخل أو زيادة الإنتاج. فالتغير الاقتصادي يرتبط، وفق رؤيته، بطريقة عمل الدولة، وبطبيعة النظام السياسي، وبالعلاقات الاجتماعية، وبالصراعات التي يمكن أن تنشأ داخل المجتمع حول السلطة والموارد. ولهذا يجد القارئ في الكتاب حديثا عن التحول الديمقراطي، والفقر، والصراعات العرقية، وتغير أدوار النساء، إلى جانب قضايا البيئة والاحتباس الحراري، وهي موضوعات مرتبطة بسؤال التنمية، ولم تعد منفصلة عنه كما كان ينظر إليها في مراحل سابقة.

تحدي تنمية العالم الثالث

يستعين المؤلف بتجارب سياسية مختلفة للإجابة عن هذه الأسئلة. فالصين وكوبا تقدمان نموذجين لأنظمة ثورية سلكت طريقا خاصا في بناء الدولة والمجتمع، بينما تتيح تجربة دول مثل البرازيل وأندونيسيا النظر في أدوار المؤسسة العسكرية وعلاقتها بالسياسة والتنمية. ولا يرى في هذه النماذج وصفات جاهزة للنجاح، بل يستخدمها للمقارنة ولفهم النتائج التي يمكن أن تترتب على اختلاف الخيارات.

يمكن النظر إلى الكتاب على أنه يرسم خريطة واسعة للتجارب التي مرت بها دول العالم النامي، ويشكل محاولة لفهم ما الذي يحدث عندما تتقاطع خيارات الدولة مع مصالح المجتمع، وحين يصبح الاقتصاد جزءا من صراع سياسي واجتماعي أكبر.

يقدم الكتاب للقارئ جولة واسعة بين تجارب متعددة، دون أن يجد إجابة واحدة عن أسباب النجاح أو التعثر، وإنما يجد نفسه أمام وداخل شبكة من العوامل التي تصنع مسارات وطرق الدول. ويؤكد المؤلف، على نحو ما، على أن التنمية سؤال سياسي واجتماعي بقدر ما هو اقتصادي.

font change