المحو بذريعة الحفظ... من ينقذ الكتاب من محرقة "أنثروبيك"؟

إتلاف الكتب الورقية بعد رقمنتها

Sara Padovan
Sara Padovan

المحو بذريعة الحفظ... من ينقذ الكتاب من محرقة "أنثروبيك"؟

ارتبطت إبادة الكتب، عبر تاريخ طويل، بأشكال متعاقبة من السلطة، تمثلت في الحرق والإتلاف الرمزي الأقصى، والمصادرة كإجراء إداري يسحب الكتاب من التداول، والرقابة من حيث أنها تقنية تحد من إمكان صدوره، والمنع باعتباره قرارا يجمد وجوده القانوني، وتخريب المكتبات ونهبها أي تدمير ممنهج يطول جسم المعرفة الجماعي في هيئته المادية. في كل هذه الصور، وجهت نية واضحة الفعل التدميري، قائمة على تصفية أثر، أو محو ذاكرة، أو ضبط تداول. غير أن اللحظة الراهنة تفرز صيغة أشد التباسا من الإبادة، صيغة تقدم من حيث كونها نقيض ذلك، أي من حيث كونها إجراء حفظ.

مشروع بنما

في هذه الصيغة، يشترى الكتاب المطبوع، ثم يفصل عن غلافه بآلات صناعية، فتقطع صفحاته، وتمسح رقميا صفحة صفحة، ثم يتلف ما تبقى من جسمه الورقي. إذ اعتمدت شركة "أنثروبيك" (Anthropic)، الجهة المطورة للنموذج الحاسوبي "كلود"، برنامجا داخليا حمل اسم "مشروع بنما"، أنجز في سياقه شراء ملايين النسخ المطبوعة، بهدف تحويلها إلى ملفات رقمية قابلة للفهرسة والبحث، توظف بعدئذ في تدريب الأنظمة الحاسوبية على توليد اللغة. وقد كشفت وثائق قضائية عن مذكرة داخلية جاء فيها، "نريد أن يبقى عملنا هذا بمنأى من العلم"، في إشارة إلى حرص الشركة على عدم الإفصاح عن حجم هذه العملية ومنهجها.

فصل القضاء الأميركي، في القضية المعروفة باسم "بارتز ضد أنثروبيك"، بين مصدرين لتكوين هذه المكتبة الرقمية: نسخ مقرصنة اعتبر تحصيلها واستبقاؤها انتهاكا لحق المؤلف، ونسخ مشتراة بصفة قانونية اعتبر تحويلها إلى ملفات رقمية استعمالا عادلا، طالما جرى إتلاف النسخة الورقية بعد المسح، ولم يعد توزيع الملف الرقمي اعتداء على الغير. كتب أحد القضاة، في قراره الصادر في 23 يونيو/ حزيران 2025، أن "مجرد تحويل كتاب مطبوع إلى ملف رقمي، توفيرا للحيز وتيسيرا للبحث فيه، كان يكفي وحده ليجعل من هذا الفعل استعمالا تحويليا". يستند هذا التعليل إلى مبدأ "البيع الأول" في القانون الأميركي، الذي بمقتضاه ينقضي تحكم صاحب حق المؤلف في مصير النسخة المادية بمجرد بيعها بصفة قانونية، فيصير الكتاب، من زاوية القانون، شيئا يتصرف فيه كأي غرض آخر.

اعتبر القضاء الأميركي تحويل الكتب إلى ملفات رقمية "استعمالا عادلا"، طالما جرى إتلاف النسخة الورقية بعد المسح، ولم يعد توزيع الملف الرقمي اعتداء على الغير

سبق أن أطلقت شركة "غوغل" مشروع رقميا، يقترب مما انتهجته شركة "أنثروبيك"، مطلع الألفية الثالثة، بالتعاون مع مكتبات جامعية كبرى. غير أنه اعتمد حينذاك، على مسح النسخ دون إتلافها، واستبقاء الأصل الورقي داخل المكتبة المعنية، فيما اقتصر الاستعمال الرقمي على عرض مقتطفات محدودة من النص للباحث. أقرت محكمة الاستئناف الأميركية، في قضية معروفة، أن هذا الاستعمال يدخل ضمن الاستعمال العادل، بحكم اقتصاره على وظيفة الفهرسة والبحث، مع بقاء النسخة الورقية في متناول القارئ داخل المكتبة.

REUTERS/Dado Ruvic
شعار شركة أنثروبيك في صورة توضيحية، 11 يونيو 2026

يفصح هذا التقابل عن تحول جوهري في منطق الرقمنة، إذ كانت الغاية، في الصيغة الأولى، إتاحة النص دون المساس بحامله، فيما غدت الغاية، في الصيغة الراهنة، استخلاص محتوى النص وتحويله إلى مادة تدريب حاسوبية، مع التخلص من الحامل وإبادته، عوضا من الاحتفاظ به إلى جانب نسخته الرقمية. ويبرز هذا الفرق أن مفهوم "الرقمنة" ذاته تغير تغيرا عميقا في غضون عقدين، من إجراء يخدم إتاحة الكتاب، إلى إجراء يمهد لتصفيته.

الأرشيف والهالة

يقتضي هذا الوضع تمييزا بين الكتاب من حيث كونه جسما ثقافيا، له غلافه وورقه وتاريخ طبعه وأثر ملكيته، والكتاب من حيث كونه مستودعا للمعلومة، قابلا للاستخلاص والفصل عن حامله. وقد سبق أن ذهب جاك دريدا، في تأمله في مفهوم الأرشيف، إلى أن الأرشفة عملية تتجاوز تسجيل ما وقع إلى تحديد سلفي، بحكم بنيتها التقنية والمؤسسية، لما سيستبقى ولما سيطوى، فتتحكم بذلك في صورة الماضي قبل نشوء الفعل الذي يستدعيها. حين يفصل النص عن حامله الورقي، ويدمج في قاعدة بيانات مخصصة لتدريب نموذج حاسوبي، تنتقل سلطة الأرشفة هذه إلى جهة حاسوبية خاصة، تقرر، وفق منطق تقني واقتصادي، ما يستخلص وما يهمل، دون خضوع هذا القرار لمعيار معرفي أو مؤسسي عمومي.

يفقد الكتاب، في هذا الانتقال، عناصر ثلاثة كانت تشكل هويته، وهي ماديته، وفردانيته، وعلاقته بقارئه. أما ماديته، فتذوب في محو الحامل الورقي، الذي كان يشهد بذاته لتاريخ طبعه وتداوله، من هوامش وتوقيعات وآثار استعمال. أما فردانيته، فتنطفئ حين يندمج النص في كتلة إحصائية ضخمة من النصوص، يعامل فيها معاملة الوحدات المتكافئة، دون اعتبار لموقعه الخاص داخل تاريخ أدبي أو فكري بعينه، فيتحول من حامل للمعرفة إلى خطة تدريبية ذائبة في الخوارزميات. أما علاقته بقارئه، فتنقطع حين يستحيل النص مادة تعالج حاسوبيا لتوليد احتمالات لغوية، عوضا من أن يقرأ من وعي فردي يمكث فيه، ويعود إليه، ويبني معه علاقة زمنية ممتدة.

يتضح هذا الانمحاء بجلاء أكبر حين ننظر في الآلية التقنية التي يمر بها النص أثناء التدريب. يقسم النص، في هذه الآلية، وحدات إحصائية صغرى، تعرف اصطلاحا بـ"الرموز اللغوية"، تجرد من ترتيبها الحجاجي الأصلي، ومن بنيتها الفصلية، ومن موقعها ضمن مقدمة أو خاتمة أو هامش، لتعامل، في مستوى المعالجة الحسابية، معاملة عناصر متكافئة القيمة، يستخرج منها احتمال ورود رمز عقب آخر. ينتفي، في هذا المستوى، إمكان استعادة العمل الأصلي في هيئته المتكاملة انطلاقا من النموذج المدرب، إذ يحتفظ هذا النموذج باحتمالات إحصائية مستخلصة من مجموع النصوص كافة، عوضا من نسخة قائمة الذات من النص الأصلي. يترتب على ذلك أن مضمون الكتاب يستمر بمعنى إحصائي دقيق، فيما يغيب بمعناه البنيوي والحجاجي، وهو الغياب الذي يعنيه القول بانطفاء فردانيته.

يبرز هذا الفرق أن مفهوم "الرقمنة" ذاته تغير تغيرا عميقا في غضون عقدين، من إجراء يخدم إتاحة الكتاب، إلى إجراء يمهد لتصفيته


وقد سبق لوالتر بنيامين أن ربط مفهوم "الهالة" بالعمل الفني الفريد، ورأى في تقنيات إعادة الإنتاج ما يذيب هذه الهالة، بما تحمله من حضور وتاريخ وموقع في زمان ومكان محددين، ولكن وفق فنية جماهيرية، يستثنى منها الكتاب، لأن فرادته في ما يحمل لا في قابلية طباعته. غير أن الحالة المطروحة هنا تبدل موضع الهالة، إذ تصير المسألة هنا، مسألة إذابة النسخة المادية ذاتها في تيار من البيانات، عوضا من مسألة نسخ العمل الفني المفرد، بحيث يستبقى المحتوى دون الحامل الذي كان يمنحه وضعه التاريخي. فتتحول الهالة، في هذا المعنى، إلى ما يخص الجسم الورقي نفسه، من حيث كونه أثرا ماديا وحيدا يشهد لوجود تاريخي، عوضا عما كان يخص العمل الفني الفريد وحده.

 Imagno/Getty Images
حرق الكتب في ساحة الأوبرا في برلين خلال حملة "ضد الروح غير الألمانية"، فيما يلقي جوزف غوبلز كلمة أمام أعضاء منظمات طالبية، ألمانيا، 1933

يمتد هذا الفعل، تاريخيا، ضمن سلسلة طويلة من إتلاف الكتب، ابتداء من إحراق الألواح السومرية، مرورا بنهب مكتبة الإسكندرية، وسياسة توحيد الفكر التي انتهجها الإمبراطور الصيني شي هوانغ دي، وصولا إلى محارق الكتب النازية وغيرها (انظر كتاب "إبادة الكتب" لربيكا نوث). غير أن ما يميز هذه الحلقة الأخيرة من السلسلة -ما يفعله نظام "أنثروبيك- عن سابقاتها، أن الإتلاف فيها يصدر عن عقلانية اقتصادية وتقنية، غايتها استخراج قيمة إحصائية من نص مطبوع، بأقل تكلفة ممكنة، مع الاحتفاظ بالحد الأدنى اللازم من محتواه لتحقيق هذه الغاية، عوضا من نية معلنة لمحو ذاكرة جماعية. تتقاطع هذه الممارسة، من حيث نتيجتها، مع الإبادات السابقة، وتفترق عنها، من حيث دافعها المعلن، الذي يقدم في هيئة حفظ للمعرفة، عوض محوها.

المحو المقنن

تقدم صورة إبادة الكتب، في المتخيل الأدبي، في هيئة فعل صاخب ومعلن، تجسده رواية "فهرنهايت 451" لراي برادبوري، حيث يشتغل رجال الإطفاء على إشعال الحرائق عوض إخمادها، بأمر من سلطة صريحة تجرم اقتناء الكتب. تفترق الصيغة المعاصرة عن هذا المتخيل افتراقا جوهريا، من جهة طبيعة الظهور. صدرت إبادة الكتب، في صورتها التقليدية، عن سلطة سياسية معلنة، وارتدت طابعا احتفاليا أو عقابيا يسعى إلى الإشهاد على نفسه، لغرض ردعي أو أيديولوجي. أما الصيغة الراهنة، فتجري ضمن دائرة تعاقدية خاصة، بين شركة ومورد كتب مستعملة، مع سعي إلى إخفاء نفسها، حسبما كشفته المذكرة الداخلية المشار إليها أعلاه، حاملة شرعيتها من غياب إعلانها، عوض إعلان قصدها.

يترتب على ذلك أن مضمون الكتاب يستمر بمعنى إحصائي دقيق، فيما يغيب بمعناه البنيوي والحجاجي، وهو الغياب الذي يعنيه القول بانطفاء فردانيته

يترتب على هذا الانتقال أثر إضافي يخص مفهوم التأليف ذاته. كان المؤلف، في المنظومة المطبوعة، يخاطب قارئا يفترضه فردا واعيا، يقرأ النص كاملا، ويتتبع حجاجه من مقدمته إلى خاتمته. أما حين يتحول النص إلى وحدة من وحدات مجموعة تدريب ضخمة، فإن المخاطب الفعلي يصبح نموذجا حاسوبيا، غايته توليد نص جديد يحاكي الأنماط الإحصائية المستخلصة من نصوص كثيرة مجتمعة، دون تمييز صريح لمصدر كل نمط على حدة.

غلاف كتاب "فهرنهايت 451" لراي برادبري

يفقد المؤلف، في هذا السياق، صفته كصاحب صوت متفرد يخاطب بذاته، ليغدو أحد آلاف المساهمين المجهولين في نمط لغوي عام، تستثمر ملامحه دون استحضار اسمه. تنتقل العلاقة، بذلك، من تعاقد ضمني بين مؤلف وقارئ، تتوسطه دار نشر ومكتبة، إلى تعاقد تجاري بين شركة حاسوبية ومورد كتب، تغيب عنه إرادة الكاتب وموافقته معا، وإن ظل اسمه محفوظا، على نحو ثانوي، في سجل مصادر التدريب دون أثر فعلي في مسار توليد النص الجديد.

بين الكتاب والنص

يستدعي هذا الوضع سؤالا مركزيا، هل يكفي بقاء النص محفوظا داخل قاعدة بيانات حاسوبية حتى يقال إن الكتاب قد نجا من الإبادة؟ يقتضي الجواب عن هذا السؤال تمييزا بين النص والكتاب. فالنص وحدة لغوية قابلة للانتقال بين حوامل متعددة، دون أن يتغير مضمونها الدلالي تغيرا جوهريا. أما الكتاب، فوحدة تجمع النص إلى حامله وتاريخ إصداره وعلاقته بمن اقتناه وقرأه، وهي علاقة تتأسس، في جزء منها، على وجود جسم مادي وحيد، غير قابل للاستنساخ الكامل. حين يستبقى النص وحده، ويتلف الحامل، يستمر مضمون الكتاب معلوماتيا، فيما تنقضي هويته من حيث كونه كتابا بالمعنى الذي حددناه.

Photo by LOUISA GOULIAMAKI / AFP
أمناء مكتبة يمسحون كتبا وصلت حديثا إلى المقر الجديد للمكتبة الوطنية اليونانية في مركز مؤسسة ستافروس نيارخوس الثقافي في أثينا، 6 فبراير 2018

يفضي هذا التمييز إلى إعادة النظر في مفهوم الذاكرة ذاته، حين تتولى أنظمة حاسوبية خاصة تدبيرها. غدا ما يستبقى من إرث مكتوب محكوما بمعيار تقني ينتقيه من يملك النموذج الحاسوبي ويقرر مدخلات تدريبه، عوض معيار مؤسسي عمومي كمعيار المكتبة الوطنية أو دار المحفوظات. تتحول الذاكرة الجماعية، بذلك، من مجال يخضع لتراكم تاريخي ومساءلة عمومية، إلى مادة أولية يعاد تشكيلها وفق حاجة حاسوبية متغيرة، بمعزل عن أي التزام لحفظ الأثر من حيث هو أثر.

تتحول الذاكرة الجماعية، بذلك، من مجال يخضع لتراكم تاريخي ومساءلة عمومية، إلى مادة أولية يعاد تشكيلها وفق حاجة حاسوبية متغيرة

وربما تكمن المفارقة الكبرى في أن التقنية التي وعد بها حفظ المكتوب من الضياع الأبدي، قد بدأت، في مستوى آخر من فعلها، عملية تجريد هذا المكتوب من ماديته وفردانيته وعلاقته بقارئه، أي من العناصر الثلاثة التي كانت تمنحه صفة الكتاب. يبقى النص، في نهاية هذا المسار، أثرا وظيفيا داخل نموذج حاسوبي، فيما يغيب الكتاب، من حيث هو جسم ثقافي فريد، غيابا يصعب وصفه بأقل من إبادة، وإن جاءت هذه الإبادة هذه المرة صامتة، مصحوبة بوعد بالحفظ، عوض إعلان صريح بالمحو.

font change