ارتبطت إبادة الكتب، عبر تاريخ طويل، بأشكال متعاقبة من السلطة، تمثلت في الحرق والإتلاف الرمزي الأقصى، والمصادرة كإجراء إداري يسحب الكتاب من التداول، والرقابة من حيث أنها تقنية تحد من إمكان صدوره، والمنع باعتباره قرارا يجمد وجوده القانوني، وتخريب المكتبات ونهبها أي تدمير ممنهج يطول جسم المعرفة الجماعي في هيئته المادية. في كل هذه الصور، وجهت نية واضحة الفعل التدميري، قائمة على تصفية أثر، أو محو ذاكرة، أو ضبط تداول. غير أن اللحظة الراهنة تفرز صيغة أشد التباسا من الإبادة، صيغة تقدم من حيث كونها نقيض ذلك، أي من حيث كونها إجراء حفظ.
مشروع بنما
في هذه الصيغة، يشترى الكتاب المطبوع، ثم يفصل عن غلافه بآلات صناعية، فتقطع صفحاته، وتمسح رقميا صفحة صفحة، ثم يتلف ما تبقى من جسمه الورقي. إذ اعتمدت شركة "أنثروبيك" (Anthropic)، الجهة المطورة للنموذج الحاسوبي "كلود"، برنامجا داخليا حمل اسم "مشروع بنما"، أنجز في سياقه شراء ملايين النسخ المطبوعة، بهدف تحويلها إلى ملفات رقمية قابلة للفهرسة والبحث، توظف بعدئذ في تدريب الأنظمة الحاسوبية على توليد اللغة. وقد كشفت وثائق قضائية عن مذكرة داخلية جاء فيها، "نريد أن يبقى عملنا هذا بمنأى من العلم"، في إشارة إلى حرص الشركة على عدم الإفصاح عن حجم هذه العملية ومنهجها.
فصل القضاء الأميركي، في القضية المعروفة باسم "بارتز ضد أنثروبيك"، بين مصدرين لتكوين هذه المكتبة الرقمية: نسخ مقرصنة اعتبر تحصيلها واستبقاؤها انتهاكا لحق المؤلف، ونسخ مشتراة بصفة قانونية اعتبر تحويلها إلى ملفات رقمية استعمالا عادلا، طالما جرى إتلاف النسخة الورقية بعد المسح، ولم يعد توزيع الملف الرقمي اعتداء على الغير. كتب أحد القضاة، في قراره الصادر في 23 يونيو/ حزيران 2025، أن "مجرد تحويل كتاب مطبوع إلى ملف رقمي، توفيرا للحيز وتيسيرا للبحث فيه، كان يكفي وحده ليجعل من هذا الفعل استعمالا تحويليا". يستند هذا التعليل إلى مبدأ "البيع الأول" في القانون الأميركي، الذي بمقتضاه ينقضي تحكم صاحب حق المؤلف في مصير النسخة المادية بمجرد بيعها بصفة قانونية، فيصير الكتاب، من زاوية القانون، شيئا يتصرف فيه كأي غرض آخر.




