ملاحظات نقدية على "أرشيف المقام العربي الرقمي"

الاجتهاد لا يعفي من ضرورة التفكر والنقد

 Murtadha Ridha / AFP
Murtadha Ridha / AFP
أوركسترا الأرموي، التي تحمل اسم الموسيقي صفي الدين الأرموي، تقدم حفلا موسيقيا في بغداد، 2 يونيو 2023

ملاحظات نقدية على "أرشيف المقام العربي الرقمي"

أنجز الموسيقي العراقي البريطاني خيام اللامي (بالتعاون مع إبراهيم الخنسا) مشروع "أرشيف المقام العربي الرقمي" Digital Arabic Maqām Archive الذي مولته الجامعة الأميركية في بيروت. وأطلق المشروع قبل أسابيع قليلة موقعا إلكترونيا بالإنكليزية diarmaqar.net يتضمن "التناغيم" والأجناس والمقامات و"السيور" والانتقالات الممكنة بحسب مجموعة من المنظرين عبر العصور من منتصف القرن التاسع حتى منتصف القرن العشرين.

يقصد بالتناغيم أساليب دوزان السلم الموسيقي بكل الدرجات المحتملة فيه. فبعض الأنظمة تقسم السلم مثلا إلى اثنتي عشرة درجة أو سبع عشرة أو أربع وعشرين وما إلى ذلك.

ويقصد بالأجناس المجموعات المميزة من بضع درجات موسيقية متجاورة، كأن يكون الحجاز من أربع نغمات متلاصقة، فيكون مثلا ري ـ مي مخفوضة ـ فا مرفوعة ـ صول. ويقصد بالمقام "الإطار المودالي الكامل"، غير أن المقامات هنا تبدو لنا "سلالم" مخصوصة تنتظر "سيورها".

أما "السيور" (والجمع هذا خطأ لأن "سير" المصدرية لا تجمع على سيور، بخلاف "سير" التي هي القطعة من الجلد كالحزام أو أنشوطة الحذاء)، فيقصد بها المسارات داخل سلم المقام بالانتقال بين أجناس محددة على درجات مخصوصة. ويقصد بالانتقالات modulations، وهي انتقالات إلى أجناس أو مقامات أخرى خارجة عن "السير" المحدد للمقام. وهو يأخذ في هذا بمجموعة من القواعد التي كتبها العازف السوري سامي الشوا في "القواعد الفنية في الموسيقى الشرقية".

يسمح المشروع بتجربة عدد هائل من الأجناس، نحو 44 جنسا، علما أن الموروث المستعمل في بلاد الشام ومصر، حيث يتركز ثقل المشروع، لا يتجاوز العشرة، والمقامات، وهي 145 على ما يظهر، علما أن الموروث المذكور لم يتجاوز الثلاثين رغم ادعاءات الكتاب الكثيرة نقلا عن المصادر العثمانية وهو تراث مختلف، على أنواع مختلفة من دوزانات السلم الموسيقي التي تختلف أحيانا اختلافات طفيفة، وتختلف جذريا في حالات أخرى كالاختلاف على ثلاث مراحل في ما نرى تاريخيا ما بين زمن الموصلي والكندي، حيث التنغيم فيثاغوري، ومرحلة وسيطة عند الفارابي وابن سينا، ثم مرحلة صفي الدين الأرموي التي تمتد، لناحية الدوزان، حتى زمننا.

أغراض الأرشيف المتعددة

الغرض من هذا المشروع، على ما يبدو، بخاصة إذا قرناه بما كتبه اللامي في أطروحته للدكتوراه من جامعة وكونسرفاتوار برمنغهام الملكيين في بريطانيا، وبحواراته الصحافية السابقة، يتطلب شرحا موسعا.

يصطدم المشروع بمجموعة من العقبات سواء على المستوى العلمي أو على مستوى المفاهيم والمقاربة والغرض الأشمل

ينطلق اللامي من أهمية الموسيقى "التجريبية"، وهي تتطلب في رأيه الانخراط في العالم الرقمي، بل والذكاء الاصطناعي والتعامل مع أدوات العصر. غير أن معظم المؤلفين التجريبيين العرب، باستثناءات قليلة مثل خالد جبران وكاميليا جبران وتامر أبو غزالة، منقطعون عن الإرث الموسيقي العربي، بخاصة من يتعامل منهم بصورة رئيسة مع الموسيقى الإلكترونية. وهو لا يعزو ذلك إلى تفضيلات فردية أو قصور ذاتي، إنما إلى الانحياز الاستعماري نحو المركزية الغربية في داخل العالم الرقمي وأدواته، وعدم تمثيل أنظمة التنغيم المختلفة في التكنولوجيا الرقمية، وعدم وجود قاعدة بيانات وافية للتنظيرات الموسيقية العربية منذ بدء هذه الكتابات في القرن التاسع، سواء في ما هو متاح للتعليم أو في شكل يمكن الكومبيوتر والذكاء الاصطناعي قراءته والتفاعل معه ومن ثم تسهيله للممارسين. بدل ذلك، يرى أن الانحياز الاستعماري يختزل ثراء الموسيقى العربية الشرقية إلى ملامح بسيطة لا تفي بتعقيدها الحقيقي. 

لذا يسعى، بالاتكاء على مقاربات الكاتب المارتينيكي إدوارد غليسان للعوالم وأصدائها المتجاوبة، تبعا لوجود وعي عالمي واحد تتشابك وتتعالق فيه جميعا، لإنشاء عالم جديد لا يتمحور حول بقعة جغرافية واحدة ينحاز إليها العالم الرقمي. غير أن اللامي يظل، من خلال غليسان، خارجا على أوهام الهوية الصماء، بالتنبه إلى مفاهيم التهجين والاختلاط والطبيعة التشابكية لكل هوية.

بالتالي، يسعى إلى إطلاق المشروع كقاعدة بيانات مقروءة رقميا تسهل مهمة الأدوات التقنية وتوسع مساحة استلهام الموسيقيين للاحتمالات التاريخية المتعاقبة وتعاملهم معها، مع ترسيخ هذا المشروع في الإطار النظري التاريخي لـ"الموسيقى الفارسية ـ العربية ـ العثمانية" في سعي إلى نزع كولونيالية الموسيقى الإلكترونية وانحياز البرامج الحاسوبية إلى المركزية الغربية.

غير أن المشروع الطموح يصطدم، ورغم وجاهة الاعتراض على التمحور التقني الغربي، بمجموعة من العقبات، في مسيرته المعبدة بالنيات الحسنة، سواء على المستوى العلمي أو على مستوى المفاهيم والمقاربة والغرض الأشمل.

نواقص معرفية في الإطار العلمي والتاريخي

يهمل اللامي، وهو في الأصل عازف "درامز"، مسألة الإيقاع بالكامل، فليس هناك أي إشارة إلى نظريات الإيقاع ومجالاتها ولا إلى الضروب الايقاعية وتطوراتها الزمنية، فضلا عن اهماله القوالب المستعملة عبر الزمن. فكأن مشروعه يختزل محاربة الانحياز الاستعماري إلى مسألة "أبعاد السلم" فقط، رغم أنه في إحدى مقابلاته يشدد على أن الخروج من "التعامل الإكزوتيكي" يتطلب التحدث عن عناصر غير موسيقية "مثل الجانب التاريخي والسياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي" مما لا نجده متحققا في المشروع.

كذلك يعاني الموقع من الثقة العمياء بمن ينقل عنهم، وهم مصادر ثانوية تقدم تأويلاتها الخاصة، وليست المصادر الأساس. هكذا نجد تمييزا غير مفهوم بين سلم الموصلي وسلم الكندي معاصره الذي كان في الواقع يصف العود نفسه، وينقل مثلا أن لعود إسحاق الموصلي خمسة دساتين، وهي حواجز وضعت قديما على زند العود لتحديد أماكن الأصابع، في حين أنها أربعة بحسب ما يمكن أن نفهم من رسالة ابن المنجم، وأصبحت خمسة مختلفة عما يورده هو، بعد وفاة الموصلي، كما ورد في رسالة ثابت بن قرة. ويعني هذا أنه لم ينتبه إلى أن دوزان الموصلي يقتصر على عشر درجات ممكنة، لا على اثنتي عشرة درجة تشكل التنغيم الفيثاغوري الكامل، وبالتالي فإنه لا يستوعب كل الأجناس التي يذكرها، ولا معظمها، وهي المتأخرة كثيرا عن زمن الموصلي.

ينتج من ذلك كم كبير من الأخطاء المعرفية كالخطأ في دوزان الموصلي ودساتينه، وبالتالي كامل تطبيق الأجناس

كذلك فإن عدم رجوعه إلى المصادر الأساس يحرمه من ملاحظة الاختلافات والتناقض أحيانا ما بين فقرة وأخرى، كما عند ابن سينا بين وصف دساتين العود وما يتيحه من أجناس، ووصف الأجناس بالطنين وأنواعه عنده، وشبيه بذلك تناقضات الكندي والفارابي أحيانا. ومثل هذا التناقض يمكن تفسيره بأنه اعتماد على مصادر أسبق وعلى تقاليد أقدم، منها ما هو رياضي منذ أيام الاغريق، ومنها ما هو مرتبط بالممارسة الموسيقية في مناطق معينة. ففي تلك الفترة، كانت الكتابة دوما في حوار مع كتابات أسبق.

خيام اللامي

كذلك فإنه لا ينتبه إلى مغزى اقتراحات الفارابي لمواضع متغيرة لدستان "المجنب"، كونه أول من ذكره بدقة رياضية في من وصلنا، وهي اقتراحات ربما تدل الى عدم نضج هذا البعد المرتبط بنظام نغمي جديد بدأ يتفشى بعد وفاة الموصلي مع إدخال ما عرف آنذاك بـ"وسطى زلزل" وهي تبسيطا موازي درجة "السيكاه" في أيامنا، او ما يسمى في الشائع "الربع تون" المميز للموسيقى الشرقية.

تبرز الثقة العمياء أيضا في قبول اللامي لعشرات الأنواع من "الأجناس"، نقلا مثلا عن كتاب الموسيقي والباحث اللبناني سليم الحلو الذي ينقلها عن مصادر مجهولة على أحسن الفروض، وربما كان منها ما اخترعه البعض للحصول على المال من صاحب موسوعة "الموسيقى العربية" الألماني رودولف ديرلانجيه (1872-1932).

ولا يدقق اللامي مطلقا في انعدام الوجود الفعلي لهذه الأجناس في أي عمل موسيقي مشرقي. وبالمثل فإنه يأخذ مسألة "السيور" ببالغ الجدية، رغم أن الأعمال الموسيقية المصرية والشامية التي هي مدار هذه "السيور" تتنكر تماما لوجود مثل هذه المسارات الإجبارية. فهو لا يناقش مطلقا مفاهيم "الجنس" و"المقام" و"السير" انطلاقا من الموروث، بل انطلاقا من الكتب. وكذلك قضية الانتقالات والقواعد الغريبة التي يضعها سامي الشوا ولا يتثبت منها صاحب المشروع.

في المقابل، يهمل اللامي أيضا مسألة المدى النغمي للمقام، وهو مدى لم يكن ثابتا على مر الزمن. ففي بعض الأحيان كان المقام أو "الجماعة النغمية" من بضع نغمات في إطار ثلاثي أو رباعي أو خماسي، وفي حالات أخرى كان يمتد على أوكتاف كامل. وهذه التفاوتات ربما عقدها أيضا تفاوت جغرافي بين المناطق. لذإ فإن افتراض إمكان تصوير الأجناس في كل مكان ومد المقامات على أوكتافين دائما، مثلما يفعل، إسقاط لا تاريخي لتنظير متأخر على الاحتمالات القديمة.

يهمل اللامي بحث السلالم الموجودة في أيام الموصلي، بذريعة اختلاف الباحثين حولها بدل أن يناقشها ويدلي برأي فيها

ينتج من ذلك كم كبير من الأخطاء المعرفية كالخطأ في دوزان الموصلي ودساتينه، وبالتالي كامل تطبيق الأجناس عليه، والخطأ في الأجناس الموجودة حقيقة، والخطأ في افتراضات السيور، وفي قصر الانتقالات على مقامات محددة، وفي المدى النغمي... الخ. غير إن ذلك ليس إلا انعكاسا لأخطاء أعمق في المفاهيم والمقاربة.

 ATTA KENARE / AFP
العازف والمدرب الإيراني حميد خنصاري يختبر آلة جديدة في ورشة صانعة الأعواد فاطمة موسوي

التعجل في المفاهيم

يمكن أن نعدد بعض الأخطاء التي يقع فيها هذا المشروع الطموح، دون أن نغمطه حق هذا الطموح:

أولا، الضيق الجغرافي غير المبرر وحصر "مقامات الموسيقى العربية" في ما ورد في الكتب عن استعماله في مصر والشام، والكتب هنا تعتمد أساسا على توسيع الموروث الموجود فعلا بالاستيلاء شبه الكامل على التنظير والأسماء والسلالم العثمانية التي لم تستعمل لدينا، وبالتزييف في حالات أخرى. بينما تهمل الطبوع المغاربية، والأنغام العراقية والحجازية واليمنية، ربما لأن الباحث لم يعثر على كتب ينقل منها هذه التناغيم إلى عالمه الرقمي. وبالتالي تغيب، في إطار السياق العام، محاولات فهم علاقتها بالمذكور في كتب الأقدمين.

ثانيا، تجميد أبعاد السلالم (التناغيم)، والظن بأن تعددها كاف للاعتراض على الاختزال الكولونيالي. في حين أن هذا التجميد نفسه لا يسمح بفهم مدى تسامح الآذان مع الاختلافات في الابعاد، في مصر والشام على الأقل، بين أنماط الغناء الريفي والمدني، الموشحاتي والنهضوي، القديم والجديد... الخ، بل وانتقال المغني أو العازف أحيانا في الجملة الواحدة بين أبعاد دقيقة بحسب الجملة التي يعزفها وقدرات صوته أو آلته,

ثالثا، عدم التنبه إلى المسافة بين النظرية والممارسة، بما في ذلك عند المنظرين القدامى، وقد أوردنا أنهم كثيرا ما يكونون يناقشون كتبا سابقة، وليس الممارسة في زمانهم. فعلى سبيل المثل، يبني الأرموي صرحا رياضيا كبيرا حول سلمه المكون من سبع عشرة درجة، إلا إنه يخبرنا في جملة عرضية إن "وسطى زلزل" (بحسبه) مهملة في زمانه وأغلب الناس يستعملون ما يسميه "وسطى الفرس"، التي هي في الواقع ما كان يسميه ابن الطحان الفاطمي "وسطى العرب"، وهما في تقديرنا "وسطى زلزل" الأصلية الأقدم التي يقدمها الفارابي لنا والتي تشابه إلى حد كبير درجة "السيكاه" في الدوزان الفارسي والعربي الشائع حتى اليوم، بينما ما يهمل ـ وهو المذكور في رياضيات الأرموي ـ هو درجة "السيكاه" التركية بحسب ما تبدت في القرن العشرين مختلفة قليلا عن المستعمل عند الفرس والعرب المشارقة.

رابعا، لا تاريخية المقاربة، حيث لا يتنبه اللامي إلى الاختلافات الجذرية في أبعاد السلالم و"مفهوم" المقام ونضج النظام النغمي بعد توسيعه أو استدخال عناصر جديدة إليه، مثل "وسطى زلزل" الأصلية. فكأن العالم الرقمي يسطح كل هذه الأشياء، وعندئذ يتجاور كتاب تفصلهم مئات السنوات عن بعض، دون إشارة إلى أطوار الموسيقى التي اختلفت ما بينهم وإلى علاقاتهم بعضهم ببعض، فهما وسوء فهم وتجاهلا وجهلا. وتأتي ضمن هذه اللاتاريخية مسألة استحالة إسقاط أجناس لاحقة على دوزان سلمي يسبقها بقرون، بينما يهمل المشروع الأجناس والمقامات من تلك الفترة. فعلى سبيل المثل يهمل اللامي بحث السلالم الموجودة في أيام الموصلي، بذريعة اختلاف الباحثين حولها بدل أن يناقشها ويدلي برأي فيها، ويهمل الجماعات النغمية التي يذكرها ابن سينا مثلا، ويغفل عن استمرار الأسماء مع اختلاف المسميات، كتحول تسمية "عشاق" من جنس يساوي "العجم" في أيامنا، إلى جنس يساوي النهوند، وكذلك تحول تسمية البوسليك من الكرد إلى النهوند.. الخ.

خامسا، عدم تتبع أصول "التناغيم" التي يعرضها، حيث يفترض أن عرضها بالمسميات القديمة، هو خروج على محورية النظام الغربي الذي يستعمل القياس بالسنت، أو النسب "الفيثاغورية" أو سلسلة التوافقات الهارمونية، في حين إن أصول هذه التناغيم حيث ذكرت، عند الكندي والفارابي وصولا إلى الأرموي، مرتبطة بالنظرية اليونانية في قياس الأبعاد وفي التعبير عنها رياضيا. أي أن الافتراق ليس كما نتصور بين النظام الغربي والنظام "الشرقي".

سادسا، غياب الرغبة في المناقشة والتدقيق، وتغليب النقل والتجميع. فأن يكون شطر مهم من المشروع يورد "السيور" بينما يعتمد في المراجع على أمثال الباحث الموسيقي اللبناني توفيق الصباغ (1892-1964) الذي لا يرى في السير حقيقة بل مجرد قيد على خيال الملحن، لهو أمر يستحق على الأقل بعض النقاش. بل إن "السيور" نفسها مفقودة في المسموع، ومختلف عليها بين الكتب المختلفة، وكثير من الكتب الأقدم، مثل "الموسيقى الشرقية" للموسيقي المصري كامل الخلعي (1881-1931)، لا يذكر سيرا عند العرب ولا درجات يلزم البدء بها. وقرين ذلك القبول، دون تدقيق، بالإطار المسمى الموسيقى "الفارسية ـ العربية ـ العثمانية" وكأن الاشتراك في فكرة وجود "مقامات" كاف لتوحيد وجمع هذه الموسيقات المتغايرة في إطار واحد.

AHMAD AL-RUBAYE / AFP
موسيقيون عراقيون يعزفون على آلة العود خلال حفل موسيقي على مسرح الرشيد في العاصمة العراقية بغداد، 17 ديسمبر 2021

مساءلة مفهوم التجريب

وأخيرا، فإن على الموقف من التجريبيين أيضا مساءلة مفهوم التجريب ومغزاه في بلادنا، وتاليا الدور المؤثر والفعلي لهم في موسيقانا، لا على مسارح العالم. فالتجريب، في رأينا، محفز أولا على توسيع المساحة المتاحة في الفن الموسيقي المحلي ، خصوصا في عالم ما بعد كولونيالي منحاز. بالتالي، فإن على هذا التجريب أن يتقاطع مع الموسيقى المحلية ومع الاقتصاد والسياسة والحروب. وبهذا، فإن بعض ممارسي موسيقى الأداء والارتجال الايقاعي بأدوات غير موسيقية، مثل اللبناني رائد ياسين، ربما يكونون أكثر تجريبية وصدقا لتجربتهم كأبناء حروب متطاولة، رغم انقطاعهم عن موروث الموسيقى الشرقية، من آخرين لا يضيفون سوى تمارين ذهنية على الموشحات أو المقامات تحتضنها تمويلات ضخمة.

العودة إلى ارتباط الموسيقى بالجسد، إنتاجا واستمتاعا، تبدو أولوية في مقاومة المرحلة الآتية من الرأسمالية الرقمية

على مستوى أعمق، وبغض النظر عما قد يقوله بعض غلاة محاربة الاستشراق والاستعمار عن دور الجامعات الغربية ومدى استفادتهم في مقابل استفادة الموسيقيين العرب حقا، فإن المرء يتساءل هل إن مناهضة المركزية الغربية الاستعمارية وتفكيكها تتطلب منح موارد الموسيقى الشرقية العربية على مر التاريخ للذكاء الاصطناعي والأدوات الرقمية، أم أن مقاومتها تتطلب أصلا توكيد امتناعها عن مثل هذا الانخراط الرقمي الاصطناعي، ولو أبقاها ذلك خارج ما سيتيحه تجاريا لجهة الانفتاح على أسواق خارجية ومستخدمين أجانب لها بأقل مجهود وبأكبر قدر من السطحية. أين تكون حقا مقاومة السوق ومنطقه التجاري الاستيلائي والمتعجل؟

في إمكان المرء أن يؤصل لنظرة نحو هذه الموسيقى أعمق وأغنى وأكثر تعددا من كل اختزال، وأكثر سيولة من كل تحديد، وأكثر "بشرية" من كل تقعيد رقمي. فإن كانت أفكار غليسان تشدد على "خصوصية لا تقبل الاختزال"، فإننا لا نجد مسوغا لقبول الاختزال الرقمي وإلغاء الصبر "الجسدي" المرتبط بإتقان هذه الموسيقى. بل إن العودة إلى ارتباط الموسيقى بالجسد، إنتاجا واستمتاعا، تبدو أولوية في مقاومة المرحلة الآتية من الرأسمالية الرقمية.

ربما يظل هذا موقفا متشددا، أو يائسا، أو سؤالا مفتوحا، لكن نقل تنظير دون التنبه إلى مسافته عن الممارسة، ونقل مفاهيم معيوبة شائعة دون تدقيق، وتكديس مراجع دون مقارنتها وتفنيدها، لا يفي بمتطلبات المهمة التي يتنطح لها بحسن نية وبطاقة عمل لافتة صاحب هذا المشروع، على الصعيد المعرفي كما على الصعيد السياسي.

font change

مقالات ذات صلة