تنفتح تجربة الشاعر اللبناني عيسى مخلوف على الثقافات والآداب والفنون، وعلى بناء علاقة خصبة بين الشعر والفكر والتأمل، وتمتد في فضاءات متعددة تجمع الكتابة الشعرية والترجمة والبحث الثقافي.
يقوم كتاب "قل أيها الفجر"، الصادر عن “دار المنار” في باريس (2026) باللغتين العربية والفرنسية، على تحويل التجربة الشخصية إلى فضاء أوسع تتقاطع فيه أسئلة الإنسان والطبيعة والحب والموت والذاكرة والمصير. ويتضمن الكتاب قصائد ذات امتداد تأملي واضح، تتجاور فيها صورة الأرض مع صورة الإنسان، والسماء مع الجسد، فيما يغدو السفر حركة داخلية بقدر ما يمثل انتقالا في المكان.
تنهض قصائد الكتاب على الترحال بين الذات والعالم، وبين الذاكرة والمستقبل، فتلتقي هذه المسارات في صوت شعري يتأمل الخراب من جهة، ويتطلع إلى الضوء من جهة أخرى. وتنبع خصوصية الكتاب من الترابط الداخلي الذي يصل قصائده بعضها ببعض. فالعناوين المتجاورة تفتح فضاءات متبادلة، والصور تتردد في أمكنة مختلفة، والضوء ينتقل من السماء إلى الوجه، ومن الحديقة إلى الحقول، ومن الفجر إلى الذاكرة. وفي هذا المسار تتشكل القصيدة باعتبارها رحلة بحث عن موضع يستعيد فيه الإنسان علاقته بالعالم، ويمنح تجربته معنى يتجاوز حدود اللحظة والمكان.
لهذا، يبدو "قل أيها الفجر" كتابا مشدودا إلى المستقبل، مع احتفاظه بذاكرة كثيفة للماضي. فهو كتاب عن الرحيل والعودة، وعن الجمال والغربة، وعن الحب والخوف، وعن الأرض التي تحمل جراحها، والضوء الذي يواصل شق طريقه نحوها. وعبر هذه الثنائيات تتبلور خصوصية تجربة عيسى مخلوف، في كتابة تجمع التأمل بالصورة، وتضع الإنسان في قلب الطبيعة، وتحول اللغة إلى طريق طويل نحو معنى يتشكل مع كل قصيدة، حتى يغدو الفجر في نهاية الرحلة أكثر من لحظة زمنية في النهار.
استدعاء الضوء
تتأسس قصيدة "قل أيها الفجر" على فعل الأمر "قل"، الذي يتكرر بإيقاع متتابع، فيمنح القصيدة نبرة مناجاة كونية، ويجعل الفجر مخاطبا يحمل أخبار النهار المقبل. ومن خلال هذا الخطاب، تتسع دائرة الانشغال الشعري لتشمل المساحات التي تقتطع من غابة الأمازون والجليد القطبي، وأعداد القتلى، والحروب والسلام، والحيوانات التي تطاردها قسوة الإنسان، والنساء المنتظرات للمعجزة، مما يكشف طبيعة الرؤية الشعرية في الكتاب، إذ تتحرك الذات من تجربتها الخاصة نحو المجال الإنساني الأرحب، ومن العاطفة الفردية نحو هم يتصل بمصير الأرض والكوكب.


