سيظل العالم المنصرف لضجة العواصم والمدن العملاقة، ممتنا للقرى المنسية، التي بزغت منها وجوه الرؤيويين الجدد، فأضاءت كمصابيح عجيبة غسق البشرية المطبق.
هذا الوجه المغترب من قرية "بشرى" اللبنانية، واحد من العلامات المشرقية التي سمقت أدبيا وفكريا وجماليا في الولايات المتحدة، فاضطلعت بالقيمة السحرية لشخصية رؤيوي، وتحولت إلى أسطورة. إذ يبدو تخييل صورة جبران في أميركا مقرونا برمزية الشرق الذي هاجر معه، فسكن معه في آخر طابق بعمارة في بوسطن، في شقة معلقة تشبه صومعة متصوف، كأن جبران كان يرصد من علوها ضفة الشرق عبر تلك المسافة الضوئية.
وجه جبران خليل جبران، قد من حجر النبوءة، بالمعنى الذي يبدو فيه كأنه إليك من داخل رؤيا، من داخل حلم، لنقل إن الحاجز الشفيف والسديمي بيننا وبين وجهه هو الحلم، وجدار الحلم النابت بين وجهه وبيننا تبدو مادته مصنوعة من مارج النار. وهو لذلك يلوح في صوره كأنما عكسته شمعة أو موقد على جدار الشتاء.
خلف قناع الضوء الموهوم في وجهه، ثمة طيف لوجه امرأة مندمغ بكيميائه البكر، امرأة كأنها تحرسه كملاك، هو طيف وجه أمه كاميليا، هل هي محض مصادفة أن يحور اسم أمه من كاملة إلى كاميليا؟
إنها الوردة الغامضة التي تضمخ معدن بياضه إذن: لأن أم جبران اشتغلت خياطة لكي تعول الأسرة، فالبديهي على سبيل المجاز، أن الموسيقى التي تحدثها إبرة ماكينتها هي الإيقاع المبهم الذي احتكم إليه جبران بشكل لا واعٍ في كتابة أشعاره ومجمل نصوصه النثرية. فهل هذا هو سر امتلاك جبران خليل جبران وجها موسيقيا؟ أم إن الأمر له علاقة ملتبسة بهسيس ماء أودية شمال لبنان؟
بالإضافة إلى ظل الموسيقي الذي يهوم في مخيلة وجه جبران، هناك الحضور القوي لطيف العاشق الثوري، أو الرومانسي البديع والمأساوي في آن، عاشق يزج بتجربة حبه في منطقة الخطر، إذ يغدو حبه لامرأة قضية كونية، قضية تقف على نحو تراجيدي في صدام مع منظومة التقاليد الدينية والطبقية وتقاوم آلة قمعها الشرسة، ووحشية قوانينها بوردة. إنه طيف مزدوج للوجه العاشق والمعشوق هنا، طيف له علاقة ذات جاذبية خلاقة ومؤثرة إن واقعا أو تخييلا: تخييل يطفو على سطح رؤيتنا أو تأملنا لوجه جبران، مزنة وجه سلمى كرامة في "الأجنحة المتكسرة" (وواقعا هي الفتاة حلا ضاهر)، كما تطفو بعدها في صورة مضاعفة، مزنة مي زيادة، فضلا عن سحائب عشيقات أميركيات كماري هاكسل وباربارة يونغ، وأخريات أغلبهن مجهولات.
بالإضافة إلى ظل الموسيقي الذي يهوم في مخيلة وجه جبران، هناك الحضور القوي لطيف العاشق الثوري، أو الرومانسي البديع والمأساوي
في المجمل هن يلازمن مصباح وجهه ويحلقن حوله كفراشات، كأن صلاتهن هي الاحتراق بناره، إنهن عرائس مروجه اللواتي يصاحبن وجهه أنى حل أو ارتحل.
يصعب على من يعرف العلاقة المتماهية بين جبران خليل جبران والشاعر الإنكليزي وليام بليك، أن يفصل بين وجهيهما أو أن يقيم مسافة بالأحرى فيما بين شاهدتيهما. طبعا جبران هنا هو المتأثر بوليام بليك، الذي حاكاه في كل شيء، شعرا ونثرا ورسما.
إن كانت الصعوبة أكيدة في الفصل بين الوجهين معا، إذ يشكلان ذاتا واحدة مع فوارق دقيقة جدا شبيهة بشرايين في جناح يعسوب، فهناك ما هو أشد التباسا عند تأمل وجه جبران. فالرؤية الملتبسة هذه كامنة في الأجساد العارية وأطياف النسوة ومسوخ الأرواح التي تعج بها لوحاته، محتكمة في ذلك إلى متخيل إنجيلي لا يتقيد بعقائدية النص اليسوعي أو يبدع داخل منظومة تعاليمه الدينية، بل يفجر لا وعيها– أي المنظومة- ويخرج بها من ربقة انغلاقها إلى تصور أشمل له علاقة بتخييل ميثولوجي شخصي، تخييل جمالي حول الجحيم والجنة.
تلك الأجساد والأطياف والمسوخ التي نجد لها ما تحاكيه في الأصل عند وليام بليك الرسام، تظل تحلق وتتطاير وتهوم في مدار فلكي خفي حول وجه جبران في صوره، كما في النموذج أعلاه، مما يجعل وجهه كأنما يشرق من عالم آخر، هو عالم هوسه بالماورائيات.
وكيفما بدا وجه جبران ممهورا بظل إنجيلي مضاد، فكيمياؤه منفلتة، غير أحادية، تتطابق وفسيفساء فكرته المتعددة، إنه وجه مكتنز لثراء العربية والشرقية والأندلسية، تتحاور في رمزيته الأديان كحساسية جمالية وليس كمعتقد.
هكذا يتغذى وجه العاشق الرؤيوي بسحر من تجارب عشقه الخاصة التي تصادمت مع الموروث، فصارت قضايا عامة لها خطورة مسألة حضارية، ويعزز ذلك تشربه الواعي لروافد هويته المتشعبة، فضلا عن قلقه الوجودي والجمالي المحتدم في ذاته كفنان. كل هذه التجاذبات الشاهقة لوجه جبران، المتأرجح بين ضفة الشرق وضفة الغرب، جعلته يبتكر دليله الخاص ليشكل الضفة الثالثة للنهر.
ثمة موسيقى نهرية تنساب في اسم جبران الثلاثي، لها أثر سحري يتضاعف ليخلق صورة راسخة، يستدعيها نطق أو لفظ نغم اسمه
ثمة موسيقى نهرية تنساب على نحو هارموني في اسم جبران الثلاثي، لها أثر سحري يتضاعف ليخلق صورة راسخة، يستدعيها نطق أو لفظ نغم اسمه من جهة، ويعززها تخييل وجهه الرؤيوي من جهة ثانية، هي صورة "النبي"، عنوان أشهر كتبه، التي تستبق كل التوصيفات .