تونس تدفع ثمن الطاقة... من الاستنزاف إلى شبح الظلامhttps://www.majalla.com/node/333134/%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF-%D9%88%D8%A3%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84/%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3-%D8%AA%D8%AF%D9%81%D8%B9-%D8%AB%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%A7%D9%82%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%86%D8%B2%D8%A7%D9%81-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%B4%D8%A8%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D8%B8%D9%84%D8%A7%D9%85
يكفي تصفح وسائل التواصل الاجتماعي في تونس خلال هذه الأسابيع لملاحظة تشكل سوق للألواح الشمسية والمولدات والبطاريات وأنظمة تخزين الكهرباء. تعزز هذا السلوك الاستهلاكي الجديد تحت وطأة صيف صعب عاشه التونسيون أفرادا وشركات ومؤسسات نتيجة انقطاعات متواترة وغير مسبوقة في التيار الكهربائي خلفت خسائر بشرية ومادية كبيرة وأججت حالة احتقان وغليان شعبي هددت السلم الاجتماعي وأثارت حتى توجسا إقليميا من تبعاته السياسية.
مست أزمة الكهرباء كل القطاعات بلا استثناء، وشملت ارتداداتها التفاصيل الحياتية بالبلاد اقتصاديا واجتماعيا، أكان على صعيد المنظومة المائية وفي المنازل والمستشفيات والبنوك والمصانع والحقول والفنادق والسجون وحتى الأفراح والأتراح. وتواصلت طيلة أشهر الصيف وتيرة الانقطاعات اليومية التي امتدت خلال فترة الحر القياسية حتى 20 ساعة ثم تراجعت مع انخفاض درجات الحرارة إلى انقطاعات تدوم ساعتين أو أقل.
ورسمت المشاهد التي وثقت وقع هذه الأزمة، تجليات الـ"ميزيريا"، تلك العبارة الفرنسية الأصل التي تعني الفقر المدقع والبؤس. وباتت متداولة بشكل واسع خلال أيام صيف تونس الحارق والقاسي للتدليل على كارثية وضع تجاوزت التساؤلات في خصوصه حجم وتكلفة تعطل الخدمات والإنتاج إلى سؤال أعمق يتعلق بمدى قدرة الدولة على ضمان استمرارية المرافق الأساس.
خسائر ثقيلة
اعتمدت الشركة التونسية للكهرباء والغاز تقنية "تخفيف الأحمال" التي تتمثل في قطع الكهرباء بالتناوب بين المناطق لحماية الشبكة من الانهيار. وتم اعتمادها بالشكل والحدة وطول المدة لأول مرة في تاريخ البلاد. وعلى الرغم من إعلان وزارة الطاقة نهاية اللجوء إلى هذه الخطة فقد تمت مواصلة العمل بها حتى شهر سبتمبر/أيلول الجاري.
أما تبعات انقطاعات الكهرباء فكانت مكلفة جدا، منها وفيات ناجمة عن توقف آلات الأوكسيجين أو بسبب الإعياء الحراري. واتهمت منظمة الأطباء الشبان في يوليو/تموز الماضي وزارة الصحة بالتعتيم، مؤكدة أن الوفيات بلغت خلال أيام قليلة ما بين 150 و200 حالة لضربات الشمس والإجهاد بسبب الحرارة.
خلفت الانقطاعات خسائر واسعة تمتد من تلف السلع إلى مخاطر المس بموثوقية منظومة الكهرباء. ولم يُطرَح أي تعويض عن ساعات الإنتاج المهدورة
في المقابل، لا تتوافر إحصاءات رسمية دقيقة عن عدد الوفيات المرتبطة بانقطاعات الكهرباء في تونس، بما في ذلك داخل السجون. واقتصرت المعلومات المتداولة على حالات فردية أثارتها عائلات الضحايا، من بينها وفاة رجل الأعمال اللبناني علي قاسم قصب، ورجل الأعمال التونسي لزهر سطا. أما على المستوى الاقتصادي فخلفت الانقطاعات خسائر واسعة تمتد من تلف السلع إلى مخاطر المس بموثوقية منظومة الكهرباء.
فلاح يحصد العنب في مزرعة، بمدينة ماطر، 21 أغسطس/آب 2026
ولم يُطرَح أي تعويض عن ساعات الإنتاج المهدورة وتلف الآلات والأجهزة والمعدات واحتراق المنازل وفساد المواد الغذائية والمنتجات الفلاحية والبحرية، ولا عن نفوق الدواجن وتعطل سلاسل التبريد بشكل أضر بقطاعات واسعة. وتحولت المولدات إلى ضرورة تضاف إليها نفقات الوقود والصيانة.
لكن هذه الضرورة ليست بالأمر الممكن أو الهين للمؤسسات الكبرى والصغرى، وفق حازم كريشان، المختص في نمذجة مخاطر التغييرات البيئية والمناخية. وقد فسر في تصريحه الى "المجلة" أن "الشركات الكبرى تستطيع شراء مولدات الكهرباء أو تركيب ألواح شمسية لمواجهة الانقطاعات بينما لا تستطيع الشركات الصغرى دائما تحمل هذه النفقات".
وأضاف: "مع تكرر الانقطاعات، ينتقل جزء من تكلفة ضعف الشبكة من المنظومة الكهربائية إلى ميزانيات الشركات والأسر. وبذلك، تصبح الانقطاعات أشبه بضريبة غير معلنة وغير متساوية. فمن له المال يشتري الحماية ومن لا يملكه يتحمل توقف النشاط والخسارة. وهذا معطى مهم لاقتصاد مثل الاقتصاد التونسي".
تمثل الشركات الصغرى والمتوسطة 97 في المئة من النسيج الاقتصادي التونسي ويقدر عددها بنحو 870 ألف شركة، حسب عبد الرزاق حواص، الناطق الرسمي باسم الجمعية الوطنية للمؤسسات الصغرى والمتوسطة. ولفهم هشاشة هذا النسيج أصلا، كان حواص قد أكد أن نسبة إغلاق هذا الصنف من الشركات تقدر بــ39 في المئة سنويا بسبب الصعوبات المالية.
جاءت هذه الأزمة بعد سنوات من الاستنزاف الاقتصادي، بدأت مع جائحة كوفيد-19 وتفاقمت مع تداعيات الحرب الروسية-الأوكرانية والصراعات في الشرق الأوسط
في العودة إلى الخسائر، أوضح كريشان أن "التكلفة المباشرة للطاقة غير الموزعة خلال صيف 2026 هي في حدود 50 إلى 60 مليون دينار (17.1 إلى 20.5 مليون دولار) وتبلغ في نطاق أوسع من 40 إلى 100 مليون دينار (13.7 إلى 34.2 مليون دولار)".
وتابع: "الضرر الأكبر على المدى الطويل هو تحول موثوقية الكهرباء إلى عنصر مخاطرة دائم في قرار الاستثمار الصناعي. فالمستثمر الصناعي لا ينظر إلى سعر الكيلوواط/ساعة وحده بل إلى قدرة المنظومة على توفير الكهرباء بانتظام وتمكينه من التخطيط للإنتاج واحترام آجال التسليم".
لذلك، لم تعد الكهرباء مجرد خدمة عمومية تقنية، بل هي في قلب السياسة الصناعية ومن أهم عناصرها. ووفق كريشان، فإن مصنع نسيج أو مصنعا لمكونات سيارات أو صناعات غذائية يصدر إنتاجه إلى أوروبا لا ينافس فقط على الأجور وفي الجودة وفي احترام الآجال واستقرار الإنتاج بل أيضا في البصمة الطاقية والكربونية.
أزمة هيكلية
جاءت هذه الأزمة بعد سنوات من الاستنزاف الاقتصادي، بدأت مع جائحة كوفيد-19 وتفاقمت مع تداعيات الحرب الروسية-الأوكرانية والصراعات في الشرق الأوسط. ففي عام 2020 انكمش الاقتصاد التونسي بنحو 8.7 في المئة، ولم يتبع ذلك مسار مستدام من النمو المرتفع، إذ تباطأ النمو إلى نحو 0.2 في المئة في 2023 و1.4 في المئة في 2024، قبل أن يتعافى إلى نحو 2.5 في المئة في 2025. وفي الربع الثاني من 2026، نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 2.3 في المئة على أساس سنوي، وفق المعهد الوطني للإحصاء التونسي.
محطة طاقة كهربائية في مدينة ماطر، 21 يوليو/تموز 2026
ونتيجة سياسات التقشف، تقلص الاستثمارات المباشرة للدولة لتبلغ 5.6 في المئة فقط من حجم موازنة 2026. وعلى المنوال نفسه، تراجعت استثمارات الشركة التونسية للكهرباء والغاز (الستاغ) في إنتاج الكهرباء بنسبة 87 في المئة في المتوسط بين عامي 2021 و2025، في مؤشر الى حجم الضغوط التي تواجهها الشركة وقطاع الكهرباء التونسي، ويعكس أيضا حال كل الشركات المملوكة للدولة. ويأتي ذلك في وقت قال فيه وزير الاقتصاد والتخطيط سمير عبد الحفيظ، خلال جلسة عامة بالبرلمان في 29 يوليو/تموز 2026، إن غالبية المؤسسات العمومية أصبحت تمثل عبئاً على موازنة الدولة، في ظل تراجع مداخيلها واعتمادها على التمويل الحكومي لضمان استمرارية نشاطها.
في الوقت الذي يرجح فيه رئيس الجمهورية قيس سعيد أسباب الانقطاعات ويعزوها إلى الفساد ويجدد خطاب المؤامرة التي تهدف إلى إثارة البلبلة بالبلاد، تؤكد "الستاغ" أن الأزمة نتاج عوامل تقنية ومالية ومناخية كما تنبه من سيناريو "البلاك أوت" أو الانهيار الشامل للشبكة
وقدم ممثلون من الشركة عرضا في البرلمان بتاريخ 27 يونيو/حزيران 2026 ، كشفوا من خلاله أن ديون "الستاغ" بلغت 7.36 مليار دينار (نحو 2.51 مليار دولار) إلى 23 يونيو/حزيران 2026، وأن مستحقاتها غير المستخلصة لدى مختلف الحرفاء والشركات العامة والخاصة تقدر بـ6.1 مليار دينار (نحو 2.07 مليار دولار). تتطلب هذه الوضعية وفق ممثلي الشركة، تعبئة موارد مالية واستثمارات إضافية لضمان استمرارية المؤسسة وتنفيذ مشاريعها المبرمجة.
من جهة أخرى، تدعم الدولة قطاع الكهرباء بنحو 40 في المئة، فيما لا يغطي سعر البيع كامل تكلفة الإنتاج. ففي عام 2025 بلغ متوسط سعر بيع الكهرباء 290.7 مليما للكيلوواط ساعة، مقابل تكلفة إنتاج متوسطة قدرها 456.3 مليماً، مما يعني أن سعر البيع غطى نحو 64 في المئة من التكلفة فقط، بفجوة بلغت نحو 36 في المئة.
مؤشرات خطيرة
يكشف توسع سياسات التحوط لتأمين الاستقلالية الذاتية عن الشبكة الكهربائية العمومية عن اهتزاز واضح في الثقة في قدرة الدولة على بلورة حلول سريعة ومستدامة تنهي تراجع الخدمات الأساس.
ألواح الشمسية في خزان مائي بمنطقة الكرم ، شمال شرقي العاصمة التونسية تونس، في 19 أكتوبر/تشرين الأول 2022
وقد تعمق هذا الشعور بعد تضارب السرديات الرسمية. ففي الوقت الذي يُرجح فيه رئيس الجمهورية قيس سعيد أسباب الانقطاعات ويعزوها إلى الفساد ويجدد خطاب المؤامرة التي تهدف إلى إثارة البلبلة بالبلاد، تؤكد "الستاغ" أن الأزمة نتاج عوامل تقنية ومالية ومناخية، كما تنبه من سيناريو "البلاك أوت" أو الانهيار الشامل للشبكة.
إنما يبقى هذا التضارب مجرد تفصيل مؤسف ومحزن أمام واقع المنظومة الطاقية الذي ينذر بالأسوأ. وللأرقام دلالاتها العميقة، فقد بلغت نسبة التبعية الطاقية 66 في المئة بما يعني أن ثلثي حاجات البلاد الطاقية مرتبطة بالخارج بسبب انهيار الإنتاج المحلي بعد تسجيل إنتاج النفط عام 2024 أدنى مستوى له منذ 60 عاما (1966) فيما تراجع إنتاج الغاز بـ 59 في المئة منذ 2010 حسب بيانات وزارة الطاقة.
أفضى هذا الوضع إلى تضاعف حجم العجز الطاقي أربع مرات في عقد واحد ليقفز من 2.7 مليار دينار عام 2016 إلى 11.1 مليار دينار في نهاية عام 2025 وهو نصف حجم العجز التجاري
اللافت أن نشاط الاستكشاف انعدم تقريبا (صفر بئر سنة 2025) مقابل حفر 17 بئرا استكشافية سنة 2010 يقابله تراجع في عدد رخص البحث والاستكشاف بنسبة صادمة تقدر بـ78 في المئة (من 54 رخصة سنة 2010 إلى 12 رخصة عام 2025). يضاف إلى ذلك تعطل مسار الانتقال الطاقي، فبقيت إسهاماته في المزيج الطاقي للبلاد محدودة جدا ولا تتجاوز الـ9 في المئة (وزارة الطاقة).
أفضى هذا الوضع إلى تضاعف حجم العجز الطاقي أربع مرات في عقد واحد ليقفز من 2.7 مليار دينار عام 2016 إلى 11.1 مليار دينار في نهاية عام 2025 وهو نصف حجم العجز التجاري.
ويقول وزير الطاقة السابق والخبير الدولي المنجي مرزوق في تصريح الى "المجلة" ان "تونس تمر منذ عام 2025 وفي 2026 بأكثر مراحل تاريخها حرجا في العجز الهيكلي في الطاقة الذي أدى مع موجة الحر المرتفعة جدا إلى انقطاعات عديدة وواسعة في التيار الكهربائي خلال هذا الصيف".
وكان المعهد الوطني للرصد الجوي أعلن أن يوليو/تموز 2026 هو ثاني أشد أشهر يوليو حرارة منذ 76 سنة (1950) مع تسجيل أرقام قياسية طيلة هذا الصيف في محافظات عدة منها القيروان (وسط تونس)، فقد بلغت درجات الحرارة يوم 26 أغسطس/آب، 49.7 لتكون بذلك ثاني اعلى درجة حرارة مسجلة بالعالم وفق منصة "الدواردو ويذر" المتخصصة في البيانات المناخية ونقله موقع "بيزنس نيوز" المحلي.
منشآت شركة "سرغاز" التونسية، التي تدير الجزء التونسي من خط أنابيب الغاز العابر للمتوسط (ترانسمد)، والذي يتدفق عبره الغاز الطبيعي من الجزائر إلى إيطاليا، في منطقة الهوارية، 14 أبريل/نيسان 2022
اقتصاديا، يمكن قراءة هذه الأرقام من زاويتين: الأولى باعتبارها من تجليات التغير المناخي وتحدياته التي تتطلب استثمارات ضخمة، إذ تقدر تونس احتياجات تنفيذ مساهمتها المحددة وطنيا الثالثة (NDC 3.0) بنحو 55 مليار دولار خلال الفترة 2026–2035، أي ما يعادل نحو 161.3 مليار دينار، أو أكثر من ضعفي موازنة الدولة لعام 2026 البالغة 79.6 مليار دينار (نحو 27.2 مليار دولار).
أما الزاوية الثانية فمنطلقها ما تمثله الشمس والرياح من إمكانات استثنائية كمورد طاقي قادر على تحويل الضغوط المناخية إلى فرصة اقتصادية. فكل ارتفاع حاد في درجات الحرارة يرفع الطلب على الكهرباء في بلد يعتمد بشكل كامل تقريبا على الغاز الطبيعي لإنتاج الكهرباء (97 في المئة تستورد ما يقارب ثلثي هذا الغاز من الجزائر بينما لا تغطي القدرة المركبة من الطاقات المتجددة سواء 1,163 ميغاواط في نهاية يونيو/حزيران2026 حسب وزارة الصناعة والمناجم والطاقة، منها نحو 630 ميغاواط من الطاقة الشمسية الكهروضوئية.
فقد بينت أزمة هذا الصيف ترابط الزاويتين من حيث تراجع الإنتاج وتعطل قطار الانتقال الطاقي، ومن حيث ارتفاع الطلب الناجم عن موجة الحر القياسية، وبالتالي ازدياد الاستهلاك للتبريد. وتتسع قاعدة استخدام أجهزة التكييف في تونس، التي تضم نحو 2.5 مليون مكيف، فيما تمتلك أكثر من نصف الأسر التونسية جهازا واحدا على الأقل، وفق الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة.
أزمة الكهرباء ناجمة عن موجة الحر الشديدة وعدم قدرة التوليد على مجاراة ذروة الطلب الصيفي، فالأزمة ليست حدثا عابرا إذ كشفت عن خلل بنيوي في منظومة الطاقة
وزير الطاقة السابق والخبير الدولي المنجي مرزوق
وفسر مرزوق في هذا الصدد أن أزمة الكهرباء ناجمة عن موجة الحر الشديدة عدم قدرة التوليد على مجاراة ذروة الطلب الصيفي، مشددا على أن الأزمة ليست حدثا عابرا إذ كشفت عن خلل بنيوي في منظومة الطاقة، وأظهرت للعلن ما سماه بـ"نقاط ضعف عميقة لكن معروفة في منظومة الكهرباء وموثوقيتها".
كما أشار إلى الوضع المالي الحرج للشركة التونسية للكهرباء والغاز وهو وضع قال إنه يضعف قدرتها على الاستثمار والصيانة على الرغم من تقادم الشبكة الكهربائية وارتفاع نسبة الفاقد (الضياع الفني والتجاري) وهما عاملان يزيدان هشاشة المنظومة.
الرئيس التونسي قيس سعيد يصافح نظيره الجزائري عبدالمجيد تبون، لدى وصوله مطار قرطاج الدولي، 22 أبريل/نيسان 2022
لا تقتصر أزمة منظومة الكهرباء اذن على انهيار الإنتاج وتعثر الانتقال الطاقي، كونها تشمل أيضا خسائر مهمة في النقل والتوزيع. فقد تضاعف الفاقد الكهربائي التقني والتجاري من 11.27 سنة 2010 إلى 19.7 في المئة حتى يونيو/حزيران 2026 حسب بيانات الستاغ، ويصل إلى 24 في المئة، أي ربع الإنتاج، وفق وزير التجارة السابق وأحد كبار المسؤولين السابقين بالستاغ محمد المسليني في تصريح لموقع "كتيبة" المحلي، واصفا الرقم بالمرتفع جدا وبكونه يجعل تونس أقرب إلى "سيبيريا" .
أما تقادم الشبكة، فيعود إلى ملف شائك يتعلق بالاستثمار . وفي هذا الصدد، يوضح الخبير الدولي والمستشار الحكومي السابق في الطاقة حامد الماطري أن الشركة التونسية للكهرباء والغاز راجعت سياسات الاستثمار وأضاف مفسرا "تشير المقارنة بين فترتي 2016-2020 و2021-2025 إلى تراجع الاستثمار في وسائل الإنتاج بنسبة 87 في المئة وهو انهيار غير مسبوق في قدرة الشركة على تجديد أسطولها الإنتاجي أو توسيعه مقابل التعويل المتزايد على استيراد الكهرباء كحل لتغطية الفجوة التي تراكمت بين العرض والطلب".
وقال في سياق متصل "تشير تقديرات المرصد التونسي للاقتصاد إلى أن الطلب على الذروة بلغ نحو 6,400 ميغاواط في منتصف يوليو/تموز في حين لم تتجاوز القدرة الإنتاجية الفعلية المتاحة للشركة التونسية للكهرباء والغاز 4,630 ميغاواط أي بفارق 1,770 ميغاواط بين ما تحتاجه الشبكة وما يمكن توفيره".
ويوضح المتحدث أن سياسة الدولة ارتكزت على امتداد العقود الماضية على تطوير طاقة الإنتاج الكهربائي المركبة من خلال بناء مولدات جديدة وتوسعة المحطات القديمة بشكل يضمن الاكتفاء الذاتي لمثل هذه الخدمة الاستراتيجية مع استباق التطور الذي يعرفه الاستهلاك الكهربائي في البلاد.
لم يدخل أي مشروع من أصل 500 ميغاواط من التراخيص الممنوحة للطاقات المتجددة سنة 2018 حيز الإنتاج حتى نهاية 2024 بما يعكس عطالة إدارية وتراخيا في إنجاز المشاريع الكبرى
حامد الماطري، خبير دولي
وتابع: "كانت الشركة (الستاغ) تعمل على تطوير مولد جديد بطاقة إنتاج تناهز 450 ميغاواط كل 3 سنوات، بحيث أنه مع دخوله الخدمة يكون استبق ارتفاع الطلب المتوقع لهذه الفترة، وبشكل يحافظ معه على هامش أمان بين ما تضمن الشركة توفيره وما تحتاجه الشبكة في ذروة الإنتاج" .
في هذا الصدد، تكشف بيانات حديثة لإدارة التجارة الدولية في وزارة التجارة الأميركية (فبراير/شباط 2026) أن استهلاك الكهرباء في تونس ينمو بنسبة 5 في المئة وأن القدرة الإنتاجية المركبة تبلغ نحو 5,944 ميغاواط موزعة على 25 محطة توليد دون الاستثمار في إنجاز محطة جديدة منذ سبع سنوات. ولفت التقرير إلى أن "الستاغ كانت بطيئة في تسهيل استثمارات القطاع الخاص في انتاج الطاقة"، وهذه قصة أخرى تكذبها نقابة الشركة وتشدد على أنها سياسة ناعمة لخصخصة هذا القطاع الاستراتيجي.
تحديات الانتقال الطاقي
هناك إجماع في تونس على تعثر الانتقال الطاقي على الرغم من أن الاعداد له انطلق منذ ما يقارب الثلاثة عقود. وقال الخبير الدولي حامد الماطري إن أي مشروع من أصل 500 ميغاواط من التراخيص الممنوحة للطاقات المتجددة سنة 2018 لم يدخل حيز الإنتاج حتى نهاية 2024 معتبرا أن ذلك يعكس عطالة إدارية وتراخيا في إنجاز المشاريع الكبرى.
مطعم متضررعلى إثر حرائق الغابات في سيدي علي المكي بمنطقة غار الملح، 22 يوليو/تموز 2026
وذكر الماطري أن سقف الطموحات كان مرتفعا مستندا في ذلك إلى ترفيع تونس من أهدافها لحصة الطاقة المتجددة في مزيج الإنتاج الكهربائي من 30 في المئة إلى 35 في المئة في أفق 2030.
ومن المفارقات أن الانتقال الطاقي الذي يقدم اليوم كمجرد استجابة لأزمة، كان يوصف بالخيار الاستراتيجي، وسيكون لهذا التحول السريع نحو ما يمكن تسميته التحوط الذاتي تحديات أوضحها مرزوق في تصريحه الى "المجلة" بالقول "إن الدول النامية التي ارتفعت فيها أسعار الكهرباء وضعفت موثوقية شبكة الكهرباء تواجه سيناريو نمو سريع جدا لموارد الكهرباء الشمسية الموزعة أو الإنتاج الذاتي. وهذا ما نلاحظه في تونس منذ سنوات قليلة. فهناك حاليا 70 في المئة أو أكثر من الطاقة الشمسية الكهروضوئية هي انتاج ذاتي".
وتابع: "ستزيد وتيرة أزمة الكهرباء لهذا العام بصفة كبيرة مع إضافة التخزين بالبطاريات، وستتسارع أيضا الكهرباء المتجددة المركزية (كهروضوئية ورياح)، على الرغم من الانطلاقة البطيئة جدا، وذلك لمزاياها في التكلفة والتحكم والربط بالشبكة".
هذه التحديات لا تضاهيها تحديات الواقع الطاقي الحالي وخاصة التعويل شبه الكلي على الجزائر. وفي هذا الشأن، أكد الماطري أن "المعضلة الكبرى في المنظومة الطاقية في تونس هي في اعتمادها شبه الكلي على الغاز الطبيعي في صناعة الكهرباء وتحديدا في كون أغلب هذا الغاز يأتي من الجانب الجزائري ومن خلال أنبوب واحد". وأكد أن تنويع مصادر الطاقة هو ضرورة وأولوية استراتيجية بالإضافة إلى كونها ضرورة اقتصادية ومالية، مبينا أن الطاقات المتجددة هي جزء من الحل.
مع ذلك، من المهم الإشارة أيضا إلى أن التعويل على الجزائر مكن بلا شك من حماية البلاد من السقوط في الظلام في أكثر مناسبة كما منحها في نفس الوقت ورقة ضغط هامة حولتها إلى لاعب مؤثر في مختلف القضايا الوطنية بشكل خلف تباينا وانقساما حول تعاظم دور "الجارة" غير المسبوق في الشأن التونسي الذي لا تنكره السلطات الجزائرية، وتبرره بخطاب وصاية بكونه في صميم حماية أمنها الداخلي.
الأكيد أن أزمة الكهرباء أخذت أبعادا مختلفة إنسانية واقتصادية واجتماعية وسياسية وجيوسياسة ، وتكاد تكون من أخطر الأزمات التي مرت على نظام الرئيس التونسي قيس سعيد ولازالت تختبر صموده باعتبار أنها متواصلة وعنوانها "الطاقة"، وربما بوقع أشد خلال الشتاء القادم مع عودة ارتفاع أسعار النفط.
دعوات التغيير
تحولت أحداث هذه الصيف إلى محرك لدعوات التغيير والاحتجاج، مع بروز مبادرة أعلن عنها يوم 2 سبتمبر/أيلول 2026 يقودها اتحاد الشغل وهيئة المحامين ورابطة حقوق الإنسان. هذه المبادرة هي الأولى من نوعها خلال الأربع سنوات الاخيرة وتطرح اساسا البحث عن أفق سياسي جديد.
هذا الحراك يوحي بتشكل وعي جماعي بضرورة إحداث إصلاحات عنوانها حكومة جديدة بالنسبة لداعمي رئيس الجمهورية قيس سعيد والرحيل بالنسبة لمعارضيه. وينتظر التونسيون الإعلان عن رئيس حكومة جديد، سيكون السابع الذي يعينه رئيس الجمهورية قيس سعيد منذ انتخابه رئيسا للبلاد لأول مرة سنة 2019 وتجديد انتخابه ثانية عام 2024.
وسيكون تشكيل الحكومة فرصة على الأقل لتعيين وزير جديد للطاقة بعد شغور تواصل منذ شهر أبريل/نيسان الماضي وتواصل على الرغم من خطورة الأزمة. ويتوقع أن تحرك هذه الأحداث المياه الراكدة من خلال صدور تعيينات في مناصب دبلوماسية وحكومية حساسة تشهد شغورا منذ فترة على غرار سفارة تونس بالجزائر وهي بلا سفير منذ انتهاء مهمة رمضان الفايض في يوليو/تموز 2025، أي منذ أكثر من عام، على الرغم من الدور الاستراتيجي للجارة في الملف الطاقي.