من يحاول الوقيعة بين الجزائر وجارتها الشرقية تونس؟

تطالب بعض النخب التونسية المعارضة بـ"إعادة النظر" في اتفاقيات موقعة بين البلدين

أ.ف.ب
أ.ف.ب
الرئيس التونسي قيس سعيد والرئيس الجزائري عبد المجيد تبون لدى وصول الأخير إلى مطار تونس قرطاج الدولي في 22 أبريل 2024

من يحاول الوقيعة بين الجزائر وجارتها الشرقية تونس؟

أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي مثخنة هذه الأيام بالاستنتاجات المضللة والحسابات الوهمية أو المزيفة بهدف التلاعب بالرأي العام ونشر الفتنة بين تونس والجزائر، ففي تطور غير متوقع تماما، خرجت بعض النخب التونسية من محللين وأصوات نقدية معارضة لتطالب بـ"إعادة النظر" في الاتفاقيات الموقعة حول رسوم عبور الغاز الجزائري المتجه نحو إيطاليا عبر الأراضي التونسية وذلك في أعقاب زيارة رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا مليوني الأخيرة إلى الجزائر. ويتمحور مطلبهم حول "مراجعة حصص" العبور المالية واللوجستية.

لا تختلف هذه القصة عن حملة التضليل والأكاذيب التي سوقتها أطراف تونسية، معظمها تتبنى خطابا مناهضا للحكومة والسلطة الحالية في تونس حول وثيقة مفبركة عن اتفاق تونسي-جزائري، نشرت على شبكات التواصل الاجتماعي ومواقع إلكترونية للمعارضتين الجزائرية والتونسية، وثيقة مفبركة ذات طابع "سري للغاية"، وتزعم "تمكين الجيش الجزائري من التدخل لحماية نظام الرئيس قيس سعيد في حالة وقوع اضطرابات داخلية خطيرة، أو تمرد، أو محاولة انقلاب أو أي وضع آخر من شأنه تهديد الاستقرار المؤسسي، واستمرارية النظام الدستوري القائم". وتحول الوثيقة دون إبرام أي اتفاقية أو شراكة مع طرف أجنبي في المجالات الأمنية أو الدفاعية المرتبطة بأحكام هذا الاتفاق دون تنسيق مسبق"، وهناك بند آخر ينص على "السماح للوحدات العسكرية والأمنية للطرف الأول بعد التنسيق المسبق مع السلطات المختصة للطرف الثاني بالتوغل في أراضي الطرف الثاني في حدود لا تتجاوز 50 كيلومترا من خط الحدود لعمليات المطاردة والتحييد للعناصر الإرهابية الخطيرة".

عداء حاد تجاه الجزائر

وتتعارض البنود السالفة الذكر كليا مع أهم مبدأ يحكم عقيدة السياسة الخارجية الجزائرية منذ الاستقلال وهو عدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول الجوار، كما أن المادة 31 من الدستور المعمول به حاليا تمنع خوض الجيش أي عمليات خارج الحدود. وتنص على ما يلي: "تمتنع الجزائر عن اللجوء إلى الحرب لعدم المساس بالسيادة المشروعة للشعوب الأخرى وحريتها وتبذل جهودها لتسوية الخلافات الدولية بالوسائل السلمية، كما يمكن للجزائر في إطار الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والجامعة العربية وفي ظل الامتثال التام لمبادئها وأهدافها أن تشترك في عمليات حفظ سلام في الخارج".

أبسط قارئ بإمكانه التأكد من عدم صحة الوثيقة والحجة الدامغة على ذلك العبارة التي كتبت في البند الأخير والمتمثلة في إيداع نسخة منها لدى الأمم المتحدة

الإعلامي الجزائري عثمان لحياني

وما زالت هذه الوثيقة "المزورة" تشكل مادة دسمة لدى المعارضة التونسية رغم تزييف جوهر الاتفاق وهو ما أكده عثمان لحياني، إعلامي جزائري وكاتب يركز في كتاباته على القضايا الجيوسياسية، والعلاقات الجزائرية الدولية (خاصة مع فرنسا ودول الجوار مثل تونس وليبيا)، وكشف لدى نزوله ضيفا على برنامج "يمين ويسار" الذي يبث على قناة "الخبر تي في" المحلية أن "الاتفاق العسكري الذي وقع في أكتوبر/تشرين الأول 2025 هو تحيين للاتفاق السابق الذي وقع سنة 2002. وطبعا هذا التحيين تمليه المتغيرات الأمنية والعسكرية المرتبطة بالأشكال والأساليب الجديدة للتهديدات الإرهابية والإتجار غير المنضبط بالأسلحة والمخدرات والإتجار بالبشر". ويقول إن "هذه التهديدات تفرض على كل بلدين جارين ليس فقط الجزائر وتونس تحيين الاتفاقيات العسكرية لتأمين الحدود المشتركة وهو ما شهدناه مع السعودية وباكستان اللتين وقعتا في 17 سبتمبر/أيلول الماضي اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك لتأسيس تحالف أمني وثيق يعتبر أي عدوان على إحدى الدولتين اعتداء على الأخرى". وتابع المتحدث قائلا إن "أبسط قارئ بإمكانه التأكد من عدم صحة الوثيقة والحجة الدامغة على ذلك العبارة التي كتبت في البند الأخير والمتمثلة في إيداع نسخة منها لدى الأمم المتحدة".

رويترز
جنود تونسيون يقومون بدوريات قرب الحدود مع الجزائر، كما يُرى من منطقة جبل الشامبي، غرب تونس، في 11 يونيو 2013

وبين الفينة والأخرى تصدر مواقف نقدية حادة من بعض النخب التونسية، ويمكن التوقف عند تصريحات الرئيس التونسي الأسبق المنصف المرزوقي الذي يحمّل الجزائر دائما مسؤولية حالة الجمود التي يعرفها الاتحاد المغاربي منذ تأسيسه، ومواقف الناشط السياسي المعارض والمرشح السابق للانتخابات الرئاسية صافي سعيد، و"مزاعم" وزير الخارجية التونسي الأسبق أحمد ونيس وما تثيره من جدل دائما.

بكثير من "الريبة" والشك "المغمس" بالقلق والتوتر، ينظر الرئيسان الجزائري والتونسي إلى الفصيل المعارض في تونس

ولم يكن الخطاب السياسي الذي ألقاه الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بتاريخ 30 ديسمبر/كانون الأول 2025 أمام البرلمان بغرفتيه عاديا أو عابرا بالنسبة للتونسيين، فقد تضمن كلاما مباشرا وآخر يمكن استشفاف الكثير من بين سطوره، انطلاقا من تأكيده على أن "هناك محاولات لزرع الفتنة بين الجزائر وتونس باستعمال عقول مستأجرة"، وحذر بالمقابل من "مؤامرة خطيرة تستهدف تعكير صفو العلاقات بين البلدين"، واستدعى مضمون الاتفاقية مؤكدا أن "جيش بلاده لم تطأ أقدامه أرض تونس ولن يدخل"، وأن الهدف الأسمى مما يروج له "إثارة فتنة سياسية بين الطرفين والمستهدف الحقيقي هي الجمهورية التونسية". ثم استطرد قائلا: "من يريد الإساءة إلى تونس عليه أن يمر أولا بالجزائر"، ويظهر بوضوح إشارة قوية ومباشرة إلى مخاوف الجزائر من انتقال سيناريو الانقلابات التي وقعت في دول الجوار مثل: ليبيا ومالي وبوركينا فاسو، وسببت تداعيات خطيرة شملت الجزائر لاسيما على الصعيد الاجتماعي من حيث تدفق المهاجرين غير النظاميين.

خلفيات وأسرار العداء

ومن الرسائل التي مررها الرئيس خلال خطابه ذلك التأكيد على أن "تونس قوية جدا والبعض يحاول تصويرها بأنها سهلة الافتراس غير أنهم مخطئون بحكم مجاورتها للجزائر، وأن الرئيس قيس سعيد ليس من الزمرة المطبعة ولا المهرولة"، وهنا يكمن لب الحقيقة في الحديث، فالرئيس الجزائري وجه للتونسيين كلاما واضحا وصريحا حول وجود مؤامرة تستهدف بلادهم وعلاقاتها مع الجزائر تحركها قوى غربية مهمتها الرئيسة تفتيت المنطقة وتكريس "التطبيع"، ويقول البروفيسور نور الصباح عكنوش، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة بسكرة (جنوب شرق الجزائر) في حديثه لـ"المجلة" إن "هناك دولا رئيسة تعمل على فك الارتباط العضوي والتكامل النسقي بين الجزائر وتونس من أجل إضعاف كل منهما حيث يتم عزل الجزائر عن عمقها الجيوسياسي وهي تونس كدولة شقيقة وحليفة، وإضعافها من جهة أخرى حتى يسهل اختراقها". والسبب الرئيس للاستهداف المستمر والمتكرر وفق ما قاله المتحدث هو: "الموقف الرافض للتطبيع والاعتراف بإسرائيل ودعم القضايا العادلة عبر العالم ومناهضة القوى النيوكولونيالية، فلم تتخل كل من تونس والجزائر سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي عن مواقفهما الداعمة للقضية الفلسطينية بالرغم من الضغوط الخارجية التي تستغل أزماتهما الداخلية لدفعهما لتقديم تنازلات في اتجاه التطبيع".

وبكثير من "الريبة" والشك "المغمس" بالقلق والتوتر، ينظر الرئيسان الجزائري والتونسي إلى الفصيل المعارض في تونس، ويشرح زناسني محمد الباحث الجزائري المتخصص في الدراسات الاستراتيجية والأمنية الأمر قائلا في حديثه لـ"المجلة" إن "الجزائر تخشى أن تستعين أطراف تونسية بعضها محسوب على كتلة المعارضة بدعم جهات خارجية، وقد سبق وأن حذر الرئيس تبون القوى التونسية من الانجرار إلى الضغوط التي تأتي من الخارج والتي تحمل الكثير من الخبث وتزعزع استقرار البلاد مثلما رأينا في دول أخرى".

رغم المواقف الحادة التي تصدر بين الحين والآخر، فإن العلاقة الرسمية بين الدولتين متماسكة تتأسس على المساواة مع عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول والاحترام المتبادل للسيادة

ومع اتساع رقعة المعارضين للنظام السياسي في تونس، يرى المحلل السياسي أن "الجزائر وقعت في مركب أمني صعب فهي مضطرة للحفاظ على علاقات جوار جيدة مع جارتها الشرقية، لاسيما وأنها تمثل حاليا حدود الجزائر الأكثر أمانا مقارنة ببقية جيرانها، وبالمقابل فهي تسعى للحفاظ على شعرة معاوية لضبط التوازن بين عدم التدخل في الشأن الداخلي التونسي وبين ضرورات التحالف الخارجي لمواجهة الضغوط المشتركة والتحديات الجماعية للبلدين مما قد يبدو للمعارضة التونسية وكأنها ممالأة من الجزائر للنظام الحاكم في تونس".

أ.ف.ب
يتصاعد الدخان من مدخنة قسم من مصنع معالجة الفوسفات الحكومي (مصنع الأسمدة) في مدينة قابس الجنوبية، تونس في 31 أكتوبر 2025

ورغم المواقف الحادة التي تصدر بين الحين والآخر، فإن العلاقة الرسمية بين الدولتين متماسكة تتأسس على المساواة مع عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول والاحترام المتبادل للسيادة وتبادل الزيارات رفيعة المستوى لضمان المصالح المشتركة. وتتميز أيضا الشراكة الاستراتيجية بين البلدين بعمق تاريخي واقتصادي صلب، إذ تزود الجزائر الشقيقة تونس بحوالي ملياري متر مكعب من الغاز سنويا وهو ما يغطى الحيز الأكبر من احتياجاتها الطاقوية.

وتكشف تقارير حديثة صدرت في فبراير/شباط 2025 أن واردات الكهرباء من الجزائر تغطي قرابة 14 في المئة من الاستهلاك الوطني، مع تأكيد أرقام أخرى على الدور الحيوي الذي تلعبه الجزائر في توفير الغاز الطبيعي الذي يولد حوالي 94 إلى 96 في المئة من الكهرباء المحلية مما يجعل التكامل الطاقوي بين البلدين استراتيجيا. كما تكشف الاتفاقيات الثنائية أن الجزائر تدفع سنويا حوالي 420 مليون دولار لتونس مقابل نقل الغاز الطبيعي عبر الأراضي التونسية إلى إيطاليا، وجميع هذه المعطيات تؤكد وبوضح أن العلاقة القائمة بين البلدين تقوم على تبادل المنافع من أجل تحقيق تكامل اقتصادي وصناعي.

font change