شباب جزائري يستخدم التواصل الاجتماعي ليجدد صلته بالزمن الجميل

أشياء الماضي من إرث الأجداد إلى "إنستاغرام" و"تيك توك"

REUTERS/Abdelaziz Boumzar
REUTERS/Abdelaziz Boumzar
نساء يرتدين أزياء تقليدية يعزفن الموسيقى ويغنين خلال مهرجان موسيقي في قرية آث بوعدة بمنطقة القبائل الجبلية شرق الجزائر العاصمة، 26 يوليو 2021

شباب جزائري يستخدم التواصل الاجتماعي ليجدد صلته بالزمن الجميل

في زوايا منسية من بيوت أجدادهم، يجد بعض الشباب الجزائري صورا قديمة بالأبيض والأسود، وأشرطة كاسيت لأغان لم تعد تذاع، وقطعا من الملابس والأقمشة التي كانت تستخدم في المناسبات. وما يبدأ كاكتشاف بسيط يتحول لدى كثير منهم إلى شغف بجمع هذه الأشياء القديمة وتوثيقها، ومشاركة قصصها مع آلاف المتابعين عبر "إنستاغرام" وغيره من منصات التواصل الاجتماعي.

بدأ عدد متزايد من الشباب الجزائريين، خلال السنوات الأخيرة، في إعادة النظر إلى "أشياء الماضي" بعين مختلفة: الأثاث الخشبي التقليدي، السجاد المصنوع يدويا، الأواني النحاسية، الملابس القديمة، الصور العائلية المتربة، الملصقات الإعلانية من سبعينات وثمانينات القرن الماضي، وحتى الأطباق التي كانت تحضر في المناسبات الكبيرة... كل هذه العناصر التي كانت حتى وقت قريب مرتبطة فقط بذاكرة الآباء والأجداد، أصبحت اليوم محط اهتمام جيل جديد يبحث فيها عن شيء أكبر من مجرد الحنين.

من الذاكرة العائلية إلى الشاشة الصغيرة

لم يكن هذا الاهتمام ليأخذ هذا الحجم لولا وسائل التواصل الاجتماعي. فمنصات مثل "إنستاغرام" و"تيك توك" حولت هذه الأشياء من قطع مخبأة في الخزائن والمخازن، إلى محتوى يشاهد ويتفاعل معه آلاف المستخدمين.

يتيح الإنترنت جمع شمل جماعة فرقتها الحياة، وينقل إلى الأجيال الشابة تاريخا حيا عاشه من سبقهم

اليوم، يمكن أن تجد حسابات كاملة مخصصة لعرض الأثاث الجزائري القديم، أو لتوثيق الملابس التقليدية بحسب المناطق، أو حتى لمشاركة صور أرشيفية لأحياء جزائرية كما كانت قبل عقود. بعض هذه الحسابات يبدأ كهواية شخصية بسيطة، لكنه سرعان ما يتحول إلى مشروع حقيقي، له متابعون، وأحيانا حتى شراكات مع علامات تجارية أو مؤسسات ثقافية. هذا الانتقال من "الخاص" إلى "العام" هو ما يميز الظاهرة الحالية. ومن أبرز الأمثلة على هذا التحول تجربة نوريا، مؤسسة موقع Algermiliana.com، الذي أطلقته سنة 2008 بفكرة بسيطة كما تقول: خلق ملجأ لذكرياتنا قبل أن تندثر. فهي المولودة في حي القصبة والتي نشأت في باب الوادي، في الجزائر العاصمة، تحمل أيضا ارتباطا عميقا بمدينة مليانة وثانويتها، حيث نشأت أجمل صداقاتها وعاشت أجمل سنوات دراستها. سرعان ما تحولت مبادرتها الفردية إلى مشروع جماعي: بدأ الناس يتوافدون على الموقع، يتعرفون فيه الى صورة صف دراسي، أو اسم، أو شارع، أو وجه ظنوا أنهم نسوه. وقد أثمر الموقع عن لقاءات مؤثرة فعلا، أبرزها لم شمل قدامى تلاميذ ثانوية الأولاد سنة 2012، تلته لقاءات قديمات ثانوية البنات سنة 2013.

 REUTERS/Abdelaziz Boumzar
نساء أمازيغيات يرتدين أزياء تقليدية يحتفلن برأس السنة الأمازيغية في قرية عمال بالجزائر، 12 يناير 2023

وترى نوريا أن الحنين ليس نظرة حزينة إلى الوراء، بل فعل توريث بامتياز: فالإنترنت، بحسبها، يتيح جمع شمل جماعة فرقتها الحياة، وينقل إلى الأجيال الشابة تاريخا حيا عاشه من سبقهم. إنها، في النهاية، ذاكرة جماعية ينسجها كل واحد منهم.

من بين أبرز الفاعلين في هذه الظاهرة، هناك جامعو التحف والأرشيفات الشخصية، الذين يقضون وقتا طويلا في البحث عن قطع نادرة. هؤلاء لا ينظرون إلى عملهم على أنه مجرد هواية عابرة، لكنهم يتحدثون عن شعور بالمسؤولية تجاه هذه القطع، وكأنهم يحمون جزءا من الذاكرة الجماعية من الضياع.

REUTERS/Zohra Bensemra
فاطمة حداد، امرأة أمازيغية من منطقة الشاوية تبلغ 80 عاما، على وجهها وشوم تقليدية، في منزلها في شلمة بجبال الأوراس في الجزائر، 9 أكتوبر 2015

من الوشم الأمازيغي إلى الكتاب

تأخذ هذه الرغبة في التوثيق أحيانا شكل مشروع أوسع بكثير من صفحة على "إنستاغرام". هذا ما تجسده تجربة ريم بوجمعة، الشريكة المؤسسة لدار "Taszuri" للنشر، التي انطلقت سنة 2017 بشكل شبه عفوي، بينما كانت تنهي أطروحة دكتوراه في الكيمياء. ففي زيارة لبيت العائلة في منطقة القبائل، لاحظت أن نساء مسنات ما زلن يحملن وشوما على وجوههن، إلى أن اكتشفت أن جدة جدتها كانت موشومة هي أيضا. تحول هذا الاكتشاف إلى ما يشبه الهوس: بحث في الكتب والصور القديمة، وأسئلة حول دلالة هذه الرموز.

من هذا البحث ولدت "Taszuri"، التي بدأت كعلامة حرفية صغيرة قبل أن تتوسع تدريجيا، وصولا إلى نشر كتابها الأول، "تمضي النساء، وتبقى الوشوم تحكي"، سنة 2022، ثم تحولها إلى دار نشر قائمة بذاتها.

الأولوية اليوم هي لاستغلال كون هذه الذاكرة لا تزال حية لتوثيقها ونقلها للأجيال الجديدة

وتقول ريم إن هناك إلحاحا حقيقيا وراء هذا المسعى: فالنساء اللواتي ما زلن يحملن هذه الوشوم ينتمين إلى آخر جيل عاش هذه الممارسة بشكل حي، إذ تحمل كل واحدة منهن تفاصيل لا يمكن العثور عليها في أي أرشيف. من هنا، ترى ريم أن الأولوية اليوم هي لاستغلال كون هذه الذاكرة لا تزال حية لتوثيقها ونقلها، لا لتجميدها في الماضي، إنما لإتاحتها للأجيال الجديدة كي تعيد التعامل معها بطريقتها الخاصة.

"تازوري" لريم بوجمعة

إلى جانب الأفراد، برزت في السنوات الأخيرة مشاريع ثقافية بأكملها تأخذ على عاتقها مهمة إعادة تقديم عناصر الحياة اليومية الجزائرية في العقود الماضية. الفنانون وصناع المحتوى لعبوا هم أيضا دورا مهما في هذا التحول، بدمج عناصر من الثقافة الشعبية القديمة في أعمالهم، بأسلوب خفيف وجذاب لا يقدم بطريقة تعليمية أو نوستالجية ثقيلة.

هل هو حنين فقط، أم بحث عن هوية؟

بالنسبة إلى الكثيرين ممن يشاركون في هذه الظاهرة، الإجابة ليست بسيطة. فالحنين وحده لا يكفي لتفسير لماذا يهتم شاب في العشرين من عمره بصورة عائلية لم يعشها. يبدو أن جزءا كبيرا من هذا الاهتمام مرتبط برغبة هذا الجيل في إيجاد هوية ثقافية يشعر أنها تخصه، في وقت أصبحت فيه الثقافة الشعبية المعاصرة متشابهة إلى حد كبير بين مختلف البلدان.

غير أن ريم تدخل نوعا من التحفظ على فكرة "الهوية المفقودة" نفسها. فأفريقيا الشمالية، كما تقول، تحمل تاريخا قديما ومعقدا، وهي لا ترى أن دورها إخبار الناس بما ينبغي أن تكون عليه هويتهم. ما تحاول فعله، بحسبها، هو "إتاحة جزء من تاريخ لم يرو كثيرا، تاركة لكل شخص أن يتعامل معه بطريقته الخاصة". وتلاحظ أن إعادة الاتصال هذه غالبا ما تتجسد في أفعال ملموسة: شخص يكتشف منشورا عن الوشوم فيتصل بجدته ليسألها عن التفاصيل. وترى ريم أن جوهر إعادة الاتصال يكمن هناك تحديدا: ليس بالضرورة في استرجاع هوية جاهزة، بل في اكتشاف تاريخ المرء وطرح الأسئلة.

ما يميز هذه الظاهرة أيضا هو أنها لا تفرض نفسها كموقف أيديولوجي أو ثقافي صارم. فهي تتجاوز الدعوة للعودة إلى الماضي أو التعبير عن رفض الحاضر، إلى أن تكون أقرب إلى مساحة تعبير جديدة، يختار فيها كل فرد ما يناسبه من عناصر الماضي، ويعيد دمجها في حياته اليومية بالطريقة التي يراها مناسبة.

REUTERS/Zohra Bensemra
نساء من منطقة القبائل في طريقهن لزيارة ضريح أزرو نثور على قمة جبل جرجرة في ولاية تيزي أوزو بالجزائر، 3 أغسطس 2018

هذا ما يفسر التنوع الكبير في أشكال هذا الاهتمام: فبينما يركز البعض على جمع القطع الأثرية والأثاث، يهتم آخرون بالتوثيق البصري وبناء مواقع تعيد لم شمل من فرقتهم الحياة، كما فعلت نوريا، بينما يذهب آخرون أبعد من ذلك، فيحولون هذا الاهتمام إلى مشروع نشر وتوثيق منهجي، كما فعلت ريم بوجمعة مع تجربة "Taszuri" حول الوشم الأمازيغي. ورغم اختلاف الوسائط، يبقى الخيط المشترك واحدا: إعادة اكتشاف تفاصيل يومية بسيطة، كانت جزءا من حياة الأجيال السابقة، وتحويلها إلى مادة حية تخاطب الحاضر.

تعكس الظاهرة حاجة حقيقية لدى جزء من الشباب لفهم من أين أتوا، وما الذي شكل حياة آبائهم وأجدادهم، قبل أن يقرروا كيف يريدون أن يبنوا هويتهم

في النهاية، قد لا تكون هذه الظاهرة مجرد "موضة" عابرة مرتبطة بمنصات التواصل الاجتماعي، إذ تعكس حاجة حقيقية لدى جزء من الشباب الجزائري لفهم من أين أتوا، وما الذي شكل حياة آبائهم وأجدادهم، قبل أن يقرروا كيف يريدون أن يبنوا هويتهم الخاصة. فسواء تعلق الأمر بصندوق قديم في بيت الجدة، أو بموقع للم شمل قدامى ثانوية، أو بكتاب يوثق وشما على وشك أن ينسى، أو بحساب "إنستاغرام" مخصص للتراث المحلي، فإن كل هذه المحاولات تشترك في هدف واحد: أن تجعل الذاكرة الجزائرية القديمة تتكلم من جديد، كجزء حي من حاضر يعاد بناؤه يوما بعد يوم.

font change