كيف أعادت الحرب تشكيل خريطة القوى في اليمن؟

أكثر من عقد من الحرب غيّر بنية القوة في اليمن، مع صعود قوى عسكرية وسياسية متعددة وتبدل التحالفات ومراكز القرار، لتتشكل خريطة نفوذ تتجاوز الانقسام التقليدي بين معسكرين

ديانا إستيفانيا روبيو
ديانا إستيفانيا روبيو

كيف أعادت الحرب تشكيل خريطة القوى في اليمن؟

على مدى أكثر من عقد من الحرب في اليمن، تعددت القوى السياسية والعسكرية وتداخلت مصالحها وتحالفاتها، لتصبح موازين النفوذ مرتبطة بشبكة متغيرة من القيادات والتشكيلات والمناطق. ففي حين يسيطر الحوثيون على صنعاء وأجزاء واسعة من شمال البلاد وغربها، تتوزع القوى المناهضة لهم بين الحكومة المعترف بها دوليا، التي يقودها مجلس القيادة الرئاسي، وتشكيلات عسكرية وسياسية متعددة نشأت خلال سنوات الحرب أو أعادت تنظيم نفسها في مراحلها المختلفة.

تكشف خريطة هذه القوى أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة بين الحكومة والحوثيين، إذ تحولت إلى عملية متواصلة لإعادة توزيع القوة. فقد نشأت تشكيلات عسكرية جديدة خارج البنية التقليدية للجيش، وأعيد تنظيم وحدات قائمة، وارتبط بعضها بقيادات محلية أو بمشاريع سياسية ومناطقية مختلفة. وفي عام 2026، دخلت هذه العملية مرحلة جديدة مع إعادة هيكلة القوات التابعة للحكومة بعد تفكك المجلس الانتقالي الجنوبي وإعادة إدماج عدد من تشكيلاته السابقة ضمن هياكل عسكرية وأمنية تابعة لمجلس القيادة الرئاسي.

يوضح هذا التحول أن الاصطفافات في اليمن ليست ثابتة في الضرورة. فقد شهدت الحرب تحالفات وتفاهمات مؤقتة بين خصوم الأمس، قبل أن تنقلب إلى مواجهات جديدة. وكان التحالف بين الحوثيين والرئيس السابق علي عبدالله صالح أبرز الأمثلة، إذ أتاح للطرفين توحيد مصالحهما ضد خصوم مشتركين قبل انهياره ومقتل صالح عام 2017. كما وثقت دراسات عن حزب الإصلاح محاولات لإعادة تشكيل العلاقة مع الحوثيين بعد سيطرتهم على صنعاء، بما في ذلك زيارة وفد من الحزب لزعيم الحوثيين في صعدة أواخر 2014.

لا تعني هذه السوابق وجود تحالفات دائمة أو تنسيق سري شامل، لكنها تكشف إحدى سمات الحرب اليمنية: استخدام التحالفات كأدوات مرحلية، والاستفادة من التنافس بين الخصوم، وإعادة ترتيب الأولويات مع تغير موازين القوة.

في المقابل، منح القرار الأكثر مركزية لدى الحوثيين قدرتهم على التحرك كقوة سياسية وعسكرية واحدة نسبيا، بينما بقي المعسكر المناهض لهم أكثر تعددا في مراكزه وقياداته. لكن هذا التعدد لا يعني في الضرورة ضعفا، فهو يعكس تعدد المصالح والهويات والمناطق داخل اليمن، ويمنح المعسكر المناهض للحوثيين قاعدة سياسية واجتماعية أوسع.

إن فهم ميزان القوى اليمني يتطلب النظر إلى ما وراء خطوط السيطرة على الأرض: من يقود كل قوة؟ من تتبع؟ كيف تشكلت؟ وما الذي يجمعها أو يفرقها عن القوى الأخرى؟ فهذه العلاقات المتحركة هي التي تفسر جانبا كبيرا من طبيعة الحرب الدائرة.

font change