هل تجعلنا الشاشات أكثر وحدة؟

أكثر اتصالا... أكثر انعزالا

AFP
AFP
طفل بعمر 14 عاما يستخدم الهاتف المحمول ويتصفح وسائل التواصل الاجتماعي

هل تجعلنا الشاشات أكثر وحدة؟

لم يعد السؤال اليوم ما إذا كانت التكنولوجيا قد غيرت طريقة تواصلنا، بل إلى أي مدى أعادت تشكيل معنى العلاقة الإنسانية نفسها. فجزء متزايد من حياتنا الاجتماعية انتقل من اللقاء المباشر إلى الهواتف ومنصات التواصل وتطبيقات المحادثة، وصولا إلى روبوتات الذكاء الاصطناعي. وبينما وفرت هذه الأدوات اتصالا دائما تقريبا، فإنها لم تضمن في الضرورة شعورا أعمق بالقرب والانتماء.

لم يحدث في تاريخ البشر أن تغيرت أنماط التواصل بهذه السرعة وعلى هذا النطاق. خلال سنوات قليلة فقط، انتقل جزء كبير من العلاقات اليومية من اللقاء المباشر إلى الشاشات: رسائل فورية، منصات تواصل، اجتماعات عبر الفيديو، محتوى خوارزمي، ثم أخيرا روبوتات دردشة قادرة على محاكاة الصداقة والاهتمام وحتى العلاقات العاطفية. هذه الثورة وعدت بعالم أكثر اتصالا، لكنها تثير اليوم سؤالا معاكسا: ماذا لو أن بعض أشكال الاتصال الرقمي تجعلنا، في الوقت نفسه، أكثر عزلة؟

هذا هو السؤال المركزي الذي يطرحه عالم الاجتماع فيدار هالدورسون، الأستاذ في جامعة آيسلندا، في كتابه الجديد عن أثر الاستخدام الرقمي للشاشات في اغتراب المجتمعات. ويذهب هالدورسون إلى أن انتقال الحياة الاجتماعية إلى الواجهات الرقمية لا يمثل مجرد تغيير تقني في الوسيلة التي نتواصل بها، بل يمثل تحولا أعمق في طبيعة التفاعل البشري نفسه. فالعلاقة لم تعد دائما بين إنسان وإنسان، وإنما باتت، في أحيان كثيرة، تمر عبر جهاز أو منصة أو خوارزمية تحدد ما نراه وكيف نستجيب له.

القرب الإنساني

لكن المشكلة، وفق هذا الطرح، ليست في غياب الاتصال من حيث العدد. فنحن نرسل رسائل أكثر، ونرى صور أصدقائنا باستمرار، ونتلقى إشعارات طوال اليوم، وقد نعرف أخبار أشخاص يعيشون على الجانب الآخر من العالم في اللحظة نفسها. ومع ذلك، فإن وفرة الاتصال لا تعني في الضرورة وفرة القرب الإنساني. هناك فارق بين أن تعرف ما يفعله شخص ما وأن تجلس أمامه، ترى وجهه، وتسمع صوته، وتلاحظ تردده وصمته وانفعالاته التي لا تختزل بسهولة في كلمات أو رموز.

يقدم علم الأعصاب جزءا من تفسير هذا الفارق. إذ تشير أبحاث تناولت الحوار الطبيعي بين شخصين، إلى أن التفاعل وجها لوجه قد يصاحبه نوع من التزامن بين نشاط دماغيهما، بما في ذلك مناطق ترتبط بالإدراك الاجتماعي وفهم نيات الآخرين، مثل المنطقة الصدغية الجدارية اليمنى. ويشار إلى هذه الظاهرة أحيانا باسم "التزامن الدماغي بين الأشخاص"، أي أن النشاط العصبي لدى طرفي الحوار يبدأ في إظهار أنماط متقاربة أثناء التفاعل.

لكن بعض الدراسات تشير إلى أن هذا التزامن لا يظهر بالمستوى نفسه عندما ينتقل التواصل عبر الشاشة. ولا يعني ذلك أن المحادثة الرقمية بلا قيمة أو أن الدماغ يتوقف عن التواصل، وإنما يشير إلى أن اللقاء المباشر يضع أمام الإنسان مجموعة أكثر ثراء من الإشارات الحسية والاجتماعية في الوقت نفسه. فنحن لا نستمع فقط إلى الكلمات، بل نقرأ الوجه والجسد والمسافة والاتجاه والنظر ونبرة الصوت والإيقاع، وهي منظومة واسعة تساعدنا في فهم الطرف الآخر.

يصف علماء اجتماع التواصل عبر الشاشات بأنه في كثير من الأحيان "فقير بالإشارات"، فعندما نكتب رسالة، على سبيل المثل، تختفي معظم الإشارات الدقيقة التي يحملها الوجه والجسد

أثناء اللقاء المباشر، قد تنشط كذلك أنظمة عصبية مرتبطة بمحاكاة أفعال الآخرين ومشاعرهم، بينما تحدث تغيرات فيزيولوجية وكيميائية مرتبطة بالترابط الاجتماعي والانتباه. ويستدعي هالدورسون هنا مفهوم عالم الاجتماع راندال كولينز عن "الطاقة العاطفية"، وهي الحالة التي تنشأ حين يشارك الناس اهتماما ومشاعر وحضورا متبادلا. هذه اللحظات لا تنقل المعلومات فقط، بل تعزز الإحساس بالثقة والانتماء والاتصال بالآخرين.

في المقابل، يصف علماء اجتماع التواصل عبر الشاشات بأنه في كثير من الأحيان "فقير بالإشارات"، فعندما نكتب رسالة، على سبيل المثل، تختفي معظم الإشارات الدقيقة التي يحملها الوجه والجسد. وحتى مكالمات الفيديو، رغم أنها أكثر ثراء من النصوص، لا تنقل دائما الإحساس الكامل بالمسافة والمكان والتواصل البصري الطبيعي. ولا تصل بالطبع إشارات أكثر دقة مثل الرائحة أو القرب الجسدي، وهي عناصر لعبت دورا طويلا في التواصل البشري.

أ.ف.ب
امرأة تنظر إلى هاتفها المحمول في أحد شوارع هافانا، كوبا، 23 فبراير 2026

وهذا النقص في الإشارات قد يفسر لماذا يسهل أحيانا إساءة فهم النبرة في الرسائل، أو لماذا تبدو بعض المناقشات الرقمية أكثر حدة من النقاش المباشر. عندما تختفي معظم علامات التردد أو الود أو المزاح، يصبح تفسير الكلمات أكثر اعتمادا على افتراضات المتلقي. وتربط دراسات حديثة بين الاستخدام المفرط أو الإدماني لمنصات التواصل وبين انخفاض بعض جوانب القدرة على تبني وجهة نظر الآخرين وفهم مشاعرهم، وإن كانت هذه العلاقات لا تثبت وحدها أن الشاشات هي السبب المباشر.

إحساس جمعي

لا يقتصر أثر التحول الرقمي على العلاقات القوية مع الأصدقاء والأسرة، بل يمتد إلى نوع آخر من التفاعلات التي قد تبدو غير مهمة: اللقاءات الصغيرة العابرة. عالم الاجتماع إرفينغ جوفمان اهتم بهذه التفاصيل اليومية التي تبدو بسيطة، مثل إلقاء التحية على جار، أو تبادل كلمات سريعة في طابور، أو الابتسام لشخص في المواصلات. هذه التفاعلات القصيرة تشكل ما يمكن وصفه بطقوس اجتماعية صغيرة تتكرر باستمرار.

قد لا نتذكر معظم هذه اللقاءات في نهاية اليوم، لكنها تساعد في بناء إحساس ضمني بأننا نعيش وسط مجتمع وليس وسط مجموعة من الغرباء المنفصلين. وربط علماء اجتماع آخرون، من بينهم إميل دوركايم، التجمع البشري بإحساس جمعي يتجاوز الفرد ويعطيه شعورا بأنه جزء من شيء أكبر. لا يحتاج الأمر دائما إلى حفلات ضخمة أو مناسبات كبرى، بل يمكن أن يتشكل هذا الشعور من سلسلة طويلة من التفاعلات العادية.

لكن الشاشات بدأت تشغل مساحة كانت مخصصة لهذه اللحظات. أصبح مشهد أشخاص يسيرون جنبا إلى جنب وكل منهم ينظر إلى هاتفه مألوفا، وكذلك ركاب وسائل النقل الذين يعزلهم عن بعضهم الهاتف وسماعات الأذن. المشكلة هنا ليست أن استخدام الهاتف في الشارع سلوك ضار في حد ذاته، وإنما أن تكراره قد يؤدي إلى اختفاء آلاف التفاعلات الصغيرة التي كانت تحدث تلقائيا بين الناس.

حول العالم، وثقت دراسات ظاهرة أشخاص يموتون وحدهم ولا يكتشف غيابهم إلا بعد أسابيع أو حتى أشهر.

ويرى هالدورسون أن هذه "السلاسل من طقوس التفاعل" كانت تمنح الحياة اليومية نوعا من الإيقاع والاستقرار. عندما نتعامل بانتظام مع البائع والجيران والزملاء والركاب والموظفين، تتكون لدينا خريطة اجتماعية ضمنية للمكان الذي نعيش فيه. وإذا ضعفت هذه السلاسل، فقد تصبح الحياة أكثر سيولة وأقل رسوخا، حتى لو ظل الفرد طوال اليوم على اتصال رقمي بعشرات الأشخاص.

ثم جاءت جائحة كورونا لتسرع بصورة هائلة انتقال هذه الأنشطة إلى الشاشات. التباعد الجسدي أصبح ضرورة صحية، وانتقلت الاجتماعات والدراسة والعبادة والتمارين الرياضية والتجمعات العائلية إلى منصات الفيديو. خلال تلك الفترة أثبتت التكنولوجيا فائدتها بوضوح، لأنها سمحت باستمرار كثير من الأنشطة التي كان يمكن أن تتوقف تماما. لكن الأزمة كرست أيضا فكرة أن اللقاء الرقمي يمكن أن يكون بديلا طبيعيا للاجتماع المادي.

وبعد انتهاء القيود الصحية، لم تختف كل هذه البدائل. ظل العمل عن بعد والاجتماعات الافتراضية والدروس الرقمية جزءا من الحياة اليومية، لأنها أسرع وأرخص وأكثر ملاءمة لكثير من الناس. وهنا يظهر السؤال الذي يطرحه الكتاب: هل تعاملنا مع وسائل تم تطويرها باعتبارها حلولا لظروف استثنائية كبدائل دائمة لأشكال من التفاعل كانت تؤدي وظائف اجتماعية لا نلاحظها بسهولة؟

تزداد أهمية هذا السؤال مع تنامي مشكلة الوحدة في مجتمعات عدة. يشير هالدورسون إلى دول مثل بريطانيا واليابان التي طورت سياسات ومناصب حكومية لمواجهة الوحدة والعزلة الاجتماعية. وحول العالم، وثقت دراسات ظاهرة أشخاص يموتون وحدهم ولا يكتشف غيابهم إلا بعد أسابيع أو حتى أشهر. ويستخدم بعض الباحثين مثل هذه الحالات بوصفها مؤشرا متطرفا الى التفكك الاجتماعي والعزلة.

مراسم رمزية

من المهم، مع ذلك، ألا يفهم ذلك على أن الهواتف هي التي تسببت مباشرة في هذه الوفيات أو في "وباء الوحدة". فالعزلة ظاهرة اجتماعية معقدة ترتبط بعوامل مثل تغير بنية الأسرة، وازدياد العيش الفردي، وانتقال السكان، وضغط العمل، والفقر، وتراجع بعض المؤسسات المحلية. إلا أن هالدورسون يرى أن تراجع التفاعل وجها لوجه يمكن أن يكون جزءا من البيئة الاجتماعية التي تسمح للوحدة بالاتساع.

وعلى الطرف الآخر من المشهد، ثمة ظاهرة جديدة تماما: رفقاء الذكاء الاصطناعي. تطبيقات وروبوتات دردشة أصبحت قادرة على الحديث لساعات، وتذكر تفاصيل عن المستخدم، وتقديم كلمات دعم، ومحاكاة الاهتمام. ووصل الأمر في بعض التقارير إلى أن أشخاصا وصفوا علاقتهم بروبوتات دردشة بأنها علاقات عاطفية، بل وأقام بعضهم مراسم رمزية تشبه الزواج مع شخصيات ذكاء اصطناعي.

تكمن جاذبية هذه الرفقة في أنها مختلفة جذريا عن العلاقة البشرية. الروبوت لا يتعب، ولا يحتاج إلى وقت لنفسه، ولا ينشغل عن المستخدم، ويمكن تصميم شخصيته بحيث تبدو داعمة ومتوافقة معه إلى درجة كبيرة. بالنسبة لشخص يعاني الوحدة أو صعوبة العلاقات، قد يكون هذا النوع من التواصل شديد الجاذبية. لكنه يطرح سؤالا عما إذا كانت الاستجابة المصممة لتناسبنا تعادل العلاقة مع إنسان مستقل له احتياجاته وحدوده.

ويقول هالدورسون إن هذه الأنظمة تفتقد ما يسميه "السحر الاجتماعي"، أي ذلك المزيج المعقد من الحضور الجسدي والإشارات الحسية والعاطفية الذي يولد الثقة والتعاطف بين الناس. فالعلاقة البشرية لا تعتمد فقط على سماع الكلام المناسب، بل على التعامل مع شخصية أخرى لا يمكن التحكم فيها بالكامل. الصداقة والحب والأسرة تتطلب تفاوضا، واختلافا، وتنازلا، وفهما للحدود، وأحيانا تحملا للإحباط.

التحول الرقمي منح البشر قدرا غير مسبوق من الكفاءة والراحة، إذ يمكننا التحدث والعمل والتعلم والتسوق دون مغادرة المنزل. لكن المجتمعات قد تدفع ثمنا اجتماعيا إذا تعاملت مع الكفاءة بوصفها القيمة الوحيدة التي يجب تحسينها

ومن هذا المنظور، هناك خيط مشترك بين شخص يموت وحيدا دون أن يلاحظ أحد غيابه وشخص يستبدل العلاقات البشرية بعلاقة مع خوارزمية. بالطبع، الحالتان مختلفتان جدا في ظروفهما وأسبابهما، لكنهما في تحليله تمثلان صورتين متطرفتين لمشكلة واحدة: تآكل بعض أشكال الاتصال الإنساني المباشر التي كانت تربط الفرد بالآخرين وبالمجتمع.

لا يقتصر ما نخسره على فرصة الحديث أو قضاء الوقت مع الناس، فالتفاعل المتكرر يعلم الإنسان ما يمكن وصفه بـ"الحاسة السادسة" الاجتماعية، وهي القدرة على قراءة الغرفة، والشعور بالتوتر قبل أن يتحول إلى خلاف، وفهم أن شخصا ما منزعج رغم أنه يقول إنه بخير، وتعديل الكلام بناء على استجابة المستمع. هذه المهارات لا تتعلم من القواعد وحدها، وإنما عبر آلاف المواقف الصغيرة.

وهنا قد تتكون حلقة مفرغة، فإذا قل التفاعل المباشر، يحصل الفرد على فرص أقل لممارسة هذه المهارات. وإذا أصبحت اللقاءات الواقعية أكثر صعوبة أو توترا نتيجة ذلك، فقد يبدو التواصل عبر الشاشة أكثر سهولة وأمانا، فيزداد الاعتماد عليه، فتتراجع الممارسة الاجتماعية أكثر. ولا يعني ذلك أن هذه الحلقة تحدث لكل مستخدم، لكنها إحدى الآليات المحتملة التي يحذر منها الباحثون.

إلا أن تصوير المسألة على أنها مواجهة بين التكنولوجيا والإنسان سيكون تبسيطا مضللا، فالشاشات نفسها تسمح لأسر تعيش في بلدان مختلفة بالبقاء على اتصال، وتمكن المرضى وكبار السن من الحفاظ على علاقاتهم، وتتيح لأشخاص لديهم اهتمامات نادرة العثور على مجتمعات لم يكن من الممكن الوصول إليها سابقا. كما يمكن روبوتات الذكاء الاصطناعي أن تقدم دعما أو شعورا بالمرافقة في ظروف معينة.

لذلك، ربما تكون المسألة الحاسمة هي ما الذي يحل محله الاستخدام الرقمي. إذا كانت مكالمة الفيديو تسمح لشخص برؤية أسرته التي تبعد آلاف الكيلومترات، فهي توسع الاتصال الاجتماعي. أما إذا كان الهاتف يمنع شخصين يجلسان الى الطاولة نفسها من الحديث، فالدور مختلف. وإذا ساعد روبوت دردشة شخصا في تجاوز لحظة وحدة، فهذا شيء، أما إذا أصبح بديلا دائما من التعامل مع البشر، فالسؤال يصبح أكثر تعقيدا.

AFP
مراهقة تستخدم هاتفها المحمول

فالتحول الرقمي منح البشر قدرا غير مسبوق من الكفاءة والراحة، إذ يمكننا التحدث والعمل والتعلم والتسوق دون مغادرة المنزل. لكن المجتمعات قد تدفع ثمنا اجتماعيا إذا تعاملت مع الكفاءة بوصفها القيمة الوحيدة التي يجب تحسينها. فبعض الأشياء التي تجعل العلاقات الإنسانية مهمة ليست فعالة أصلا ومن ضمنها الحديث الذي يستغرق وقتا، والانتظار، والاختلاف، والزيارات العفوية، والمواقف الصغيرة التي لا تحقق هدفا إنتاجيا واضحا.

لا تبدو العودة إلى عالم بلا شاشات ممكنة ولا مرغوبة، فالتحدي الحقيقي هو منع العالم الرقمي من ابتلاع المساحات التي يتعلم فيها البشر كيف يكونون مع بشر آخرين. فالتواصل الإنساني ليس مجرد نقل للمعلومات، وإنما عملية جسدية وعاطفية واجتماعية معقدة تبني عبر الزمن الثقة والتعاطف والإحساس بالانتماء.

وقد يكون الاختبار الحقيقي للتكنولوجيا في السنوات المقبلة ليس قدرتها على جعلنا متصلين طوال الوقت، بل قدرتنا نحن على استخدامها دون أن تجعل الاتصال نفسه بديلا من القرب. ففي عالم يستطيع فيه الإنسان أن يرسل رسالة إلى أي شخص تقريبا في ثوان، ربما يصبح الحفاظ على القدرة على الجلوس مع شخص آخر، والنظر إليه والاستماع إليه والانتباه له، مهارة اجتماعية أكثر أهمية من أي وقت مضى.

font change