يمثل الانسحاب العسكري الأميركي من العراق بعد أكثر من عقدين تحولا جوهريا في ميزان القوى الأمنية في البلاد، إذ يترك بغداد أمام تحديات أثبتت صعوبة معالجتها حتى في ظل الدعم الأميركي. وقد أُعيد نشر القوات الأميركية المتبقية في الأردن، حيث ستواصل عملياتها لمكافحة تنظيم "داعش"، مع احتفاظها بالقدرة على التصدي للتهديدات داخل العراق.
ووفقا لمشروع "تكاليف الحرب" التابع لجامعة براون، تقدر التكاليف الأميركية المرتبطة بحربي العراق وسوريا بنحو 2.89 تريليون دولار في عام 2050، بما يشمل الإنفاق المستقبلي المتوقع على الرعاية الطبية والخدمات المرتبطة بالإعاقة للمحاربين القدامى. كما يوثق المشروع مقتل 4,599 جنديا أميركيا، ويقدر عدد المدنيين العراقيين الذين قتلوا بين مارس/آذار 2003 ومارس/آذار 2023 بما يتراوح بين 187 ألفا و210 آلاف شخص.
ويتمثل التحدي الأكثر إلحاحا أمام بغداد في مستقبل الميليشيات المدعومة من إيران، إذ أصبحت "قوات الحشد الشعبي"، التي أُنشئت أصلا لمحاربة تنظيم "داعش"، جزءا راسخا في الهياكل السياسية والأمنية العراقية. وتشير صحيفة "واشنطن بوست" إلى أن الفصائل المنضوية تحت مظلة "الحشد" تضم أكثر من 200 ألف مقاتل، وتعد رسميا جزءا من المؤسسة العسكرية العراقية، في حين تحافظ بعض الفصائل على علاقات وثيقة مع إيران، وطورت قدرات عسكرية تشمل الطائرات المسيرة والصواريخ.
ومن ثم، تكشف محاولة الحكومة إخضاع أسلحة هذه الجماعات لسيطرة الدولة عن معضلة جوهرية. فبغداد تسعى إلى ترسيخ احتكار الدولة لاستخدام القوة، في وقت تواجه فيه جماعات مسلحة تجمع بين القدرات العسكرية والنفوذ السياسي. وقاومت فصائل عدة نزع سلاحها، فيما سعت أخرى إلى التفاوض في شأن دمجها في النظام السياسي. ونتيجة لذلك، تدرس الحكومة تمديد الجدول الزمني لعملية نزع السلاح.
تظل إيران عنصرا محوريا في هذه المعادلة، فقد عملت طهران لسنوات على بناء علاقات مع جماعات سياسية ومسلحة عراقية، فيما ينهي الانسحاب الأميركي وجودا عسكريا خارجيا رئيسا كان يحد من بعض أنشطة تلك الجماعات. وفي الوقت نفسه، لا يبدو النفوذ الإيراني مطلقا، إذ تسعى بعض فصائل الميليشيات العراقية إلى تحقيق مصالحها السياسية الخاصة، والتحرك بصورة مستقلة، فضلا عن أن قطاعات من المجتمع العراقي لا تزال تنظر بحذر إلى التدخلات الخارجية.
وعليه، فإن المرحلة التي تلي الانسحاب ستعتمد بشكل كبير بالنسبة الى العراق على قدرة بغداد على بسط سلطة الدولة في مواجهة الجماعات المسلحة والسيطرة على المشهد الأمني. وعلى الرغم من أن الانسحاب الأميركي ينقل المسؤولية الأساس عن أمن العراق إلى الحكومة العراقية، فإنه لا ينهي التنافس الكامن بين سلطة الدولة وقوة الميليشيات والنفوذ الإيراني.
