تغلغل ونفوذ إيران في النظام العراقي... من النفوذ الخارجي إلى السيطرة الداخلية

سلاحٌ موازٍ

أ.ف.ب
أ.ف.ب
أحد أفراد قوات "الحشد الشعبي" يقوم بدوريات على طول الحدود العراقية السورية في القائم، غرب العراق، في 23 يناير 2026

تغلغل ونفوذ إيران في النظام العراقي... من النفوذ الخارجي إلى السيطرة الداخلية

مع استخدام ميليشيات إيرانية مسلحة التراب والفضاء العراقيين للهجوم على الكويت والسعودية والأردن وغيرها، أصبح واضحا أن طهران تريد السيطرة على القرار في العراق المجاور.

مساعي رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي لتأمين سيادة العراق واستقلالية قراره وحصر السلاح بيد مؤسسة البلاد العسكرية قوبلت بتحد صريح من التنظيمات الموالية لإيران اضطرّته للتراجع والقبول بتأجيل الموعد والمحاولة من جديد إلى العام المقبل.

ويقابل ذلك قلق متزايد داخل العراق حول مدى هيمنة المؤسسات الإيرانية على البلاد أمنيا واقتصاديا واجتماعيا. وقد وصل هذا التغلغل مرحلة بالغة الخطورة مع انسحاب القوات الأميركية التي كانت تلعب دور الحماية.

منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003، شهد العراق تحولاً نوعياً في موازين القوى الإقليمية والدولية. لكن التطور الأكثر أهمية لم يكن الوجود الأميركي أو أي قوة خارجية مرئية بل كان تسللاً منهجياً وثابتاً من قبل إيران، التي استثمرت بصبر استراتيجي في بناء شبكة نفوذ متشابكة امتدت عبر النظام العراقي بأكمله.

اليوم، النظام السياسي العراقي أصبح عميق الاختلاط مع إيران، مع أن أقوى الفاعلين السياسيين والشبكات الأمنية والمؤسسات مرتبطة بشكل عميق بطهران.

الآليات الأساسية للنفوذ الإيراني

اعتمدت إيران على نهج متعدد الأوجه لتحقيق أهدافها في العراق. إيران تمارس نفوذاً سياسياً عبر علاقات وثيقة مع عدة منظمات شيعية عراقية، وتستخدم "الحرس الثوري" الإيراني و"فيلق القدس" لتوفير التدريب والأسلحة والمعدات لمختلف المجموعات المسلحة. كما تمارس نفوذاً اقتصادياً ودينيا من خلال برامج متنوعة.

بينما يُروج الخطاب الرسمي إلى أن "الحشد الشعبي" ولد من فتوى دينية للمرجعية الشيعية ضد الإرهاب عام 2014، فإن الواقع أكثر تعقيداً

الاستراتيجية الإيرانية كانت في مسارين: في الوقت نفسه الذي دعمت فيه الأحزاب الموالية لها للوصول للسلطة الحكومية، استمرت في تمويل ميليشيات مسلحة تعمل خارج التسلسل الحكومي. وهو ما أعطاها نفوذاً ضاغطاً على جميع الجهات.

"الحشد الشعبي"... القوة الموازية للدولة

ربما لا يوجد تجسيد أوضح لنفوذ إيران من ظاهرة "الحشد الشعبي"، وبينما يُروج الخطاب الرسمي إلى أن "الحشد" ولد من فتوى دينية للمرجعية الشيعية ضد الإرهاب عام 2014، فإن الواقع أكثر تعقيداً. فقد كان هناك نقاش منذ نشوء "الحشد الشعبي" في 2014 حول مدى سيطرة إيران عليه، لكن لم يكن هناك شك حقيقي.

رويترز
أحد عناصر قوات "الحشد الشعبي" العراقي خلال عرض عسكري بمناسبة الذكرى الثامنة لهزيمة "داعش"، في بغداد، العراق، 10 ديسمبر 2025

القيادة تكشف الحقيقة: "الحشد" برئاسة جمال جعفر محمد (أبو مهدي المهندس) الذي يُوصف بأنه الرجل الأمين لقاسم سليماني رئيس "فيلق القدس" الذي قتل بغارة أميركية بداية 2020. العلاقة بين المهندس وسليماني لم تكن وليدة الصدفة، فقد تعرّف الرجلان على بعضهما منذ أكثر من عشرين سنة.

تم تزويد "الحشد" بكل شيء من الدبابات والمركبات القتالية إلى قاذفات الصواريخ وأعداد كبيرة من الأسلحة الخفيفة. الأهم: هذه المنظمة لم تبقَ ميليشيا منفصلة، بل تحولت إلى جسم متغلغل في أعماق الدولة.

إيران مرتبطة بأكثر من اثني عشر حزباً سياسياً عراقياً، وتمول وتدرب مجموعات شبه عسكرية متحالفة مع هذه الأحزاب

في مشهد معبّر عن سوء الحال، عام 2021، قادت قافلة من مقاتلي "الحشد" عرضاً للقوة في المنطقة الخضراء (مركز الحياة السياسية العراقية)، وأجبرت القادة المنتخبين على الإفراج عن قاسم مسلح، قائد "الحشد" القريب من إيران.

الاختراق المؤسسي... نقطة التحول الحقيقية

لكن النقطة الأكثر خطورة ليست في الميليشيات نفسها، بل في ما وراءها. الإنجاز الأكثر ديمومة لإيران في العراق ليس شبكة ميليشياتها، بل اختراقها لمؤسسات الأمن العراقية. وهذا تحول استراتيجي مهم، فعندما اخترقت إيران المؤسسات الحكومية الرسمية، نقلت نفوذها من منظمات يمكن للولايات المتحدة فرض عقوبات عليها أو للحكومة العراقية حلّها، إلى مؤسسات حكومية تمتلك السلطة القانونية والموارد الحكومية والشرعية الدولية.

ومن الأمثلة الواضحة تعيين رئيس الوزراء علي الزيدي عام 2026 للفريق الركن زيد حوشي الموسوي كمسؤول أمني في جهاز مكافحة الإرهاب ثم كمدير له، حيث امتد كشبكة عائلية مرتبطة بخومينية من جهاز الاستخبارات العسكرية إلى مؤسسة مكافحة الإرهاب الأولى في العراق. كما أبدت الولايات المتحدة قلقاً من الهيمنة الإيرانية على المجلس القضائي الأعلى وعلى رئيسه فائق زيدان.

الهيمنة الاقتصادية والتجارية

النفوذ الإيراني لم يقتصر على السياسة والأمن. فعلى الجانب الاقتصادي والتجاري، حولت إيران العراق إلى سوق ضخمة للمنتجات الإيرانية بغض النظر عن جودتها، وبعض المنتجات يتم تصديرها للعراق ولا تباع في الأسواق الداخلية بسبب رداءة المنتج.

رويترز
أعضاء من "كتائب حزب الله العراقية" يحملون الأعلام خلال جنازة عناصرهم الذين قُتلوا في غارة جوية استهدفت مقر "الحشد الشعبي" قرب حي القائم غربي العراق على الحدود السورية، العراق، 2 مارس 2026

الأهم أن العقود الاقتصادية تدفع إيران إلى إعطاء الأولوية القصوى لزيادة صادراتها غير النفطية للبلدان المجاورة والحليفة مثل العراق. العراق يُعتبر أكبر سوق لإيران للصادرات غير النفطية، بل إن شركات إيرانية رئيسة مرتبطة بـ"الحرس الثوري" أصبحت جزءاً من النسيج الاقتصادي العراقي.

السيطرة السياسية والحزبية

إيران مرتبطة بأكثر من اثني عشر حزباً سياسياً عراقياً، وتمول وتدرب مجموعات شبه عسكرية متحالفة مع هذه الأحزاب. وتشمل الأحزاب الرئيسة المتحالفة مع طهران "حزب الدعوة الإسلامية" و"المجلس الأعلى الإسلامي العراقي" و "منظمة بدر".

استند دعاة الهيمنة الإيرانية إلى حجج مختلفة. حيث كانت الحجة الأساسية، حسب قول علي خامنئي "المرشد" السابق، أن ميليشيات "الحشد" ستلعب دوراً حاسماً في الحفاظ على أمن العراق في المستقبل

المثير للقلق أن الكثير من القوى السياسية التي تشكل الحكومة العراقية الجديدة مرتبطة بشكل مباشر بشبكة النفوذ الإيراني. لم تعد الميليشيات تعمل خارج النظام، بل أصبحت مدمجة داخل النظام.

الاحتجاجات والمعارضة المحلية

لم يكن تقبل الشعب العراقي لهذا الوضع سلبياً. فهناك احتجاجات معادية للحكومة بدأت عام 2019، عندما احتج المتظاهرون على سيطرة إيران على النظام الفاسد وأدانوا القمع من قبل الميليشيات الموالية لإيران.

ما لا يدركه البعض أنه حتى ضمن المكون الشيعي نفسه، هناك معارضة قوية. فقد أظهر استطلاع رأي أنه حتى الذين شاركوا  من الشيعة العراقيين بالاستبيان، عبّروا عن رأي سلبي (43 في المئة) مقابل 18 في المئة عبروا عن رأي إيجابي، بشأن "علاقات إيران مع القادة السياسيين العراقيين".

وقد رفع المتظاهرون شعارات بالفارسية والعربية معبرين عن رفضهم لخضوع بلادهم لإيران. واعتبر البعض أن الغضب تجاه النفوذ الإيراني في المناطق الشيعية كان أكثر لفتاً للانتباه من الرفض العام للتدخل الأجنبي.

الأصوات المعارضة... التفاصيل والشهادات

كان المعارضون العراقيون حادّين في انتقادهم. وقد أكد كاتب عراقي أن "العلاج الحقيقي للعراق هو قطع كل التدخل الإيراني، وإلا فستزيد الخسائر الاقتصادية والسياسية والاجتماعية للعراقيين".

هناك من ربطوا الهيمنة الإيرانية مباشرة بالفساد. ويرى المتظاهرون أنه بعد 16 سنة من حكم المسؤولين والأحزاب المتحالفة مع إيران، غرق البلد في الفساد، ليصبح من أكثر الدول فسادا في العالم حسب منظمات الشفافية الدولية.

رويترز
تسيطر قوات "الحشد الشعبي" العراقية على أحد مداخل المنطقة الخضراء في بغداد، العراق، 26 مايو 2021

البعض اتخذ موقفاً أكثر راديكالية. حيث اتهم نشطاء عراقيون الأحزاب المدعومة من إيران بتقديم مساعدات مباشرة وغير مباشرة لدعم النظام السوري.

تبريرات الآراء الداعمة

من جانب آخر، استند دعاة الهيمنة الإيرانية إلى حجج مختلفة. كانت الحجة الأساسية، حسب قول علي خامنئي "المرشد" السابق، أن ميليشيات "الحشد" ستلعب دوراً حاسماً في الحفاظ على أمن العراق في المستقبل.

النفوذ الإيراني في العراق لم يكن مجرد تدخل حكومي عابر. بل هو نظام متكامل من التبعية الاقتصادية والسياسية والأمنية

هناك من رأى في النفوذ الإيراني حماية للمكون الشيعي. الحجة كانت أنه بعد الحرب على الإرهاب و"داعش" كان توفير إيران للدعم العسكري واللوجستي ضرورياً لحماية المناطق الشيعية من الوحشية السنية.

حجم النفوذ المتزايد... الأرقام والمؤشرات

كم يبلغ حجم هذا النفوذ فعلياً؟ المؤشرات متعددة:

السيطرة السياسية: كانت إيران الفائز الحقيقي في الانتخابات البرلمانية عام 2018، حيث ظهرت الأحزاب المرتبطة بقوات "الحشد"، ومعظمها له علاقات مع طهران، كصانعي ملوك.

الضغط العسكري: لم يكن بإمكان أي حكومة عراقية تقليل نفوذ "الحشد". فعندما حاول رئيس الوزراء إصدار إنذار ضد فصائل مدعومة من إيران طالب "الحشد" بالتكامل مع القوات الأمنية، ولم يظهر الكثير من قادة الميليشيات الشيعية نية بتنفيذ هذا الأمر.

المؤسسات المخترقة: كان جهاز الاستخبارات العسكرية العراقي "كثعلب يحرس الدجاج"، وهو مثل عراقي يشير إلى التناقض.

الخطر المحتمل... نظام متكامل من التبعية

النفوذ الإيراني في العراق لم يكن مجرد تدخل حكومي عابر. بل هو نظام متكامل من التبعية الاقتصادية والسياسية والأمنية. وبينما تتقدم قوى مرتبطة بإيران نحو مزيد من المواقع داخل جهاز الأمن العراقي، تنقل طهران نفوذها من منظمات يمكن حلّها إلى مؤسسات دولة بسلطة قانونية وموارد وشرعية دولية.

الحقيقة الواقعية لعراقيين كثر، أنه بعد أكثر من عقدين من سقوط الدولة العراقية القديمة، لم ينجحوا في بناء دولة جديدة قوية، بل بنوا مجموعة من المؤسسات المخترقة التي تخدم مصالح إيران أولاً والعراقيين ثانياً. ولا يبدو أن هناك طريقا سهلا للخروج من هذا الواقع.

font change

مقالات ذات صلة