كيف انتقلت لغة أهل السياسة من قاموس العلم إلى شبكات التواصل؟

من خطاب الحقيقة إلى منطق الانتشار

 Michael M. Santiago / GETTY IMAGES NORTH AMERICA / Getty Images via AFP
Michael M. Santiago / GETTY IMAGES NORTH AMERICA / Getty Images via AFP
مرشح الحزب الديمقراطي لمنصب عمدة نيويورك زهران ممداني يظهر على شاشة هاتف أحد مؤيديه أثناء إلقائه كلمة في تجمع ليلة الانتخابات في بروكلين، 4 نوفمبر 2025

كيف انتقلت لغة أهل السياسة من قاموس العلم إلى شبكات التواصل؟

حتى وقت قريب، كانت استعارات رجال السياسة تتلون بحسب انتماءاتهم. فإذا كانوا ليبيراليين، استقوا استعاراتهم من العلوم الرياضية وعلم الحركة، فأكثروا من ألفاظ كالقانون والمساواة والوحدة والنسبة والسبب والقوة والتسارع واللانهائية. أما المحافظون، فكانوا يأخذون استعاراتهم من علوم الحياة، فيتحدثون عن الكلية والعضوية والسلالة والأصل والدم والعرق. وكان ذوو الميول الشيوعية يفضلون استعارات الديناميكا والكيمياء، فيتحدثون عن الكتلة وقوى الإنتاج، ومحرك التاريخ، وعلائق القوة، والطاقة، والأجهزة الأيديولوجية والانعكاس.

لا يعني هذا، في طبيعة الحال، أن جدرانا تفصل فئة عن أخرى، أو لغة عن أخرى. ولعل هذا ما سمح، في وقت ما، للأنظمة الفاشية أن تستقي استعاراتها من العلوم جميعها.

ما يلفت الانتباه، مهما اختلفت الألوان السياسية، هو أن الاستعارات كانت تستمد، في الغالب، من العلوم. وربما كان السياسي يرمي من وراء ذلك إلى أن يتحدث لا بلغة من "يفترض" أو "يعتقد"، بل بلغة من "يعرف". كان يستعير من العلم شيئا من سلطته، فيضفي على خطابه مظهر المعرفة، وعلى قوله مسحة من الحقيقة.

لكن هل كان العلم دائما هو مصدر تلك السلطة؟ وهل كانت العلوم هي التي زودت السياسة مفرداتها، أم أن الأمر كان، في بعض الأحيان، على العكس من ذلك؟

بين الهندسة والسياسة

يمكن أن نذهب إلى هذا الاتجاه الأخير إذا تذكرنا ما بينته دراسات جان بيار فرنان من علاقة وثيقة بين نشأة علم الهندسة والمنطق، وبين الحياة السياسية في المدينة اليونانية. فكثير من ألفاظ المنطق والهندسة، من قضية وحكم ومحاكمة وحجة وعلة ومساواة وتناظر وتناسب، تحمل آثارا من الحياة السياسية ومن أنماط النقاش والمداولة فيها. ليس العلم، إذن، دائما هو الذي يمد السياسة باستعاراته، فقد تكون السياسة نفسها أحد المنابع الخفية لبعض المفهومات التي ستجد طريقها إلى العلوم.

تغير استعارات السياسة يمكن أن يكشف لنا شيئا من تغير هذا النظام نفسه

ومع ذلك، فقد ظل العلم، طوال قرون، يحتل موقعا متميزا في تحديد ما يقبل بوصفه حقيقة. وكان ظهور علم ما كثيرا ما يستقطب المعارف الأخرى ويعيد صوغها على صورته. يكفي أن نتذكر ما أحدثه ظهور الفيزياء، مع غاليليو، من آثار في تنظيم المعرفة، إذ أصبح الفلك "فيزياء سماوية"، بل إن الدراسات الاجتماعية نفسها سميت، قبل أن تستقر تسمية "علم الاجتماع"، "فيزياء اجتماعية"، وانقسمت، على غرار الفيزياء، إلى ديناميكا واستاتيكا. ولما ازدهرت علوم الحياة، غدا كل شيء حياة وتطورا، فأصبح المجتمع حياة، واللغة حياة، والتاريخ حياة.

كان العلم، في تلك المرحلة، أكثر من مجال من مجالات المعرفة، فهو مصادر المشروعية. ولذلك عنت استعارة لغته من طرف رجل السياسة، في جانب منها، استعارة شيء من هذه المشروعية. لكن هل لا يزال العلم يتمتع بالمكانة نفسها في المجتمع المعاصر؟ لعل السؤال ينبغي أن يصاغ بطريقة أخرى: ما الذي يمنح الخطاب السياسي اليوم سلطته؟

 OFF / AFP
الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو في باريس خلال سبعينات القرن العشرين

إذا سلمنا مع ميشال فوكو بأن لكل مجتمع نظاما معينا للحقيقة، وسياسة للمعرفة، وأنواعا من الخطابات يقبلها ويتيح تداولها والعمل بها بوصفها "خطابات الحقيقة"، وآليات ومنابر تسمح بتعيين ما للحقيقة وما ليس لها، وطرقا معينة للتوصل إليها، ووضعية خاصة لأولئك الذين يوكل إليهم إصدار قول يعمل كحقيقة، فإن تغير استعارات السياسة يمكن أن يكشف لنا شيئا من تغير هذا النظام نفسه.

غزو ألفاظ كرة القدم

فلغة السياسة المعاصرة لم تعد تستقي استعاراتها من العلوم وحدها. ثمة مجال آخر أخذ يزاحم العلم، بل يكتسب سلطة رمزية واسعة، أعني الرياضة، وخصوصا كرة القدم. لقد غزت ألفاظ هذه اللعبة ميدان السياسة واكتسحته، ويكفي، دليلا على ذلك، أن نتذكر ألفاظا كالمرمى، والهدف، والميركاتو، والفريق، والإصابات، والتسلل، والهزيمة، والهجوم والهجوم المضاد، والوقت الضائع، واللاعب الاحتياطي، وتغيير التشكيلة، والفوز بركلات الترجيح، والديربي، والهزيمة الساحقة.

لا تدعي هذه الاستعارات الرياضية، في طبيعة الحال، "الحقيقة" ولا "البرهان"، إنها تستدعي شيئا آخر، تستدعي المنافسة، والأداء، والفرجة، والحسم. هنا تقبل السياسة بمنطق مختلف عن منطق الحقيقة: منطق اللعبة، والمهارة، والإنجاز، والانتصار الظرفي. فلم يعد السياسي، في هذه اللغة، هو من يثبت أنه على حق بقدر ما هو من يفوز بالمباراة و"ينتصر".

 Benoit Tessier / POOL / AFP
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يسدد ركلة جزاء خلال مباراة خيرية لكرة القدم لمصلحة الأطفال في المستشفيات، في ملعب برنار جيرو بمدينة بليزير قرب باريس، 24 أبريل 2024

وهكذا تنتقل الاستعارات السياسية من استعارة الحقيقة إلى استعارة المنافسة. غير أن التحول الأهم لهذه الاستعارات ربما سيجيء أساسا مع صعود وسائل التواصل الاجتماعي. فإذا كانت الرياضة أدخلت إلى اللغة السياسية منطق المباراة، فإن الشبكات الاجتماعية أدخلت إليها منطق الانتشار.

لغة التواصل

وها هي لغة الإعلام والتواصل الرقمي تكتسح المجال السياسي، فتغدو مزودا رئيسا باستعاراته. فلوصف قضية تسيطر على الاهتمام العام، أو سياسي يسعى إلى تصدر المشهد، هناك "الترند" و"صنع الترند"، وللدلالة على حملة أو شعار سياسي هناك "الهاشتاغ"، ولوصف الشعبية أو قياس التفاعل هناك "اللايك" و"المتابعون"، وللدلالة على ضعف الإدراك والبعد عن المرمى، هناك عبارة "خارج التغطية"، ولوصف سرعة انتشار خطاب أو فضيحة هناك صفة "الفيروسي"، وللدلالة على الإقصاء أو قطع الحوار وإيقافه هناك "البلوك" أو "الحظر"، ولوصف آليات خفية تتحكم في ما يظهر لنا وما يختفي هناك "الخوارزمية"، وللدلالة على انغلاق الجماعات داخل عوالم لا يصلها إلا ما يوافقها هناك "الفقاعة" أو "غرفة الصدى"، ولوصف تدفق الأخبار والمعلومات هناك "الفيد"، وللدلالة على حضور سياسي بلا وسيط هناك "البث المباشر" و"اللايف"، ولوصف خطاب سريع الزوال هناك "الستوري".

إذا كانت الرياضة أدخلت إلى اللغة السياسية منطق المباراة، فإن الشبكات الاجتماعية أدخلت إليها منطق الانتشار

بل إن هناك استعارات مركبة تجمع بين اللغة السياسية القديمة ولغة الشبكات، وهي تتجلى في عبارات مثل: "معركة الهاشتاغات"، و"حرب المنصات"، و"القصف الإعلامي والرقمي"، و"الخوارزمية تعاقبك". ما يهم هنا ليس كثرة هذه الألفاظ، بل ما تكشف عنه من تحول في وظيفة الاستعارة، فالاستعارة العلمية كانت تستعير من العلم سلطة المعرفة، والاستعارة الرياضية تستعير من اللعبة منطق المنافسة والحسم، أما الاستعارة الرقمية فتستعير من الشبكة سلطة أخرى، إنها سلطة الظهور والانتشار والتفاعل.

Christopher Furlong/Pool via REUTERS
زعيم حزب العمال آندي بورنهام ينشر على وسائل التواصل الاجتماعي عقب زيارة مؤسسة خيرية للمشردين في فيكتوريا بلندن

وهنا يبدو أن شيئا أساسيا قد تغير. لم يعد السؤال الذي يواجه الخطاب السياسي: هل هذا القول يلبس لباس "الحقيقة"؟ هل هو صحيح؟ ولا حتى: هل هو مقنع؟ إنما، هل يمكن أن ينتشر؟ هل يستقطب الانتباه؟ هل يولد التفاعل؟ هل سيتحول إلى "ترند"؟

وهذا ما يجعل توظيف كلمة "البوز" هنا أكثر من مجرد استعمال كلمة دارجة. إنه يشير إلى اللحظة التي أصبح فيها التداول نفسه منتجا للقيمة. ذلك أن ما يلقى انتشارا يكتسب، بفعل انتشاره، نوعا من الحضور والفاعلية، حتى لو لم يكن هذا الانتشار دليلا على صحته أو أهميته.

معيار التواصل

هنا ينتقل معيار الفاعلية من البرهان إلى الظهور، ومن المعرفة إلى التداول. لا يعني ذلك أن الحقيقة اختفت، أو أن العلم فقد سلطته، وإنما يعني أن العلم لم يعد المصدر الوحيد الذي تستمد منه الخطابات مشروعيتها أو قوتها. لقد ظهرت إلى جانبه مصادر أخرى للسلطة الرمزية: الملعب، والشاشة، والمنصة، والخوارزمية.

ومن ثم يمكن النظر إلى تاريخ الاستعارة السياسية المعاصرة بوصفه انتقالا من ثلاث لحظات: العلم، ثم الرياضة، ثم الشبكة. في اللحظة الأولى كانت القيمة تستمد من المعرفة والحقيقة، وفي الثانية من المنافسة والأداء والفوز، وفي الثالثة من الظهور والانتشار والتفاعل.

لا يعني هذا، في طبيعة الحال، التخلي عن العلوم كمنهل للاستعارات. فما زال العلم حاضرا بقوة في الخطاب السياسي، ولا سيما في أزمنة الأوبئة والتغير المناخي. غير أن استدعاءه لم يعد يؤدي دائما الوظيفة القديمة نفسها. وحتى حين تعود السياسة إلى العلم اليوم، فقد تختار من العلوم ما يزودها صورا للموقع والعلاقة والاتجاه أكثر مما يزودها ادعاء الحقيقة. وربما بسبب ذلك، أصبحت الجغرافيا الطبيعية هي التي تغزو اليوم الخطاب السياسي الذي صار يتحدث عن الشمال والجنوب، الشرق والغرب، الخليج والمحيط، القمة والقاعدة، اليمين/ اليسار/ الوسط، البارد/الساخن، الربيع/الشتاء، الموجات/العواصف، المركز/المحيط، الهامش/الأطراف، فضلا عن ألفاظ مثل: خريطة، مناخ، رياح، ذوبان، دفء، تجميد، منعطف، زلزال، مستنقع، تسونامي.

 John MACDOUGALL / AFP
السياسي والنائب عن الاتحاد الديمقراطي المسيحي الألماني فيليب أمثور يحمل هاتفه الذي يعرض حسابه على إنستغرام، في مكتبه بمجمع بول لوبيه البرلماني في برلين، 10 فبراير 2025

كأن السياسة لم تعد تبحث عن لغة واحدة تستمد منها شرعيتها، بل صارت تستعير من كل مجال يملك قدرة على منحها شيئا من قوته: من العلم تأخذ سلطة المعرفة، ومن الرياضة منطق المنافسة، ومن الشبكات قدرة الانتشار.

كأن السياسة لم تعد تبحث عن لغة واحدة تستمد منها شرعيتها، بل صارت تستعير من كل مجال يملك قدرة على منحها شيئا من قوته

ولعل المفارقة أن السياسي كان، في الأمس، يستعير من العلم لكي يجعل خطابه خطاب "حقيقة"، أما اليوم، فقد صار يستعير من الشبكات لكي يجعل خطابه قابلا لأن يروج ويتداول. لم تعد المشكلة فقط في أن يكون القول صحيحا أو مقنعا، بل في أن يجد طريقه إلى الشاشة، ومنها إلى الجميع.

وهكذا قد لا يكون "البوز" مجرد نهاية عابرة في تاريخ الاستعارات السياسية، بل علامة على تحول أعمق، إنه الانتقال من سلطة ما يقال لأنه صحيح، إلى قوة ما يقال لأنه ينتشر.

font change

مقالات ذات صلة