حتى وقت قريب، كانت استعارات رجال السياسة تتلون بحسب انتماءاتهم. فإذا كانوا ليبيراليين، استقوا استعاراتهم من العلوم الرياضية وعلم الحركة، فأكثروا من ألفاظ كالقانون والمساواة والوحدة والنسبة والسبب والقوة والتسارع واللانهائية. أما المحافظون، فكانوا يأخذون استعاراتهم من علوم الحياة، فيتحدثون عن الكلية والعضوية والسلالة والأصل والدم والعرق. وكان ذوو الميول الشيوعية يفضلون استعارات الديناميكا والكيمياء، فيتحدثون عن الكتلة وقوى الإنتاج، ومحرك التاريخ، وعلائق القوة، والطاقة، والأجهزة الأيديولوجية والانعكاس.
لا يعني هذا، في طبيعة الحال، أن جدرانا تفصل فئة عن أخرى، أو لغة عن أخرى. ولعل هذا ما سمح، في وقت ما، للأنظمة الفاشية أن تستقي استعاراتها من العلوم جميعها.
ما يلفت الانتباه، مهما اختلفت الألوان السياسية، هو أن الاستعارات كانت تستمد، في الغالب، من العلوم. وربما كان السياسي يرمي من وراء ذلك إلى أن يتحدث لا بلغة من "يفترض" أو "يعتقد"، بل بلغة من "يعرف". كان يستعير من العلم شيئا من سلطته، فيضفي على خطابه مظهر المعرفة، وعلى قوله مسحة من الحقيقة.
لكن هل كان العلم دائما هو مصدر تلك السلطة؟ وهل كانت العلوم هي التي زودت السياسة مفرداتها، أم أن الأمر كان، في بعض الأحيان، على العكس من ذلك؟
بين الهندسة والسياسة
يمكن أن نذهب إلى هذا الاتجاه الأخير إذا تذكرنا ما بينته دراسات جان بيار فرنان من علاقة وثيقة بين نشأة علم الهندسة والمنطق، وبين الحياة السياسية في المدينة اليونانية. فكثير من ألفاظ المنطق والهندسة، من قضية وحكم ومحاكمة وحجة وعلة ومساواة وتناظر وتناسب، تحمل آثارا من الحياة السياسية ومن أنماط النقاش والمداولة فيها. ليس العلم، إذن، دائما هو الذي يمد السياسة باستعاراته، فقد تكون السياسة نفسها أحد المنابع الخفية لبعض المفهومات التي ستجد طريقها إلى العلوم.




