في 30 سبتمبر/أيلول، تسبب انفجار في خطوط الغاز المغذية لمحطة تشرين الحرارية في سوريا بخروج المحطة ومحطتين أخريين لتوليد الكهرباء عن الخدمة. ولم تحدد السلطات بعد ما إذا كان الانفجار ناجما عن عمل تخريبي أم عطل فني. لكنه جاء ضمن سلسلة أوسع من الاعتداءات على شبكة الطاقة في البلاد. وبحلول 20 سبتمبر، بلغ عدد الاعتداءات المسجلة على خطوط الأنابيب منذ مطلع العام 22 اعتداء، قبل أن تتوالى تقارير عن حوادث أخرى.
لذلك، لا يمكن النظر إلى الانفجار الأخير بوصفه حادثا معزولا، إذ يكشف عن إحدى أبرز نقاط الضعف التي تهدد طموحات سوريا الإقليمية في قطاع الطاقة. فدمشق تسعى إلى تحويل البلاد إلى مركز لعبور النفط والغاز، لكن تحقيق هذا الهدف يتوقف على قدرتها على ضمان تدفق إمدادات الطاقة عبر أراضيها بأمان وانتظام. وموقع سوريا الجغرافي يمنحها فرصة للاضطلاع بهذا الدور، غير أن نجاحها سيعتمد في النهاية على قدرتها على توفير ممر آمن وموثوق للطاقة.
نمط أوسع مما يكشفه السجل العلني
رغم التقارير المتفرقة عن الاعتداءات على خطوط الأنابيب، كشفت إفادة وزير الطاقة محمد البشير أمام مجلس الشعب في 20 سبتمبر/أيلول عن حجم الظاهرة بصورة أوضح. وقال البشير إن خطوط النفط تعرضت لـ22 اعتداء خلال عام 2026، فضلا عن اعتداءات استهدفت البنية التحتية للكهرباء والمياه. كما أظهر الرقم أن ما أعلن عنه من اعتداءات على خطوط الأنابيب لا يمثل سوى جزء من الحالات المسجلة، ما يعني أن كثيرا منها لا يعلن عنه.
ومنذ جلسة مجلس الشعب، سجلت ثلاث وقائع أخرى من العبث المتعمد: واحدة في طرطوس، وأخرى في القريتين، وثالثة تمثلت في انفجار على خط غاز الجبسة قرب الشولا في دير الزور في 28 سبتمبر. وإذا تبين أن الانفجار الذي أصاب خطوط الغاز المغذية لمحطة تشرين كان عملا تخريبيا، فسيرتفع عدد الاعتداءات المسجلة إلى نحو 25.
وللتوزع الجغرافي لهذه الحوادث أهميته. فالتقارير العلنية تشير إلى وقائع في الحسكة ودير الزور شمال شرقي البلاد وشرقها، وفي محيط فرقلس والمحطة الرابعة (T4) والقريتين وسط محافظة حمص، وكذلك في طرطوس على الساحل. وتمتد المشكلة إلى عدة أجزاء من شبكة الإمداد، ما يعقد جهود حمايتها.
السرقة وتجارة انعدام الأمن
تكشف الأدلة عن حجم الأضرار أكثر مما تكشف عمن يقف وراءها. ففي معظم الحوادث المبلغ عنها، لم تحدد السلطات هوية المنفذين أو انتماءاتهم، ولم تصدر أي جهة ادعاء موثوقا بالمسؤولية عنها. كما لا تشير المعلومات المتاحة علنا حتى الآن إلى حملة منسقة، ما يفتح الباب أمام احتمال وقوف جهات مختلفة وراء هذه الاعتداءات، مستفيدة من مواطن الضعف نفسها.
لا تقتصر كلفة هذه الحوادث على إصلاح الأضرار. فانقطاع إمدادات الغاز يحد من توليد الكهرباء، ويعطل نشاط الشركات، ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية
وتبدو السرقة الدافع الأوضح في بعض الحالات. ففي طرطوس، قالت السلطات إن مجموعة حفرت للوصول إلى خط نفط، ثم ثقبته وسحبت منه النفط مرات عدة لملء صهريج. وأفاد مصدر في شركة نفط بأن حادثة قرب القريتين كانت بدافع السرقة أيضا. وبهذه الطريقة، تتحول البنية التحتية العامة إلى مورد يدر أرباحا خاصة، بينما تتحمل الدولة والمستهلكون الخسائر.
وقد يشكل الابتزاز دافعا ماليا آخر. فقد سبق لتنظيم "داعش" أن استهدف صهاريج وقود ومنشآت نفطية للضغط على التجار والمشغلين وحملهم على دفع أموال مقابل الحماية. كما استفادت جهات مسلحة أخرى، بينها قوى عشائرية، من حالة انعدام الأمن عبر تحويل الحماية إلى مصدر للدخل. وهذا النمط، الموثق على نطاق واسع خلال سنوات الصراع، يوضح كيف يمكن تحويل انعدام الأمن نفسه إلى مصدر للربح. ومن هنا، ينبغي للمحققين التحقق مما إذا كانت دوافع مماثلة تقف وراء بعض الاعتداءات الأخيرة.
المظالم والاضطراب السياسي
تستدعي المظالم المحلية بدورها الانتباه. فقد أظهرت محاولات عرقلة مرور قوافل الصهاريج خلال الاحتجاجات الأخيرة على أسعار الوقود أن نقل الطاقة قد يتحول إلى هدف مباشر للغضب الاقتصادي. كما يمكن أن تخلق الضغوط المرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة، والشعور بالتهميش، والانطباع بغياب اهتمام الحكومة، بيئة قابلة للاستغلال من جانب المهاجمين. لكن على المسؤولين فهم هذه العوامل من دون القفز إلى استنتاج أن المحتجين يقفون وراء أعمال تخريب خطوط الأنابيب.
وقد تكون زعزعة الاستقرار السياسي دافعا آخر لبعض الاعتداءات. فحتى عملية محدودة قد تعطل الخدمات، وتزيد الاستياء الشعبي، وتضعف الثقة بالحكومة. وقد تسعى إلى إحداث هذه الآثار جهات تريد عرقلة مسار التعافي، من بينها شبكات مرتبطة بالنظام السابق.
وتكتسب هذه الفروق أهمية عملية عند وضع سبل الوقاية. فتعقب الوقود المسروق يختلف عن تفكيك شبكات الابتزاز أو معالجة المظالم المحلية، ولكل منها أدواته وأساليبه. أما الاكتفاء بحملة أمنية واسعة، فقد يغفل العوامل التي تسمح بتكرار الاعتداءات، كما قد يبعد المجتمعات المحلية التي يشكل تعاونها عنصرا مهما في حماية الشبكة.
الموثوقية ستحدد دور سوريا الإقليمي
لا تقتصر كلفة هذه الحوادث على إصلاح الأضرار. فانقطاع إمدادات الغاز يحد من توليد الكهرباء، ويعطل نشاط الشركات، ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية. كما تستنزف أعمال الإصلاح المتكررة الموارد المالية والبشرية التي تحتاج إليها البلاد لزيادة قدرتها على إنتاج الطاقة، ما يصعب الحفاظ على التحسن في الإمدادات.
وتهدد هذه الثغرات الطموح السوري إلى لعب دور إقليمي في قطاع الطاقة. فقد أشار الرئيس أحمد الشرع إلى أن موقع سوريا الجغرافي وإطلالتها على البحر المتوسط يمنحانها مقومات للاندماج في سلاسل إمداد آمنة للطاقة. كما تحدث البشير عن العوائد التي يمكن أن تجنيها سوريا من رسوم العبور إذا أعيد تشغيل خط أنابيب كركوك-بانياس. غير أن تحقيق هذين الطموحين يتوقف على ضمان تدفق الإمدادات عبر بنية تحتية تستطيع الدولة تأمينها وحمايتها.
يمنح موقع سوريا الجغرافي البلاد فرصة مهمة للاضطلاع بدور إقليمي في قطاع الطاقة، لكن الاستفادة من هذه الفرصة تتوقف على قدرتها على حماية خطوط الأنابيب وضمان استمرار تدفق الإمدادات
وسيقيّم المنتجون والمستثمرون والدول المستوردة سوريا بقدر ما تثبته من موثوقية في التشغيل. فالانقطاعات المتكررة قد ترفع كلفة التأمين والتمويل، وتؤخر الاستثمارات، وتدفع الموردين إلى البحث عن مسارات بديلة. ورغم أن تحديد ما إذا كانت الاعتداءات ناجمة عن السرقة أم عن تخريب بدوافع سياسية يهم المحققين، فإن هذا التمييز لا يغير كثيرا من حسابات مستخدمي هذه المسارات، إذ تظل النتيجة في الحالتين واحدة: تراجع الثقة بموثوقية العبور عبر سوريا.
لذلك، ينبغي للسلطات أن تضع حماية البنية التحتية في صلب خططها الاستثمارية. ويشمل ذلك توزيع المسؤوليات بوضوح بين الأجهزة الأمنية ومؤسسات الطاقة، وتشديد الرقابة على المواقع الأكثر عرضة للخطر، وإجراء تحقيقات جدية، ووضع خطط طوارئ تقلل أثر أي انقطاع في الإمدادات.
إشراك المجتمعات المحلية في حماية الشبكة
لا يمكن حماية الشبكة من دون إشراك المجتمعات المحلية. فالسكان المقيمون على امتداد خطوط الأنابيب أقدر على رصد التحركات المريبة والتنبيه إلى توترات محلية قد لا ترصدها الدوريات الأمنية. ويمكن بناء هذا التعاون من خلال قنوات موثوقة للإبلاغ، والتواصل المنتظم مع ممثلي المجتمعات المحلية، وضمان الشفافية في التوظيف المرتبط بأعمال الصيانة والحماية.
ومن شأن تحسن الكهرباء وغيرها من الخدمات بصورة ملموسة أن يزيد حرص المجتمعات المحلية على حماية الشبكة. لكن هذا الحرص قد يتراجع إذا شعر السكان بأن خطوط الأنابيب تنقل الطاقة إلى أسواق بعيدة، فيما تظل إمدادات مناطقهم غير مستقرة. وينبغي أن يجري هذا التعاون في إطار مؤسسات حكومية خاضعة للمساءلة، مع رقابة واضحة على التوظيف والمدفوعات. أما إسناد الحماية إلى وسطاء مسلحين مقابل المال، فقد يعيد إنتاج الحوافز التي تجعل من انعدام الأمن نفسه مصدرا للكسب.
يمنح موقع سوريا الجغرافي البلاد فرصة مهمة للاضطلاع بدور إقليمي في قطاع الطاقة، لكن الاستفادة من هذه الفرصة تتوقف على قدرتها على حماية خطوط الأنابيب وضمان استمرار تدفق الإمدادات. وإلى أن تثبت سوريا قدرتها على الحفاظ على هذا الاستقرار، سيضعف كل اعتداء جديد الثقة بقدرتها على أن تصبح ممرا إقليميا موثوقا للطاقة.