"حلف مكة الدفاعي" أمام اختباره العملي الأول

شراكة دفاعية على وقع التصعيد الحوثي

رويترز
رويترز
المشاركون في الاجتماع الطارئ للجنة الاستراتيجية السياسية والدفاعية لحلف مكة الدفاعي، في الرياض بالمملكة العربية السعودية، في 5 أكتوبر 2026

"حلف مكة الدفاعي" أمام اختباره العملي الأول

أظهرت الأحزاب السياسية الباكستانية، ومعها شريحة واسعة من الرأي العام في بلد يبلغ عدد سكانه نحو 240 مليون نسمة، تضامنا لافتا مع السعودية في الآونة الأخيرة. وعقب الاجتماع بالغ الأهمية والحساسية لـ"حلف مكة الدفاعي"، التقى سياسيون وأكاديميون ومواطنون على تأييد الحكومة الباكستانية وقيادتها العسكرية في ما يتعلق بدعم السعودية.

ورغم ما يعرف عن المجتمع الباكستاني من انقسامات سياسية عميقة، كثيرا ما التقى الشعب والأحزاب السياسية الرئيسة في البلاد على موقف واحد حين يتعلق الأمر بالوقوف إلى جانب السعودية.

ومع استعداد السعودية لمواجهة التحدي الذي يمثله الحوثيون، وضعت الأحزاب السياسية الباكستانية والجمهور خلافاتهم جانبا، وأبدوا دعما لافتا لحكومتهم في مساعيها إلى مساندة السعودية في مواجهة التهديدات الحوثية. وقال مستنصر عباس، محلل شؤون الدفاع والاستراتيجية المقيم في إسلام آباد: "تربط باكستان بالسعودية علاقة تاريخية قوية. وقد وقف الشعب الباكستاني دائما إلى جانب حكوماته حين يتعلق الأمر بتعزيز هذه العلاقة". وأضاف عباس في حديث إلى "المجلة": "ولعل ذلك ما يفسر أن الباكستانيين ظلوا دائما يدعمون الجيش والحكومات في مساندة السعودية في السراء والضراء، بما في ذلك في مواجهة التحدي الذي يمثله الحوثيون للمملكة".

وشكل هذا التوافق الوطني خلفية لاجتماع تاريخي عقد في الرياض في 5 أكتوبر/تشرين الأول 2026، حيث عقدت المملكة العربية السعودية وجمهورية باكستان الإسلامية والجمهورية التركية جلسة طارئة للجنة الاستراتيجية والسياسية والدفاعية لـ"حلف مكة الدفاعي".

وجاء الاجتماع الاستثنائي، الذي ضم وزراء الخارجية والدفاع وكبار القادة العسكريين، على وقع تصاعد التهديدات الأمنية الإقليمية واستمرار الهجمات الحوثية على الأراضي السعودية، في خطوة نحو نقل الاتفاق الثلاثي الناشئ إلى حلف دفاع جماعي ذي طابع عملياتي.

وكان "اتفاق مكة للدفاع المشترك" قد وقع في أغسطس/آب 2026، وأرسى مبدأ دفاع مشترك يعد أي هجوم مسلح على إحدى الدول الموقعة هجوما على الدول الثلاث جميعها. وأظهرت المداولات الطارئة في الرياض مدى سرعة تحرك الدول الثلاث لإنشاء آليات دفاع متكاملة، وإقامة هيكل قيادي رسمي، والالتزام بنشر قدرات عسكرية لمواجهة التهديدات التي تستهدف أمن المملكة وسيادتها ومنشآتها الاقتصادية الحيوية.

كان "اتفاق مكة للدفاع المشترك" قد وقع أصلا في أغسطس 2026، وأرسى مبدأ دفاع مشترك يعد أي هجوم مسلح على إحدى الدول الموقعة هجوما على الدول الثلاث جميعها

ومن أبرز نتائج اجتماع الرياض إنشاء القيادة التنفيذية للحلف رسميا. وبقرار بالإجماع، عينت الدول الأعضاء الفريق الباكستاني المتقاعد نعمان محمود أول أمين عام لـ"حلف مكة الدفاعي" لولاية مدتها ثلاث سنوات. ويتولى محمود، وهو ضابط عسكري مخضرم معروف بخبرته الاستراتيجية، مهامه في مرحلة دقيقة، وقد كلف بإدارة أمانة الحلف الجديدة وتنسيق عمليات لوجستية معقدة عابرة للحدود.

وأعربت اللجنة عن ثقتها الكاملة بقدرته على استكمال بناء مؤسسات الحلف، وتيسير تبادل المعلومات الاستخباراتية، ومواءمة البروتوكولات العملياتية بين جيوش الدول الأعضاء. وعقب تعيينه، أقرت اللجنة توصيات تقضي بالشروع فورا في ترتيبات عملية للدفاع الجماعي، تلزم الدول الأعضاء بتوفير الوحدات والقدرات العسكرية المتفق عليها للنشر السريع داخل السعودية، وفقا للتشريعات الوطنية والأطر المعتمدة مسبقا.

ويأتي هذا الاجتماع الحساس في ظل تصاعد الأعمال القتالية على امتداد ممر البحر الأحمر، وصدور تهديدات مباشرة للمدن السعودية والبنية التحتية للطاقة. وأصدرت الدول الثلاث بيانا مشتركا أدانت فيه بأشد العبارات المحاولات المتكررة لاستهداف مدينتي مكة المكرمة والمدينة المنورة، فضلا عن المواقع المدنية والصناعية في أنحاء المملكة.

رويترز
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان، ووزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار، عقب اجتماع حلف مكة الدفاعي في الرياض بالمملكة العربية السعودية، في 5 أكتوبر 2026

وفي سبتمبر/أيلول، اعترضت أنظمة الدفاع السعودية طائرة مسيرة حوثية كانت تحلق قرب المجال الجوي لمدينة مكة المكرمة، في واقعة أبرزت حجم المخاطر المباشرة التي تواجه البنية التحتية الوطنية والمقدسات. وأشادت باكستان وتركيا صراحة بالجاهزية واليقظة والكفاءة التقنية التي أظهرتها القوات المسلحة السعودية في التصدي للتهديدات الجوية.

وكشف وزير الخارجية التركي هاكان فيدان عقب الاجتماع أن تدهور الأوضاع الأمنية، بينما كان الحلفاء يضعون اللمسات الأخيرة على هياكل الحلف، فرض عقد اجتماع استثنائي وفوري لبحث الدعم العسكري العملياتي والمسارات الدبلوماسية المحتملة لحل الصراع في اليمن.

وفي الوقت نفسه، بدأت المعادلات الجيوسياسية على الأرض في اليمن تتغير بعدما أطلقت القوات الموالية للحكومة والمدعومة من السعودية عملية "فجر اليمن" لاستعادة مناطق ساحلية رئيسة من سيطرة المتمردين الحوثيين.

وفي 5 أكتوبر، تقدمت وحدات موالية للحكومة اليمنية، من بينها "قوات درع الوطن" و"ألوية العمالقة" و"المقاومة التهامية"، على امتداد ساحل البحر الأحمر، وأعلنت استعادة مواقع حيوية قرب مضيق باب المندب ومدينة المخا ومنطقة ذُوباب. وتقول القوات الحكومية إن هذه العمليات البرية، التي حظيت بغطاء جوي واسع من التحالف، أجبرت المقاتلين الحوثيين على انسحاب واسع باتجاه المرتفعات الداخلية، فيما ينفي الحوثيون ذلك.

ويظل تأمين مضيق باب المندب أولوية دولية قصوى، خصوصا أن الاضطرابات المستمرة في الملاحة عبر البحر الأحمر، والتي فاقمتها التوترات المحيطة بمضيق هرمز، هددت طرق التجارة العالمية وأسواق الطاقة. وردت القوات الحوثية بالقول إنها شنت هجمات بعيدة المدى بطائرات مسيرة وصواريخ على منشآت سعودية، من بينها مطار الملك خالد الدولي في الرياض، فيما تواصل قوات الدفاع الجوي التابعة للتحالف اعتراض نسبة كبيرة من هذه الهجمات.

ويتزامن التفعيل العملياتي السريع لـ"حلف مكة الدفاعي" مع هذا التوافق السياسي الداخلي في باكستان. وفي مؤشر على هذا العزم الوطني، ضم الوفد الباكستاني إلى الرياض أبرز القيادات المدنية والعسكرية، بينهم نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية محمد إسحاق دار، ووزير الدفاع خواجا محمد آصف، والمشير سيد عاصم منير، قائد قوات الدفاع ورئيس أركان الجيش.

وقال وزير الدفاع الباكستاني خواجا آصف في مقابلة مع قناة إخبارية محلية: "نحن هنا ونقدم لهم أي مساعدة أو دعم يحتاجون إليه"، مؤكدا أن بلاده وتركيا تقدمان دعما فاعلا للسعودية في صراعها مع الحوثيين، فيما يواجه الاتفاق الأمني الثلاثي أول اختبار عملي له.

يتزامن التفعيل العملياتي السريع لـ"حلف مكة الدفاعي" مع هذا التوافق السياسي الداخلي في باكستان

وأوضح آصف أن القوات الباكستانية والتركية تحافظ على وجود عملياتي داعم وغير قتالي في مسرح العمليات، يركز على الخدمات اللوجستية والاستطلاع والمساعدة التقنية المتخصصة، بينما تتولى القوات السعودية العمليات القتالية المباشرة.

وفي تأكيد لعمق هذا التوافق الاستراتيجي تاريخيا، شدد إعجاز الحق، عضو البرلمان الباكستاني ورئيس "حزب الرابطة الإسلامية الباكستانية" (ضياء)، على الجذور التاريخية للتعاون الدفاعي بين البلدين.

وقال إعجاز الحق لـ"المجلة": "أما اتفاق الدفاع السعودي-الباكستاني فيعود إلى أوائل الثمانينات، مع مشاركة فعلية من لواءين عسكريين في تبوك. وبعد هذا الاتفاق خطونا خطوة إضافية لتعزيز مشاركتنا في حماية الحدود من أي عمل عدواني يستهدف أيا من الدول الأطراف فيه".

وأضاف إعجاز الحق أن باكستان وقفت تاريخيا إلى جانب المملكة في الحفاظ على أمنها واستقرارها.

رويترز
مركبات عسكرية تسير على طريق بالقرب من ذوباب في محافظة تعز باليمن، وذلك في لقطة مأخوذة من مقطع فيديو نُشر في 5 أكتوبر 2026

ويأتي هذا التوافق السياسي الداخلي في إسلام آباد امتدادا لتاريخ أوسع من التعاون الاستراتيجي بين باكستان والسعودية، تدعمه اتفاقية دفاع ثنائية وُقّعت في سبتمبر/أيلول 2025، إلى جانب التزامات عسكرية عبّر عنها المتحدث باسم الجيش الباكستاني، الفريق أحمد شريف تشودري، الذي أكد أن التزام إسلام آباد بأمن المملكة مطلق.

وبعد يوم واحد فقط من اجتماع الرياض، استعرضت باكستان قدراتها التقنية بإجراء اختبار إطلاق ناجح في 6 أكتوبر/تشرين الأول 2026 لصاروخ كروز "فتح-4" طويل المدى، المطور محليا والمطلق من الأرض. وزود الصاروخ بإلكترونيات طيران متقدمة وأنظمة ملاحة دقيقة صممت لإصابة أهداف بعيدة المدى، وجاء توقيت الاختبار ليبرز الجاهزية الدفاعية.

وقد يُقرأ توقيت اختبار الصاروخ الباكستاني، بعد يوم واحد من اجتماع الرياض، رسالة ردع إلى الخصوم الإقليميين.

ويبرز البعد الدبلوماسي لاجتماع الرياض التوازن الدقيق الذي يسعى "حلف مكة" إلى الحفاظ عليه بين الردع العسكري القوي والاستقرار الإقليمي. ففي الوقت الذي شدد فيه البيان المشترك على سرعة نشر القوات والردع الجماعي، أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن الحلف بحث بعمق الخطوات الدبلوماسية التي يمكن أن تشجع الحوار والتوصل إلى حل سلمي.

ويعكس هذا المسار المزدوج مساعي أنقرة وإسلام آباد إلى الوفاء بالتزاماتهما الدفاعية تجاه الرياض، مع إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع الأطراف الإقليمية لمنع اتساع نطاق الصراع. لكن ردود الفعل الإقليمية على هذه التحركات لا تزال تتسم بالحساسية، إذ حذر المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي من أن التدخلات العسكرية الأجنبية في اليمن قد تزيد المشهد الإقليمي تعقيدا.

ورغم هذه التوترات، يتزايد الاهتمام بـ"حلف مكة الدفاعي"، إذ أكد مسؤولون باكستانيون أن أكثر من ست دول أبدت رغبتها في الانضمام إليه بعد اكتمال بنيته المؤسسية الأساسية ودخولها حيز العمل بالكامل خلال العام المقبل.

ومن خلال الجمع تحت مظلة تنظيمية واحدة بين الثقل السياسي والاقتصادي للسعودية، وقوة الصناعات الدفاعية التركية، وقدرات باكستان العسكرية، قد يمثل "حلف مكة الدفاعي" إعادة تشكيل كبرى لبنية الأمن في الشرق الأوسط.

وتشير القرارات الطارئة التي اتخذت في الرياض، إلى جانب التقدم الميداني المعلن في إطار عملية "فجر اليمن"، إلى أن الحلف بدأ الانتقال من الاتفاقات الرمزية إلى التكامل الاستراتيجي الفعلي.

ومع تولي الفريق نعمان محمود مهامه أمينا عاما، يدخل الحلف الثلاثي مرحلة عملياتية يُفترض أن تقوم على عمليات انتشار متزامنة، وتكامل استخباراتي، وردع مشترك قوي. ولا يقتصر هذا الإطار المتطور على دعم القدرات السعودية في تأمين حدود المملكة ومجالها الجوي في مواجهة التهديدات غير المتماثلة، بل قد يؤسس أيضا محورا ثلاثيا قادرا على حماية الممرات البحرية الحيوية، ودعم استقرار التجارة الإقليمية، وترسيخ الأمن الجماعي في غرب آسيا وجنوبها.

font change

مقالات ذات صلة