قد يترك تصاعد الخلاف الدبلوماسي بين بريطانيا وإسرائيل تداعيات خطيرة على الأمن الأوروبي، على خلفية قرار الحكومة البريطانية فرض عقوبات جديدة على المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة. ورغم أن كثيرا من القادة الأوروبيين يجدون صعوبة في إقامة حوار بناء مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بسبب سياساته المتشددة، فإنهم يدركون في الوقت نفسه أهمية الحفاظ على علاقات قوية مع أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية لحماية المصالح الأوروبية.
تتصاعد التوترات بين أوروبا وإسرائيل منذ أن شنت إسرائيل هجومها العسكري المدمر على غزة ضد مسلحي "حماس"، في أعقاب هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، التي قتل فيها نحو 1200 شخص واحتجز 251 آخرون رهائن بعدما عبر مسلحو "حماس" الحدود الجنوبية لإسرائيل. ودفع النهج المتشدد الذي اتبعته إسرائيل في الحرب، التي أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 70 ألف فلسطيني وتدمير أحياء فلسطينية بكاملها، عددا من القادة الأوروبيين، بينهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، ومؤخرا رئيس الوزراء البريطاني آندي برنهام، إلى توجيه انتقادات علنية للسياسة الإسرائيلية.
كما دفعت المخاوف من نهج نتنياهو الهجومي القادة الأوروبيين إلى رفض الانخراط مباشرة في الحرب على إيران، وتوجيه انتقادات شديدة للهجوم العسكري الإسرائيلي على "حزب الله" في جنوب لبنان، فضلا عن التوغلات العسكرية الإسرائيلية في سوريا.
أما في بريطانيا، فقد أدى تعيين النائب العمالي المنتمي إلى اليسار المتشدد إد ميليباند وزيرا للخارجية في الصيف إلى تبني الحكومة موقفا أكثر تشددا في تعاملها مع إسرائيل. واتخذت حكومة برنهام موقفا حازما من الهجمات الأخيرة التي شنها مستوطنون إسرائيليون على تجمعات فلسطينية في الضفة الغربية.
وفي أوائل سبتمبر/أيلول، أدلى ميليباند بما يمكن اعتباره أكثر التصريحات إثارة للجدل التي صدرت عن وزير خارجية بريطاني بشأن إسرائيل في الذاكرة المعاصرة، عندما أعلن حزمة جديدة من العقوبات على المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في الضفة الغربية المحتلة. واتهم حكومة نتنياهو مباشرة بغض الطرف عن "التطهير العرقي" الذي يمارسه المستوطنون الإسرائيليون بحق الفلسطينيين، وقال إن فرض العقوبات الجديدة يمثل "بداية نهج جديد" تجاه الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، نهج "لا يكتفي بإدانة الظلم والمعاناة، بل يتحرك لمواجهتهما".
ورد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر باتهام ميليباند بترويج "كذبة فاضحة"، وأعلن إجراءات مضادة شملت إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية. وأدى الخلاف إلى أعمق شرخ في العلاقات البريطانية-الإسرائيلية في الذاكرة المعاصرة، فيما هددت الحكومة البريطانية بطرد 27 دبلوماسيا من السفارة الإسرائيلية في لندن، وهي خطوة من شأنها أن تجعل ممارسة السفارة لعملها الدبلوماسي المعتاد شبه مستحيلة.
وفي الوقت الراهن، يبدو أن الطرفين توصلا إلى صيغة من التسوية بشأن القنصلية البريطانية في القدس، وإن ظل كل منهما متمسكا بموقفه. فبينما تؤكد إسرائيل أن قرار الإغلاق دخل حيز التنفيذ، يصر ميليباند على أن المبنى سيظل مفتوحا وأن العمل سيستمر تحت اسم "بعثة المملكة المتحدة، القدس". وأكد ساعر أن القنصلية أغلقت بالفعل وأزيلت لافتتها، موضحا أن القنصل العام البريطاني و20 دبلوماسيا سيغادرون إسرائيل، فيما سيبقى سبعة آخرون في موقع القنصلية السابقة.
وقال ساعر في بيان إن الإجراءات الانتقامية، ومنها إغلاق القنصلية، جاءت ردا على ما وصفه باتهامات ميليباند الكاذبة ضد إسرائيل، مضيفا أنه لا يستطيع ضمان عدم اندلاع أزمات أخرى. وفي انتقاد لحكومة "حزب العمال"، قال إنه لم يجر حوار حقيقي مع الوزراء البريطانيين في السنوات الأخيرة، رغم التعاون الأمني والاستخباراتي بين البلدين.
كانت الدول الأوروبية، ومنها بريطانيا، قادرة في السابق على الحد من جانب كبير من الأنشطة الإيرانية الضارة بفضل التحذيرات والمعلومات الاستخباراتية التي كانت تتلقاها بانتظام من إسرائيل
وقد يكون لهذا الخلاف ثمن أمني بالنسبة إلى بريطانيا، بالنظر إلى علاقاتها التاريخية الوثيقة بأجهزة الاستخبارات والأمن الإسرائيلية. فقبل وصول "حزب العمال" إلى السلطة عام 2024، تعاون مسؤولون استخباراتيون بريطانيون وإسرائيليون على أعلى المستويات في قضايا ذات اهتمام مشترك، من بينها التهديد الذي تمثله الأنشطة النووية الإيرانية والتطرف الإسلاموي.
وذهب نتنياهو إلى حد القول إن إسرائيل وجهت إلى بريطانيا تحذيرا بشأن مؤامرة إرهابية محتملة تستهدف قاعدة تابعة لسلاح الجو الملكي تستخدمها قاذفات أميركية لشن هجمات على إيران، وذلك بالتزامن تقريبا مع إعلان ميليباند في سبتمبر/أيلول حزمة جديدة من العقوبات على المستوطنات الإسرائيلية.
وقيل إن المخطط كان يستهدف قاعدة فيرفورد التابعة لسلاح الجو الملكي في غلوسترشير. واعتقلت السلطات البريطانية لاحقا سبعة أشخاص للاشتباه في صلتهم بالمخطط، فيما أشار مسؤولون بريطانيون إلى اعتقادهم بأن إيران ربما شاركت في التخطيط للهجوم على القاعدة الجوية.
ودفع قرار بريطانيا فرض عقوبات جديدة على إسرائيل، في الوقت الذي كانت تستفيد فيه من تحذيرات استخباراتية إسرائيلية، نتنياهو إلى الشكوى من أن بريطانيا فرضت عقوبات على مستوطنات الضفة الغربية "في اليوم التالي تقريبا" لتزويدها بمعلومات استخباراتية إسرائيلية عن مؤامرة إرهابية.
ومع ما يقال عن توسيع إيران نطاق هجماتها الهجينة ضد أوروبا، فإن أي تدهور في العلاقات بين القوى الأوروبية الرئيسة وإسرائيل قد يأتي بنتائج عكسية على جهود حماية أمن القارة. فقد اتهمت إيران بشن هجمات سيبرانية والتخطيط لعمليات اغتيال وإطلاق حملات تضليل في أنحاء أوروبا بهدف إثارة الاضطراب السياسي وزعزعة الاستقرار.
وكانت الدول الأوروبية، ومنها بريطانيا، قادرة في السابق على الحد من جانب كبير من الأنشطة الإيرانية الضارة بفضل التحذيرات والمعلومات الاستخباراتية التي كانت تتلقاها بانتظام من إسرائيل. لكن استمرار تدهور العلاقات معها، ولا سيما بالنسبة إلى بريطانيا، قد يهدد هذا التعاون، إذ لا شيء يضمن أن تظل إسرائيل مستعدة لتبادل المعلومات الاستخباراتية الحساسة، بكل ما قد يترتب على ذلك من تداعيات على أمن البلاد مستقبلا.