كنت ممن حضروا، مطلع فبراير/شباط الماضي، جلسة مغلقة عند الملك عبد الله الثاني في مكتبه بقصر الحسينية، وكان الشأن الداخلي حاضرا فيه بقوة، وما بقي في ذهني من ذلك اللقاء، لم يكن حديثا عابرا عن حكومة أو وزير، بل فكرتان قالهما الملك بصراحة لافتة، الأولى ثقته العالية بقدرة حكومة الدكتور جعفر حسان على مواجهة التحديات الاقتصادية، والثانية جاءت في مداخلة أكثر، حدة حين تحدث عن وجود من يعطلون مسيرة الإصلاح السياسي داخل مؤسسات عميقة في الدولة، واستخدم لذلك وصفا لا يحتمل كثيرا من التأويل، حين سماهم "ديناصورات"، وبين الثقة بالحكومة والغضب ممن يعطلون الإصلاح، أظن أن مفتاح قراءة المرحلة الأردنية الحالية موجود كله.
ذلك اللقاء أعاد عندي فكرة كثيرا ما تختلط في قراءة الدولة الأردنية، وهي الفرق بين صانع القرار وصاحب القرار، ففي الأردن لا تتم صناعة القرار في غرفة واحدة، ولا من عقل واحد، بل تشترك فيها مراكز متعددة للقوة والخبرة والنفوذ، ولكل منها مدخلها إلى الدولة ومخاوفها وحساباتها، فهناك من ينظر من زاوية الأمن، وهناك من يبدأ من الاقتصاد، ومن يقرأ السياسة بمنطق الاستقرار قبل أي شيء، بينما يرى آخرون أن توسيع المجال السياسي نفسه أحد شروط الاستقرار، ولذلك تختلف التقديرات وتتقاطع وأحيانا تتصارع، لكن صاحب القرار النهائي يبقى رأس الدولة، أي الملك، وعنده تلتقي هذه المسارات قبل أن يتحول أحدها إلى اتجاه رسمي.
ومن هنا يصبح وصف "الديناصورات" أكثر أهمية من مجرد تعبير حاد في مجلس مغلق، لأنه يقول إن وجود الإرادة السياسية العليا لا يعني بالضرورة أن أدوات الدولة كلها تتحرك بالسرعة نفسها، أو في الاتجاه نفسه، كما أن تعطيل الإصلاح لا يحتاج دائما إلى قرار صريح بوقفه، بل قد يحدث بالبطء والخوف والممانعة الإدارية والمؤسسية وبذلك النوع من المحافظة الذي يعرف كيف يفرغ الفكرة من مضمونها من دون أن يعلن معارضتها، ولذلك لم تعد المشكلة في الأردن في إعلان الرغبة بالإصلاح بقدر ما أصبحت في قدرة الدولة على جعل مؤسساتها وأدواتها تتحرك وفقَ تلك الرغبة.
وهذه النقطة تعيدني إلى حديث شخصي آخر دار بيني وبين الدكتور جعفر حسان في مكتبه في بدايات حكومته، حين تحدث عن فكرة التعديل الحكومي باعتبارها أمرا حاضرا في ذهنه منذ تشكيل الحكومة، لا كرد فعل على أزمة ولا كرغبة في تبديل الأسماء، وكان واضحا في أن أي تغيير يفكر به يجب أن تكون له أسباب موضوعية، ومن بينها دعم مسار الإصلاح السياسي نفسه، وقد فهمت يومها أن رئيس الحكومة لا ينظر إلى فريقه باعتباره تشكيلا ثابتا حتى النهاية، بل أداة يمكن تطويرها كلما فرضت المرحلة ذلك.
لكن الحكومة دخلت بعد ذلك في مسار فرض أولوياته عليها بقوة، فقد غرقت بالمعنى التنفيذي للكلمة في مشاريع اقتصادية كبرى وملفات ثقيلة، من المياه والنقل والطاقة إلى الاستثمار والبنية التحتية والمشاريع الحضرية، ثم جاءت موازنة 2027، وما تحمله من التزامات وضغوط اجتماعية ومالية، وهذا كله مهم وضروري، لكنه في رأيي استهلك من طاقة الحكومة السياسية أكثر مما كان متوقعا ودفع مسار التحديث السياسي بالتدريج إلى المقعد الخلفي.
المفارقة أن حكومة حسان جاءت أصلا وفي صلب تكليفها علاقة أكثر مؤسسية مع الأحزاب وتعزيز التحديث السياسي
وهذا لا يعني أن حكومة حسان حكومة مثالية بالمطلق، فهي في تكوينها وروح عملها حكومة تغلب عليها التكنوقراطية أكثر مما تغلب عليها السياسة، وربما كان ذلك أحد أسباب اختلال التوازن بين المسارين الاقتصادي والسياسي داخلها، لكنها في الوقت نفسه واحدة من أكثر الحكومات حركة في محاولة دفع التحديث الاقتصادي في اتجاهات متعددة، وهذا أمر يلمسه كثيرون في مشاريع متفاوتة بين المتوسطة والكبيرة وفي فتح ملفات ظلت سنوات تتحرك ببطء، غير أن المشكلة أن المشاريع الكبرى في الأردن لا تتحرك داخل فراغ، بل داخل إقليم مضطرب واقتصاد محدود الموارد وبيروقراطية ثقيلة أحيانا، ولذلك فإن المسافة بين إطلاق المشروع وتنفيذه، تبقى دائما امتحانا أكثر صعوبة من لحظة الإعلان عنه.
ولعل مشروع مدينة عمرة يقدم مثالا واضحا، فقد بدأته الحكومة بحماس شديد، وتعامل معه الرئيس شخصيا باعتباره مشروعا، ذا أولوية اقتصادية عالية، وقادرا في الوقت نفسه على تقديم حلول اجتماعية عميقة، مرتبطة بالنمو السكاني، والضغط على عمّان والزرقاء والسكن وفرص الاستثمار، لكنني ألاحظ اليوم ميلا حكوميا إلى خفض منسوب الحديث عنه مقارنة بالزخم الذي رافق إطلاقه، وربما يعود ذلك إلى تحديات التمويل وتعقيدات التنفيذ وتعدد الجهات وتداخل الصلاحيات ومُعيقات بيروقراطية لا يمكن تجاهلها، فضلا عن بيئة إقليمية لا تمنح المشاريع الضخمة دائما الاستقرار الذي تحتاجه، ولذلك تكشف تجربة عمرة في جانب منها طبيعة حكومة حسان نفسها، حكومة تتحرك كثيرا وتفتح ملفات كبيرة، لكنها تكتشف، وهي تتحرك، أن قدرة الدولة على التنفيذ ليست دائما مساوية لحجم الطموح الذي تبدأ به.
والمشكلة هنا ليست في التكنوقراط أنفسهم، فالدولة تحتاجهم، وربما تحتاج اليوم إلى أفضل ما لديها منهم، لكن الحكومة التي تقود مشاريع اقتصادية بهذا الحجم لا تستطيع أن تكتفي بإدارة المشروع من الداخل، بل تحتاج أيضا إلى إدارة معناه سياسيا في الخارج، وأن تشرح للناس لماذا تفعل ما تفعل، وأن تبني حول قراراتها مجالا سياسيا واجتماعيا يفهمها ويناقشها ويدافع عنها حين تستحق الدفاع، وهذه في رأيي واحدة من الحلقات الأضعف حتى الآن، فالحكومة تتحرك أكثر مما تتكلم سياسيا، وتنجز أكثر مما تبني حول إنجازها حاضنة سياسية، فيما تترك مسافة واسعة بين ماكينة التنفيذ، والمجتمع والأحزاب والنخب، التي يفترض أن تكون شريكة في تفسير المرحلة وصناعة معناها.
وهنا لا أقول إن الحكومة قررت تعطيل الإصلاح السياسي، بل ربما حدث شيء أكثر بساطة وأكثر خطورة، وهو أن الأولويات التنفيذية ابتلعت الأولويات السياسية، فالاجتماع الذي يبدأ بالناقل الوطني أو السكك الحديدية أو الاستثمار أو الموازنة، ينتهي عادة بقرارات ومواعيد وأرقام يمكن قياسها، أما الإصلاح السياسي فهو أبطأ وأكثر تعقيدا، ولا تظهر نتائجه في جدول إنجاز شهري، ولذلك يسهل على الجهاز التنفيذي أن ينشغل عنه، دون أن يتخذ أحدٌ قرارا بالتخلي عنه، ومع الوقت يصبح ما كان يفترض أن يكون أحد مسارات التحديث الرئيسية أقل حضورا من التحديث الاقتصادي وتحديث القطاع العام.
والمفارقة أن حكومة حسان جاءت أصلا وفي صلب تكليفها علاقة أكثر مؤسسية مع الأحزاب وتعزيز التحديث السياسي، كما واصلت لاحقا التشريعات المرتبطة بمخرجات لجنة تحديث المنظومة السياسية، أي أن المسار لم يتوقف من الناحية القانونية، لكنه فقد شيئا من زخمه السياسي، وهذا فرق مهم لأن التشريع يستطيع أن يفتح الباب، لكنه لا يستطيع وحده أن يجبر الحياة السياسية على المرور منه.
لا أرى أن السؤال المطروح الآن هو بقاء جعفر حسان أو رحيله، فالملك عبّر أمامنا عن ثقته بقدرته على مواجهة التحديات الاقتصادية بوضوح
وهنا يدخل المواطن في قلب القضية، لأن الإصلاح السياسي في النهاية ليس تمرينا دستوريا بين الدولة والأحزاب، ولا ينبغي أن يتحول إلى مشروع للنخبة تتداول نجاحاته داخل عمّان، بينما يبقى المواطن خارجه، فالناس لا تقيس الإصلاح بعدد الأحزاب المرخصة، ولا بنسبة المقاعد الحزبية فقط، بل تسأل بطريقة أكثر مباشرة ماذا يعني صوتي في راتبي وفرصة عمل ابني ومستوى المدرسة والمستشفى والنقل والخدمة العامة، ومن المسؤول عن القرار الذي يؤثر في حياتي، وكيف أحاسبه إذا أخفق، فإذا لم يستطع التحديث السياسي الإجابة عن هذه الأسئلة فإن المواطن سيظل يرى السياسة شأنا يخص السياسيين لا مصلحة تخصه هو.
وهذه ربما إحدى ثغرات التجربة حتى الآن، فقد نجح الأردن في تغيير قواعد التمثيل وفي إدخال الأحزاب بقوة أكبر إلى البرلمان، لكنه لم يصل بعد إلى المرحلة التي يصبح فيها واضحا للناس كيف تنتقل تلك الأحزاب من التنافس على المقاعد إلى تحمل جزء من مسؤولية السياسات، ولذلك لا يكفي أن يصبح البرلمان أكثر حزبية مع الوقت بينما تظل الحكومة أقل اتصالا بالحياة الحزبية، لأن ذلك سينتج في النهاية مسارين يسيران جنبا إلى جنب من دون أن يلتقيا، برلمان يتغير سياسيا وحكومة تبقى أقرب إلى الإدارة منه إلى السياسة.
ثم جاءت المنطقة بكل ثقلها لتزيد الحذر داخل الدولة، فالأردن لا يناقش إصلاحه السياسي اليوم في بيئة مستقرة، بل في إقليم يتحرك بسرعة هائلة من غزة والضفة الغربية إلى سوريا وإيران وما حولها، وقد أصبح الأمن الوطني أكثر التصاقا بالسياسة الخارجية وبحماية المجال الجوي والحدود والاقتصاد معا، ولذلك يمكن فهم لماذا تتقدم اعتبارات الأمن والاستقرار في ذهن بعض مراكز صناعة القرار، لكن الفهم شيء وتحويل الاستثناء إلى قاعدة شيء آخر، لأن تعليق السياسة كلما اضطرب الإقليم يعني عمليا تأجيلها إلى أجل غير معلوم في منطقة لم تعرف الاستقرار الكامل أصلا.
ومن هنا أقرأ التغييرات التي حدثت في بعض مؤسسات الدولة، وكذلك ما يدور في صالونات عمّان عن تغييرات أخرى محتملة، بعيدا عن لعبة الأسماء، فالقضية في رأيي ليست حملة تغيير واسعة ولا قرارا سريا بقلب الطاولة، بل بحث هادئ عن أدوات أكثر ملاءمة لمرحلة جديدة، وهذا ينسجم أكثر مع طريقة الدولة الأردنية التي تميل إلى تعديل المسار دون إرباك المؤسسات، كما أن ما جرى داخل حكومة حسان حتى الآن حافظ أساسا على استقرار الفريق، وهو ما يعني أن التغيير حين يأتي ليس بالضرورة تعبيرا عن فقدان الثقة بالحكومة.
ولهذا لا أرى أن السؤال المطروح الآن هو بقاء جعفر حسان أو رحيله، فالملك عبّر أمامنا عن ثقته بقدرته على مواجهة التحديات الاقتصادية بوضوح، كما أن حجم المشاريع التي تحملها الحكومة ومسار الموازنة يجعلان الاستمرارية التنفيذية ذات قيمة، لكن السؤال الأهم هو ما إذا كانت الحكومة ستعيد التوازن بين الاقتصادي والسياسي، وما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد إدخال أدوات جديدة تساعدها على استعادة ملف الإصلاح من دون تعطيل مشروعها الاقتصادي، وهنا يصبح أي تغيير مقبل وسيلة لا غاية، وتصبح قيمته في الوظيفة التي يؤديها، لا في عدد الوزراء الذين يشملهم.
ما وراء الحديث عن التعديل أهم من التعديل نفسه، لأن الاختبار الحقيقي ليس من سيدخل الحكومة، بل ما الذي سيدخل معها
وربما تحتاج المرحلة المقبلة إلى ما هو أكثر من تعديل في الأسماء، فهي تحتاج إلى توسيع الدائرة السياسية المحيطة بالحكومة نفسها، وإلى أصوات وخبرات تستطيع أن تقرأ المجتمع كما تقرأ مؤسسات الدولة، وأن تربط ما يجري في الاقتصاد والأمن بالإصلاح السياسي وبالرأي العام، لأن الحكومة التي تملك مشروعا تنفيذيا واسعا ولا تملك المجال السياسي الذي يحمله إلى الناس تظل معرضة لأن يبدو جهدها أقل من حجمه الحقيقي، كما تظل معرضة لأن تتقدم عليها الشائعة أو الخصومة أو سوء الفهم في المساحة التي تتركها فارغة.
وأظن أن هذه هي الرسالة الأهم التي ينبغي التقاطها من كلام الملك، فحين يكون رأس الدولة واثقا بالحكومة وفي الوقت نفسه غاضبا من قوى تعطل الإصلاح، فإن الاستنتاج المنطقي ليس أن الحكومة هي المشكلة، بل أن هناك فجوة بين الإرادة السياسية العليا وبين قدرة الأدوات القائمة على ترجمتها كاملة، ولذلك فإن المطلوب ليس هزة تربك الدولة ولا انقلابا على مسار قائم، بل إعادة ضبط هادئة تجعل المؤسسات والأشخاص والأدوات والإيقاعات أقرب إلى الاتجاه الذي يريده صاحب القرار.
ومن هنا يعود الإصلاح السياسي إلى الواجهة لا باعتباره ملفا تجميليا يمكن فتحه عندما تهدأ المنطقة، بل باعتباره جزءا من مناعة الدولة نفسها، فالمواطن الذي يشعر أن صوته له معنى وأن مشاركته تنتج مسؤولية وأن المسؤول يمكن محاسبته يصبح أكثر ارتباطا بالدولة لا أقل، كما أن الحكومة التي تحمل إلى جانب مشروعها الاقتصادي مضمونا سياسيا واضحا تصبح أقدر على تفسير قراراتها والدفاع عنها وربط الناس بها.
ولذلك فإن ما وراء الحديث عن التعديل أهم من التعديل نفسه، لأن الاختبار الحقيقي ليس من سيدخل الحكومة، بل ما الذي سيدخل معها، فإذا دخلت أسماء جديدة وبقيت المعادلة القديمة فلن يتغير الكثير، أما إذا دخل معها فهم جديد لوظيفة الحكومة في المرحلة الثانية من التحديث السياسي، بحيث تصبح جسرا بين إرادة الملك ومؤسسات الدولة والأحزاب والمجتمع، فعندها نكون أمام تغيير يستحق أن يسمى سياسيا.
وربما لهذا بقيت كلمة الملك في ذلك اللقاء عالقة في ذهني، لأن "الديناصورات" لا تختفي بقرار، ولا تنقرض بمجرد إعلان مشروع إصلاح، بل تفقد قدرتها على التعطيل، عندما تتغير الأدوات التي تعمل الدولة من خلالها، وهذا في رأيي هو الاختبار الأردني المقبل، ليس أن نعلن مرة أخرى أننا نريد الإصلاح، فالملك قال ذلك بما يكفي من الوضوح، بل أن تصبح أدوات الدولة نفسها قادرة على السير بالسرعة التي يريدها صاحب القرار، وأن تصل هذه الحركة إلى المواطن الذي لا يعنيه كثيرا من دخل الحكومة أو خرج منها بقدر ما يعنيه أن يشعر بأن الدولة تتحرك نحوه أيضا.