الأردن والانتخابات الإسرائيلية... ما هو أبعد من نتنياهو

الأردن والانتخابات الإسرائيلية... ما هو أبعد من نتنياهو

نتنياهو ليس هو السؤال.

السؤال الذي يجب أن يشغل عمّان، ونحن على بعد أيام من صناديق الاقتراع الإسرائيلية في السابع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول، هو إن كانت إسرائيل نفسها قد وصلت إلى مرحلة صار فيها تهديد المصالح الأردنية جزءا من بنيتها السياسية، لا مجرد عرض جانبي لحكومة يمينية متطرفة يمكن أن تغيرها ورقة في صندوق.

علما أن إسرائيل التي تذهب إلى هذه الانتخابات ليست إسرائيل ما قبل السابع من أكتوبر 2023، والفارق بين يمينها و"وسطها" لم يعد في الموقف من القضية الفلسطينية، بل في أسلوب إدارتها فقط.

حسنا...

وحسب الوقائع اليومية فإن المعارضة الإسرائيلية تبدو أكثر استعدادا لكبح الاستيطان المنفلت وتقليم أظافر التيارات الدينية القومية، لكن هذا لا يعني– بالضرورة- أنها مستعدة لإنهاء الاحتلال أو الاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة، وهنا بالضبط تكمن المعضلة التي يجب أن يقرأها الأردن بعقل بارد، بعيدا عن الرهان على أسماء الفائزين.

ومن شرفة عمّان، فالضفة الغربية ليست ملفا خارجيا يدار بالبيانات الدبلوماسية، بل هي امتداد جغرافي وديموغرافي وأمني مباشر، وأي تغيير قسري في واقعها السكاني أو القانوني سيصل أثره إلى الأردن قبل أي عاصمة أخرى، والقدس ليست قضية "رمزية" في السياسة الأردنية، بل مسؤولية تاريخية وسياسية مرتبطة بالوصاية الهاشمية وبمكانة الدولة ومصالحها الاستراتيجية.

لهذا، فإن الخطر الأكبر لا يكمن في إعلان إسرائيلي صريح بضم الضفة الغربية.

الخطر الحقيقي يكمن "ويتمدد" في ذلك الضم الذي لا يعلن.

هناك قرارات متدرجة "وهادئة" تجعل الضم حقيقة مكتملة قبل إعلانه: توسيع المستوطنات، وتقطيع أوصال الجغرافيا الفلسطينية، وإضعاف السلطة حد الإنهاك، ودفع السكان خارج مناطقهم شيئا فشيئا، وهكذا يتحول احتلال يفترض أنه مؤقت إلى واقع دائم لا يجد العالم نفسه مضطرا للاعتراف به رسميا، مما يجعله ضما بالتقسيط، والأردن هو من سيدفع أقساطه الأخيرة.

بأقوى تجلياتها فقد ارتبطت هذه السياسة بأسماء مثل سموتريتش وبن غفير، لكن اختزالها بهما خطيئة تحليلية قد تمنحنا شعورا زائفا بالاطمئنان لو خرجا من الحكومة، فالتحول الأعمق حدث داخل المجتمع السياسي الإسرائيلي، حيث تراجعت فكرة التسوية وتقدمت العقيدة الأمنية على أي تصور لمستقبل فلسطيني مستقل، وذهاب الوجوه لا يعني ذهاب المزاج، المزاج العام في إسرائيل صار يمينيا بامتياز.

من هنا يمكن القول إن ما بعد الانتخابات، توجد ثلاثة مسارات لا أكثر:

بقاء نتنياهو على رأس ائتلاف أكثر يمينية، بما يعني تسريع الضم وتغيير الوقائع في القدس والضفة، أو ائتلاف وسطي أو "أمني" يخفف الاندفاع نحو الإجراءات الأكثر استفزازا، دون أن يمس جوهر السيطرة الإسرائيلية، أو تعثر تشكيل الحكومة ومساومات طويلة أو انتخابات جديدة، وهي حالة لا تقل خطورة إن استخدمت المرحلة الانتقالية لفرض وقائع يصعب التراجع عنها.

قد يحتاج الأردن إلى تفاهمات مسبقة، "مسبقة فعلا"، مع القاهرة والرياض، وإلى توظيف العلاقات الأوروبية والأميركية، حتى لا يتحول الاعتراض العربي إلى بيانات مشتركة تصدر– كالعادة- بعد أن تصبح الوقائع غير قابلة للعكس

المسارات الثلاثة تلتقي عند نقطة واحدة: لا يحمل أي منها حلا للأردن.

والأردن لا يدخل هذه المرحلة خالي الوفاض، بل لديه أوراق، وما يحتاجه هو إعادة ترتيبها ضمن سياسة استباقية، لا سياسة ردود أفعال، وربما تكون البداية في التعامل مع إسرائيل بوصفها علاقة مصالح وأمن وحدود وحقوق تحكمها معاهدة سلام، لا علاقة ثقة سياسية (كان الملك الراحل الحسين يردد على مسامع رجال دولته: "لا تثقوا أبدا بنتنياهو"، والوصية صالحة حتى اليوم بأحاديث يرددها الملك عبدالله الثاني كثيرا)، والمعاهدة التي تحمي حقوقا أردنية أساسية يجب أن لا تتحول إلى قيد يمنع عمّان من استخدام أدوات الضغط الدبلوماسي والقانوني، كما لا يصح استنزافها بتهديدات يصعب تنفيذها حين تقع الأزمة.

غير أن المساحة الأهم للحركة الأردنية اليوم تبدو في الرياض، فالعلاقة مع السعودية تستحق قراءة تتجاوز مفهوم "الدعم الاقتصادي" التقليدي إلى شراكة حقيقية لإدارة المخاطر الإقليمية، وتوقيع البروتوكول المعدل للمجلس التنسيقي السعودي-الأردني الأعلى في الحادي والعشرين من أكتوبر، قبل الانتخابات بأيام، يحمل دلالة سياسية تتجاوز التعاون الثنائي، حتى لو لم يكن مرتبطا بالانتخابات مباشرة، لأنه يوفر إطارا مؤسسيا لتنسيق المواقف بين بلدين تتقاطع مصالحهما في منع تصفية القضية الفلسطينية، فالسعودية تملك الثقل الاقتصادي والدبلوماسي وموقعا محوريا في أي ترتيبات مستقبلية لعلاقة إسرائيل بالعالم العربي، والأردن يملك المعرفة المباشرة "والعميقة" بتعقيدات الضفة والقدس، والحدود المشتركة، والوصاية الهاشمية، وشبكة علاقات أمنية وسياسية تجعل دوره ضرورة في أي تصور واقعي للاستقرار.

وحتى لا يساء الفهم: ليست هذه دعوة إلى توزيع أدوار بين دولة تدفع وأخرى تواجه، بل إلى تفاهم استراتيجي يجعل منع الضم والتهجير وتغيير الوضع القائم في القدس مصلحة إقليمية مشتركة، فلا يبقى الأردن وحيدا أمام التداعيات المباشرة، ولا تجد السعودية نفسها أمام ترتيبات إقليمية تصمم على حساب الدولة الفلسطينية أو استقرار جوارها.

وفي هذا السياق، تصبح ورقة التطبيع السعودي-الإسرائيلي إحدى أدوات التأثير في شكل الإقليم القادم، لكن قيمتها ليست في التلويح بها، بل في ربط أي تقدم فيها بالتزامات إسرائيلية فعلية تمنع الضم وتحفظ إمكانية قيام الدولة الفلسطينية، وهي ورقة ليست مفتوحة إلى ما لا نهاية، فواشنطن قد تسعى إلى تسوية إقليمية تسبق الحل الفلسطيني بدلا من أن تنتج عنه.

من هنا، فقد يحتاج الأردن إلى تفاهمات مسبقة، "مسبقة فعلا"، مع القاهرة والرياض، وإلى توظيف العلاقات الأوروبية والأميركية، حتى لا يتحول الاعتراض العربي إلى بيانات مشتركة تصدر– كالعادة- بعد أن تصبح الوقائع غير قابلة للعكس.

أما في داخل المشهد الأردني، فالاستعداد لا يقف عند الخطط الأمنية وحسب، فالأمن المائي ومشروع الناقل الوطني، وسلاسل الإمداد، والقدرة الاقتصادية على تحمل صدمات الحدود والتجارة والسياحة، كلها عناصر في معادلة الصمود السياسي، وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع تصبح ضرورة لا ترفا، حين يشعر الأردنيون أن ما يحدث غرب النهر يمس حاضرهم ومستقبلهم. وربما أكثر ما يحتاجه الأردن اليوم هو أن يتحرر من انتظار انتخابات إسرائيلية تنتج حلا، فهي لن تنتجه، وأن يبني سياسة تجعل كلفة تهديد مصالحه أعلى من مكاسب أي حكومة إسرائيلية تفكر في ذلك.

في المحصلة، الدول لا تختار جيرانها، ولا حكومات جيرانها، لكنها تستطيع أن تمنع الآخرين من تحويل جغرافيتها إلى مساحة مفتوحة لمشاريعهم.

وحينها... يصبح أمن الأردن جزءا حيويا من معادلة الاستقرار الإقليمي، لا مجرد نتيجة لها.

font change