في نصوص الكاتبة الجزائرية غزلان تواتي، لا تصرخ النساء. يخترن الصمت، أو هدوءا يشبه البرود أحيانا، ومع ذلك يدفعن ثمن حريتهن وحيدات دائما: امرأة تريد شقة تسكنها بمفردها، أخرى تريد أن تسمي مولودها كما تشاء، وثالثة تريد أجرا عن عمل ظلت تؤديه مجانا طوال عمرها. غزلان تواتي، القاصة الجزائرية صاحبة مجموعتين قصصيتين هما "توقيت غير مناسب لشراء السمك" و"النساء لا يفعلن ذلك"، لا تكتب عن الجسد بوصفه فكرة تناقش، إنما بوصفه موضعا يقع عليه الفعل، وعن الحرية بوصفها احتمالا يفتح أو يغلق في كل قصة على حدة. هنا حوار "المجلة" معها.
حين تكتبين عن الجسد، هل تصنعين مصالحة معه أم تفتحين فيه جرحا جديدا في كل مرة؟
لا هذا ولا ذاك، لكن في الوقت نفسه هو هذا وذاك، لأن الجسد هو محل ومفهوم في آن واحد. إذا اخذته على أنه مفهوم فهو يخضع إلى دراسة معمقة، لعل مكانها ليس الأدب، لأنه ليس الأداة المناسبة لتحليل أي شيء كان، إنما مكانه البحث الفلسفي أو الأنثروبولوجي أو غيره. أما إذا أخذته كمحل، فهو آلة للفعل وللتلقي، إذن من غير المنصف أن نتحدث عن الحرية دون الجسد ومن غير المنصف أيضا حصرها فيه فقط، وهذا ما حاولت قدر الإمكان التعبير عنه ووصفه دون تحليل أو تقديم قرائن أو براهين، هذا ليس عمل الأديب، وبالتالي لا أقول مصالحة ولا أقول فتح جرح، أقول فقط ما يقع على الجسد ومنه.
لحظة تحرّر
أكثر من امرأة في كتاباتك تقول بصيغ مختلفة "جسدي ملكي وحدي"، لكنها تدفع الثمن وحيدة دائما، هل هذا الثمن الفردي المتكرر اعتراف منك بأن التضامن النسائي الحقيقي وهم لم تعثري عليه بعد في الواقع؟
من الطبيعي ألا أبحث عن التضامن، لأن القطار الذي يأتي في التوقيت المعلن لا أحد يذكره، أنا ميالة إلى التفكير فيما هو غير موجود لكنه ممكن. كل إنسان بغض النظر عن كونه امرأة أو رجلا يدفع ثمن حريته بشكل ما، المرأة تدفع كلفة أكبر لأنها تأخرت كثيرا في العمل لأجل حريتها، هذا ما أقصد، أحيانا، في بعض القصص، لكن غالبا ما تأخذ القصة، خاصة في المجموعة الأولى، طريقها الوعر نحو الرفض أولا، رفض لقانون جائر، لأسرة متسلطة، لسلوك اجتماعي سائد مثل قصة "الشقة" ومحاولة إيجاد حلول إما بالاحتيال على التفاهم الاجتماعي، مع الإدراك التام أن ما تفعله ليس أخلاقيا. لكن بالمقابل هل ما يفعله المجتمع بحقها أخلاقي؟ أو قبول الخضوع للقانون ودفع الثمن وهذا ما يجب إذا ما أراد أي إنسان أن يظفر بحقه ثم فيما بعد بحرية ما.
حين تصنعين للمرأة لحظة تحرر أو مقاومة، تختارين غالبا أن تكون هادئة، شاعرية، شبه صامتة، لا صرخة ولا مواجهة مباشرة. ألا تخشين أن هذا الاختيار الجمالي يكرس، دون قصد، نفس صورة "الأنوثة النبيلة الهادئة" التي تحاولين تفكيكها في نصوص أخرى؟
أولا أفضل عدم استعمال لفظ أنوثة/ أنثى لأنه تحديد بيولوجي بحت لا تختلف فيه أنثى الإنسان عن أنثى أي حيوان آخر، ثم أن الصراخ مجرد عادة وسلوك، فلا هو ضد للنبل ولا للأخلاق مثلما أن الهدوء أيضا عادة وسلوك وليس نبلا ولا أخلاقا.



