حين يصبح المشهد العابر سؤالا في قصص غدير أبو سنينةhttps://www.majalla.com/node/333515/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D9%88%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9/%D8%AD%D9%8A%D9%86-%D9%8A%D8%B5%D8%A8%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D8%A8%D8%B1-%D8%B3%D8%A4%D8%A7%D9%84%D8%A7-%D9%81%D9%8A-%D9%82%D8%B5%D8%B5-%D8%BA%D8%AF%D9%8A%D8%B1-%D8%A3%D8%A8%D9%88-%D8%B3%D9%86%D9%8A%D9%86%D8%A9
تكشف قصص الفلسطينية غدير أبو سنينة عن اهتمام بفنون الحكي، وبالعلاقات التي تنشأ بين الشخصيات ومحيطها الاجتماعي والثقافي، إذ تتنوع اهتماماتها الكتابية بين التقاط المشاهد اليومية وصوغ المواقف ذات الطابع الإنساني، مع عناية بتشكيل الشخصيات وتطوير مساراتها داخل النص.
تأتي مجموعتها "سيقان حول منزل السيد إكتور"، الصادرة عن “دار مرفأ” في بيروت (2026)، حاملة عنوانا إشكاليا، يدعو إلى اكتشاف عالمها القصصي والتعرف إلى خياراتها الفنية في الكتابة. حيث تتوزع المجموعة على تسع عشرة قصة، تتفاوت في أحجامها وأساليبها، وتتنقل بين نيكاراغوا والمكسيك وكوبا وتشيلي وفلسطين وأمكنة أخرى، ضمن فضاء جغرافي تتداخل فيه الهجرات والعادات والتاريخ الشخصي. ومن خلال هذا التنوع، تبتعد الكتابة عن حصر الحكاية في بيئة واحدة، وتفتحها على تجارب بشرية تتشابه في هشاشتها، حتى مع اختلاف لغاتها ومرجعياتها الثقافية.
تقوم قصص المجموعة على التقاط مشاهد تبدو عابرة، ثم إعادة ترتيبها ضمن بناء سردي يكشف ما يختبئ خلفها من تناقضات ودلالات. فقد تنطلق القصة من قالب حلوى، أو حذاء شتوي، أو منزل قديم، أو لقاء في مقهى، ثم تتسع الحكاية تدريجيا لتلامس قضايا السلطة والرغبة والفقد والذاكرة والعدالة. وتتحرك الشخصيات داخل هذه العوالم وفق دوافع متعددة، تجمعها حاجتها إلى الاعتراف والأمان والحب والنجاة، فتتحول رغباتها ومخاوفها إلى قوى تحرك مسار الحكاية وتدفعها نحو مآلات مختلفة.
الجسد في مواجهة المكان والسلطة
يحمل عنوان المجموعة طاقة تصويرية جلية، إذ يجمع بين عضو جسدي ومكان محدد وشخصية تحمل لقبا اجتماعيا، فتثير هذه العناصر مجتمعة سؤالا عن طبيعة العلاقة بين الأجساد والبيت، وبين من يملكون المكان ومن يعملون فيه أو يمرون في محاذاته. فالمنزل في القصة التي تحمل عنوان المجموعة الرئيس، يرتبط بشخصية السيد إكتور، وبمجموعة من النساء والرجال الذين تتقاطع أعمالهم وحياتهم معه. ومن هنا، يتجاوز العنوان وظيفته التعريفية، ليصبح مفتاحا لقراءة شبكة من العلاقات تتداخل فيها المهنة والرغبة والنظرة الاجتماعية والامتياز.
تتكرر صور الجسد في المجموعة، غير أن حضوره يتجاوز الوصف الخارجي إلى علاقته بالعمل والذاكرة والسلطة
تتكرر صور الجسد في المجموعة، غير أن حضوره يتجاوز الوصف الخارجي إلى علاقته بالعمل والذاكرة والسلطة، ففي "سيقان حول منزل السيد إكتور"، يتحول إلى أداة مهنية لدى إيسولدا، التي ورثت عن جدتها طريقة إعداد قوالب الطوب. وفي مشهد آخر، يرسم جسد آنا ماريا ضمن لوحة مخصصة لمنزل السيد إكتور، فيتحول إلى موضوع فني مرتبط بالمال والذوق والمكانة.
تتيح هذه المشاهد قراءة الجسد باعتباره مساحة تتصارع فيها الإرادة الشخصية مع نظرة المجتمع، فالنساء في القصة يمتلكن طرائق مختلفة للتعامل مع ما يفرضه المحيط، سواء عبر السخرية، أو الاستقلال الاقتصادي، أو وضع الحدود. ويتيح توزيع الشخصيات حول المنزل بناء صورة اجتماعية مركبة، تتداخل فيها السلطة الاقتصادية مع الرغبة، وتظهر فيها الفوارق من خلال جزئيات الحياة اليومية.
أسطح المنازل والمباني في حي هافانا القديمة بالعاصمة الكوبية عند غروب الشمس، 22 يونيو 2026
تحتل الأمكنة موقعا بارزا في المجموعة، فهي ترتبط بحركة الشخصيات ومصائرها، وتؤثر في طبيعة العلاقات التي تنشأ بينها، ففي قصة "موتيل"، يقيم إميليانو والأخوات الثلاث مشروعا خاصا يتيح لهم بناء حياة أخرى وسط ظروف اقتصادية واجتماعية متداخلة، ويتحول الموتيل إلى مساحة للعمل والرغبة، ويكتسب تصميمه الداخلي، بما فيه من مرايا وستائر وممرات، دلالة تتجاوز وظيفته المعمارية. فالمكان هنا ينظم حركة الأجساد، ويحدد ما يمكن رؤيته وما ينبغي حجبه، ويصبح جزءا من منظومة تجمع الحماية والخطر في آن واحد.
وفي قصة "شارع موجود في كل حي"، تتأسس الحكاية على بيتين متجاورين، تفصل بينهما أسوار وأشجار، فيما يعيش صاحبا المنزلين سنوات من دون لقاء مباشر. وعندما يتحول البيت المقابل إلى مكان للحفلات، تتبدل طبيعة الجوار، ويصبح المكان سببا في أول مواجهة بين الشخصيتين. وتكشف القصة كيف يمكن حدود الملكية أن تتحول إلى حدود اجتماعية ونفسية، وكيف يتعايش الناس مع بعضهم من مسافة قريبة، مع احتفاظ كل طرف بعالمه الخاص.
أما في قصة "عرافة هافانا"، فيتصل المكان بالهجرة والذاكرة والهوية، إذ تتحول نافذة في أحد مباني هافانا القديمة إلى مساحة لقاء بين الراوي والعرافة، وتتداخل فيها آثار التاريخ الاستعماري مع حضور المهاجرين وثقافاتهم، فيما تتخذ أوراق التاروت وظيفة تتصل بالحاجة إلى الطمأنينة وتفسير المجهول.
وترتبط قصص عدة في المجموعة بتجارب الهجرة والاغتراب، إذ تحمل الشخصيات أسماء متعددة وذكريات متباينة، وتعيد بناء حياتها في أمكنة بعيدة عن موطنها الأول. وتظهر هذه المسألة بوضوح في قصة "كان اسمها نيليا"، التي تتناول حكاية رجل فلسطيني هاجر إلى أميركا اللاتينية، وارتبطت ذاكرته بحبيبته الكوبية، فتنتقل الحكاية بين فلسطين ونيكاراغوا وكوبا، وتكشف كيف يمكن لاسم شخص أن يتحول إلى ذاكرة عائلية ممتدة، تنتقل بين الأجيال حتى بعد رحيل صاحب الحكاية.\
أطفال يسيرون في باحة منزل فلسطيني في جنين شمال الضفة الغربية المحتلة، حيث اعتقلت القوات الإسرائيلية آخر اثنين من الأسرى الفلسطينيين الستة الذين فروا عبر نفق من سجن جلبوع الإسرائيلي، 19 سبتمبر 2021
وتكتسب قصة "نيليا" خصوصيتها من التوتر بين الاسم والهوية، فالاسم الذي اختاره الأب لابنته يرتبط بحب قديم، فيما تواجه الابنة واقعا اجتماعيا يجعلها تشعر بالغربة عن اسمها. وعندما تصل إلى نيكاراغوا، تعيش فترة تستعيد فيها إحساسها بذاتها، وتتحرك بحرية أكبر، كأن الرحلة تتيح لها تجربة حياة أخرى، غير أن المرض والموت يعيدان الحكاية إلى سؤال الفقد، ويكشفان أثر الذاكرة في تشكيل الحاضر. وتصبح الهجرة هنا أكثر من انتقال جغرافي، إنها محاولة لاستعادة جزء من الذات، أو إعادة ترتيب علاقة الفرد بماضيه.
يتيح هذا التنوع في تقنيات السرد الانتقال بين المشهد المكثف والحكاية الممتدة، وبين السرد المباشر والتأمل، دون التزام قالب واحد
وفي قصة "لقاءات جعفر" تتخذ الهجرة مسارا مختلفا، إذ تتحرك الشخصية بين احتمالات مستقبلية ولقاءات تتعثر بفعل المصادفة، إذ تمنح الكاتبة الحكاية بنية قائمة على الاحتمال والتوقع، فتجعل القارئ أمام حياة تتشكل من منعطفات صغيرة قد تغير مسارها. وتظهر الهجرة بوصفها تجربة تتصل بالتعليم والعمل والحب، لكنها تظل مفتوحة على تقلبات الواقع.
تعدد الأصوات وتغيير زاوية الرؤية
تتنوع البنية السردية في المجموعة بين القصة ذات الراوي الواحد، والحكاية التي تتوزع على أصوات متعددة، والنصوص القصيرة التي تقوم على التتابع أو التقطيع، مما يمنح المجموعة استقلالية داخلية، بحيث تتشكل كل قصة وفق طبيعة مادتها وشخصياتها، ففي قصة "الصفقة" تتناوب أصوات ماوريسيو ومايوسكا ونتاليا وإنغريد، ويتيح هذا التعدد الاطلاع على اختلاف وجهات النظر داخل الأسرة الواحدة، فما يراه أحدهم تضحية أو عبئا، قد يراه الآخر فرصة أو شكلا من أشكال الانتماء.
وفي "قصة قصيرة جدا" تتخذ الكتابة شكلا مختلفا، إذ تأتي الحكاية عبر ملاحظات مرتبطة بصفحات رواية، تتداخل فيها القراءة مع علاقة عاطفية تتطور بمرور الوقت، ويصبح النص مساحة لتأمل العلاقة بين الكاتب والقارئ، وبين العمل الأدبي والحياة التي يقرأها الإنسان من خلاله.
يعكس هذا التنوع في تقنيات السرد اهتماما بتغيير زاوية النظر إلى الحدث، وإتاحة المجال أمام أصوات مختلفة كي تكشف جوانب متعارضة من الواقعة نفسها. كما يتيح الانتقال بين المشهد المكثف والحكاية الممتدة، وبين السرد المباشر والتأمل، من دون التزام قالب واحد.
تقدم قصة "تحدثنا عن صحراء أتاكاما" نموذجا لاقتصاد اللغة وبناء المفارقة الفكرية، إذ تتحرك الحكاية في فضاء صحراوي قاحل، تنشغل فيه مجموعة من الأشخاص بوصف ما تراه وتتبادل المعلومات عن الحيوانات والنباتات والمناخ. غير أن هذا الانشغال بالمعرفة الجاهزة يحجب عنهم ما يحدث أمامهم، إلى أن يتدخل الرجل الصامت ويكشف لهم مشهدا مختلفا. ويتكثف هذا التحول في المقطع: "كانت ألسنتنا باردة مثل كلماتنا، وأخرجنا قوارير المياه الصحية من أمتعتنا".
تختصر هذه العبارة التوتر القائم بين المعرفة والتجربة، فالبرودة تنتقل من الألسنة إلى الكلمات، فتمنح اللغة نفسها صفة الجمود، وكأنها فقدت قدرتها على ملامسة الواقع. وتتحول الكلمات إلى معلومات محفوظة تتكرر خارج التجربة، فيما يظل العالم الحقيقي أمام المجموعة محتفظا بمفاجآته. وفي خاتمة القصة، يظهر الرجل الصامت بوصفه الأكثر قدرة على التقاط ما يغيب عن الآخرين، حين يشير إلى الشلال المتشكل من ساق الصبار، بينما يندفع أفراد المجموعة نحوه.
صبار خلال موسم الإزهار في صحراء أتاكاما قرب كوبيابو في تشيلي، 23 سبتمبر 2022. وأعلن الرئيس التشيلياني غابرييل بوريتش إنشاء متنزه وطني لحماية ظاهرة ازهار الصحراء النادرة
ومن هذا الانشغال بالكيفية التي ترى بها الشخصيات العالم، تنتقل المجموعة إلى سؤال آخر يتصل بما يتركه الموت في الذاكرة والعلاقات. فالموت يمتد من حدث يضع حدا للحياة إلى قوة تستمر في تشكيل سلوك الشخصيات ووعيها ومواقفها. وفي "أردت أن أناديه أبي"، يتأسس السرد على التباس معنى الأبوة، إذ يبحث الراوي عن صورة الأب في وجوه رجال القرية، ثم يجد في علاقته بالعم راؤول معنى يتجاوز حدود القرابة. وحين يموت الأب والأم، تستمر زيارة القبور، غير أن طقوس الراوي مع والديه تختلف عن طريقته في مخاطبة العم راؤول، فتتسع الأبوة هنا لتصبح علاقة وجدانية تتشكل من الذاكرة والمرافقة والاعتراف.
وفي قصة "حذاء" يصبح الحذاء الشتوي مدخلا إلى ذاكرة الجد، وإلى علاقة الحفيد بنفسه وبالماضي، ويتحول فعل فك الأربطة إلى حركة سردية تستدعي أصواتا وصورا من العائلة، حتى يظهر الجد الميت في مشهد تتداخل فيه الفكاهة مع الحزن. أما قصة "لو كانت عماتي مثل أندريا"، فتتناول الحداد من زاوية اجتماعية وعائلية، وتكشف التباين بين الحزن المعلن والحياة التي تستمر في تفاصيلها، فمن خلال الصور والملابس والاحتفال بعيد الميلاد، تظهر قدرة العائلة على إدخال الغائب في طقوس الحاضر، مع بقاء التناقضات الإنسانية جزءا من التجربة.
اقتصاد العبارة واتساع الدلالة
تقوم لغة المجموعة على وضوح العبارة وتنوع إيقاعها، مع ميل إلى الحوار والتفاصيل الحسية، واستخدام التكرار حين يخدم بناء المشهد. وتظهر العناوين بوصفها جزءا من استراتيجيا السرد، فبعضها يحدد شخصية أو مكانا، وبعضها يثير سؤالا، وبعضها يلمح إلى مفارقة لا تتضح إلا بعد القراءة.
تقدم المجموعة قراءة قصصية لعالم تتجاور فيه الرغبة مع الخوف، والذاكرة مع النسيان، والاحتفال مع الفقد
ومن السمات اللافتة في المجموعة، أن الكاتبة تترك مساحة للقارئ كي يعيد تركيب الوقائع، خصوصا في القصص التي تعتمد على النهايات المفاجئة أو الأصوات المتعددة، إذ تأتي بعض الخواتيم مقتضبة، لكنها تفتح بابا لتأويل ما سبقها، فيما تعتمد قصص أخرى على تراكم المفردات والمشاهد حتى تصل إلى لحظة الكشف. وتمنح الكاتبة شخصياتها مساحات متباينة للتعبير عن رغباتها ومخاوفها، وتبني من اختلاف الأمكنة والأصوات شبكة من الحكايات تتقاطع في هشاشة التجربة الإنسانية. وتأتي المفارقة والسخرية وتعدد الأصوات أدوات لتوسيع زاوية النظر إلى الوقائع، فيما يظل المكان حاضرا بوصفه قوة تشكل العلاقات والمصائر.
ومن خلال هذا البناء المتنوع، تقدم المجموعة قراءة قصصية لعالم تتجاور فيه الرغبة مع الخوف، والذاكرة مع النسيان، والاحتفال مع الفقد. وتكمن طاقتها في تحويل المشهد العابر إلى سؤال، والتفصيل البسيط إلى علامة، والحكاية الفردية إلى مساحة للتأمل في علاقات البشر بأنفسهم وبالآخرين.