هل يصبح البحر المتوسط طريق الحرير الجديد للبيانات؟

الكابلات البحرية تمنح أوروبا طريقا لمنافسة الصين على بنية الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي

أ.ف.ب
أ.ف.ب
كابل كهربائي بحري وألياف ضوئية، من شركة ERDF (شبكة توزيع الكهرباء الفرنسية) وشركة لويس دريفوس، بين كيبروان وبيل إيل أون مير، غرب فرنسا، 11 مارس/آذار 2015

هل يصبح البحر المتوسط طريق الحرير الجديد للبيانات؟

بين "مبادرة الحزام والطريق" الصينية و"البوابة الشاملة" الأوروبية تجد منطقة شمال أفريقيا نفسها وسط تقاطع مصالح الاتحاد الأوروبي والصين، حول طريق الحرير الرقمي، ومستقبل الذكاء الاصطناعي، ومراكز بيانات الحوسبة الفائقة السرعة.

وأصبح البحر الأبيض المتوسط، أو Mare Nostrum، الذي شكّل عبر التاريخ فضاء مشتركا بين حضارات أوروبا وشمال أفريقيا والشرق الأوسط، ممرا استراتيجيا متزايد الأهمية في خريطة الاقتصاد والتكنولوجيا الجديدة، مستفيدا من موقعه عند تقاطع طرق التجارة والطاقة والاتصالات بين الشرق والغرب.

ومع إغلاق مضيق هرمز وتعطل أحد أهم شرايين الطاقة والتجارة العالمية، أعاد المشهد رسم خريطة الممرات الاستراتيجية، ودفع الأنظار مجددا نحو المتوسط والشرق الأوسط بوصفهما حلقة وصل بين آسيا وأوروبا وأفريقيا. فالمنافسة تخطت السيطرة على الموارد، لتمتد إلى الموانئ والممرات البحرية والبنية التحتية اللوجستية والكابلات البحرية ومراكز البيانات، أي حول من يمتلك القدرة على التحكم في تدفقات التجارة والبيانات والطاقة والبنية التحتية التي تقوم عليها أجزاء متزايدة من الاقتصاد العالمي.

وجاء الالتفات الأوروبي إلى الأهمية الجيوستراتيجية والاقتصادية-التجارية للبحر المتوسط متأخرا بسنوات عن التحول الصيني الذي أعاد رسم خرائط الممرات التجارية والبنية التحتية العالمية.

الصين تمد أذرعها الاقتصادية وتسبق أوروبا بنحو عقد

في خريف عام 2013، وبعد أشهر قليلة من توليه الرئاسة، طرح الرئيس الصيني شي جين بينغ رؤيته لربط الصين بالأسواق العالمية عبر شبكات من البنية التحتية والممرات البرية والبحرية.

وفي 7 سبتمبر/أيلول 2013، وخلال خطاب ألقاه في جامعة نزارباييف في أستانا، اقترح شي بناء "الحزام الاقتصادي لطريق الحرير"، داعيا إلى تعزيز التواصل في السياسات، وتحسين الربط البري، وتسهيل التجارة، وتعزيز حركة العملات والتواصل بين الشعوب.

أصبحت مبادرة الحزام والطريق تشمل 151 اقتصادا، موزعة بين أفريقيا جنوب الصحراء والشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأوروبا وآسيا والمحيط الهادئ وأميركا اللاتينية والكاريبي

وبعد أقل من شهر، في 3 أكتوبر/تشرين الأول، وخلال خطاب أمام البرلمان الإندونيسي في جاكرتا، اقترح بناء "طريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين"، داعيا إلى تعزيز التعاون البحري مع دول رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) وتطوير شراكات بحرية مشتركة.

وهكذا، تبلورت في خريف 2013 الركيزتان البرية والبحرية لما أصبح لاحقا مبادرة الحزام والطريق، التي تستند إلى فكرة تعزيز الترابط في البنية التحتية والنقل والتجارة والتمويل بين الصين وآسيا وأوروبا وأفريقيا. وسرعان ما تجاوز نطاق المبادرة محيط الصين الجغرافي، لتتحول إلى شبكة عالمية من مشاريع البنية التحتية والتجارة والتمويل تربط آسيا بأوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط وأميركا اللاتينية.

وفي السنوات الأخيرة، أصبحت المبادرة تشمل 151 اقتصادا، موزعة بين أفريقيا جنوب الصحراء والشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأوروبا وآسيا والمحيط الهادئ وأميركا اللاتينية والكاريبي، حسب بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

أما من حيث التمويل، فقدرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في مرحلة مبكرة أن مشاريع البنية التحتية المرتبطة بالمبادرة قد تستقطب أكثر من تريليون دولار من التمويل الخارجي خلال عقد. وفي نهاية عام 2025، بلغت قيمة الاستثمارات وعقود الإنشاءات الصينية المرتبطة بالمبادرة نحو 1.4 تريليون دولار، وفق بيانات مركز التمويل الأخضر والتنمية (Green Finance & Development Center).

أ.ف.ب
موظفو شركة أورانج مارين يعملون على تركيب كابل اتصالات بحري فائق السرعة "SEA-ME-WE 5" الذي يربط سنغافورة بفرنسا، 1 مارس/آذار 2016

وبالنسبة إلى أفريقيا، برز الحضور الصيني بقوة في مشاريع البنية التحتية والنقل واللوجستيات، بما في ذلك الموانئ والطرق والسكك الحديد، في وقت تزايد فيه اهتمام بكين بتأمين إمدادات المعادن الحيوية التي تحتاجها الصناعات الحديثة. ولا يقتصر الأمر على العناصر الأرضية النادرة، بل يشمل معادن استراتيجية مثل النحاس والكوبالت والليثيوم والمنغنيز والغرافيت، التي تعد أساسية لسلاسل توريد البطاريات والطاقة والتقنيات المتقدمة. وتكتسب هذه العلاقة أهمية إضافية لأن أفريقيا تمتلك حصصا كبيرة من الموارد المعدنية الحيوية عالميا، بينما لا تزال تستحوذ على حصة محدودة من القيمة المضافة الناتجة من معالجتها وتصنيعها.

وأظهر تقرير "مبادرة الحزام والطريق: الاستثمارات والمشاركة الإنشائية الصينية في النصف الأول من  2026"، الصادر عن مركز آسيا والمحيط الهادئ للتحولات الصناعية التابع لجامعة كوينزلاند الأوسترالية بالتعاون مع مركز التمويل الأخضر والتنمية بجامعة فودان الصينية، أن أفريقيا استحوذت على 67.2 في المئة من إجمالي الاستثمارات الصينية في دول مبادرة الحزام والطريق خلال النصف الأول من عام 2026.

وبلغت الاستثمارات الصينية في دول القارة المشاركة في المبادرة نحو 33.5 مليار دولار خلال النصف الأول من 2026، بزيادة 254 في المئة على أساس سنوي، وهو أعلى مستوى مسجل في أفريقيا منذ إطلاق مبادرة الحزام والطريق عام 2013.

كرد أوروبي على تنامي النفوذ الصيني في البنية التحتية والممرات التجارية العالمية، أطلق الاتحاد الأوروبي في كانون الأول/ديسمبر 2021 استراتيجيا "البوابة العالمية" (Global Gateway)

ويتولى بنك التنمية الصيني (China Development Bank) دورا رئيسيا في تمويل مشاريع مبادرة الحزام والطريق. وفي عام 2015، قال البنك إنه يتابع أكثر من 900 مشروع في نحو 60 دولة، تبلغ قيمتها الإجمالية نحو 890 مليار دولار.

أهمية البعد الرقمي

لا يقتصر التوسع الصيني على البنية التحتية المادية للحزام والطريق، فقد أضافت بكين بعدا رقميا متزايدا إلى المبادرة عبر "طريق الحرير الرقمي"، الذي يشمل الاتصالات ومراكز البيانات والحوسبة السحابية، وصولا إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

وتتيح هذه المنظومة للشركات الصينية تصدير البنية التحتية والحلول الرقمية والنماذج الذكية إلى دول الجنوب العالمي، بما يعزز حضورها التكنولوجي في الأسواق الناشئة. وتشير تقديرات إلى أن الشركات الصينية استثمرت أكثر من 22 مليار دولار في البنية التحتية الرقمية المرتبطة بالمبادرة بين 2017 و2023، أو أقرضت وتعاقدت، فيما ترصد قاعدة بيانات "آيدداتا" (AidData) و"رند" (RAND) نحو 4.5 مليار دولار من المشاريع الصينية المدعومة رسميا لتصدير تقنيات الذكاء الاصطناعي أو البنية التحتية اللازمة لها إلى 65 دولة منخفضة ومتوسطة الدخل خلال 2000–2017.

هل كان الرد الأوروبي متأخرا؟

كرد أوروبي على تنامي النفوذ الصيني في البنية التحتية والممرات التجارية العالمية، أطلق الاتحاد الأوروبي في كانون الأول/ديسمبر 2021 استراتيجيا "البوابة العالمية" (Global Gateway)، التي تستهدف تعبئة ما يصل إلى 300 مليار يورو من الاستثمارات بين عامي 2021 و2027 في قطاعات رئيسة هي البنية التحتية الرقمية، والمناخ والطاقة، والنقل، إلى جانب الصحة، والتعليم والبحث العلمي.

أ.ف.ب
موقع ألكاتيل للشبكات البحرية (Alcatel Submarine Networks) لتصنيع أسلاك التدريع الخاصة بكابلات الألياف الضوئية في كاليه شمال فرنسا، 9 ديسمبر/كانون الأول 2022

وخصص الاتحاد نحو 150 مليار يورو لأفريقيا ضمن حزمة الاستثمار بين أفريقيا وأوروبا، أي ما يقارب نصف إجمالي الاستثمارات المستهدفة.

ولعب البنك الأوروبي للاستثمار (EIB) دورا محوريا في الجانب التمويلي من "البوابة العالمية"، عبر القروض والضمانات والاستثمارات الموجهة إلى مشاريع في الدول الشريكة، بهدف تعزيز الاتصال والبنية التحتية والتنمية الاقتصادية والشراكات الخارجية للاتحاد الأوروبي. وامتدت مشاريع المبادرة إلى أفريقيا وآسيا والمحيط الهادئ وأميركا اللاتينية والكاريبي، فضلا عن دول الجوار والشرق الأوسط.

عند إطلاق "البوابة العالمية" في ديسمبر/كانون الأول 2021، كان الذكاء الاصطناعي غائبا بوصفه محورا مستقلا عن أجندة المبادرة الخارجية

وبعد نحو أربع سنوات من إطلاقها، حققت "البوابة العالمية" تقدما تجاوز الهدف الأصلي الذي حدده الاتحاد الأوروبي. ففي المنتدى الثاني للمبادرة، الذي عقد في بروكسيل في 9 و10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، في حضور 12 رئيس دولة وحكومة وأكثر من 70 وزيرا من مختلف أنحاء العالم، أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أن "فريق أوروبا" (Team Europe) حشد أكثر من 306 مليارات يورو من الاستثمارات خلال أربع سنوات، متجاوزا بذلك الهدف الأصلي (البالغ 300 مليار يورو في 2027 الذي سبق وأشرنا إليه). وقالت فون دير لاين إنها تتوقع أن يتجاوز إجمالي الاستثمارات التي تحشدها المبادرة 400 مليار يورو في عام 2027.

لكن المبادرة واجهت منذ إطلاقها انتقادات شككت في مدى "جدتها" التمويلية، إذ رأى باحثون أن جزءا كبيرا من رقم الـ300 مليار يورو المعلنة يجمع أدوات وموارد أوروبية قائمة أصلا تحت مظلة جديدة، بما جعل البعض يصفها بأنها إعادة تغليف لسياسات ومساعدات إنمائية سابقة أكثر من كونها تمويلا جديدا بالكامل.

كما أثار إشراك القطاع الخاص وتوجيه الاستثمارات نحو مشاريع تفتح أسواقا وفرصا أمام الشركات الأوروبية تساؤلات حول مدى توازن أهداف التنمية مع المصالح الاقتصادية والجيوسياسية للاتحاد الأوروبي.

وخلصت دراسة  "من المستفيد من البوابة العالمية؟ الاستراتيجيا الجديدة للاتحاد الأوروبي للتعاون الإنمائي"، التي أعدتها منظمة "أوكسفام" وشبكة "يوروداد" (Eurodad) الأوروبية، ومنظمة "كاونتر بالانس" (Counter Balance) البلجيكية ونُشرت في أكتوبر/تشرين الأول 2024، إلى أن 60 في المئة من المشاريع التي حللتها، استفادت منها شركة أوروبية واحدة على الأقل.

رويترز
عمال يقومون بتركيب كابل 2Africa البحري على ساحل في أمانزيمتوتي بجنوب أفريقيا، 7 فبراير/شباط 2023

وأثارت آلية حوكمة "البوابة العالمية" انتقادات من منظمات المجتمع المدني في دول الجنوب، إذ لفتت دراسة "من المستفيد من البوابة العالمية؟ الاستراتيجيا الجديدة للاتحاد الأوروبي للتعاون الإنمائي" إلى أن دول الجنوب العالمي استُبعدت من تصميم المبادرة وحوكمتها وتحديد أولوياتها منذ إطلاقها، وأن قرارات اختيار المشاريع وتخصيص الموارد تُتخذ بصورة أساسية من جانب مؤسسات الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء. ونقلت الدراسة عن الشبكة الأفريقية للديون والتنمية (AFRODAD) أن المبادرة لا توفر آليات كافية للمشاركة الفعلية للدول النامية، رغم تقديمها نفسها بوصفها شراكة مع هذه الدول.

تأخر الاهتمام بالذكاء الاصطناعي

عند إطلاق "البوابة العالمية" في ديسمبر/كانون الأول 2021، كان الذكاء الاصطناعي غائبا بوصفه محورا مستقلا عن أجندة المبادرة الخارجية. فعندما أطلق الاتحاد الأوروبي المبادرة، كان تركيزها الرقمي منصبا أساسا على توفير اتصال آمن وموثوق به، وتطوير البنية التحتية الرقمية والمهارات والتحول الرقمي.

ومع تسارع سباق الذكاء الاصطناعي، لم تعد الألياف ومراكز البيانات وحدها كافية، فالحوسبة العالية الأداء، والبيانات، والمهارات والنماذج أصبحت بدورها أصولا استراتيجية. وهكذا بدأ الذكاء الاصطناعي يدخل تدريجيا في مشاريع "البوابة العالمية"، بالتوازي مع سعي أوروبا إلى تعزيز استقلاليتها الاستراتيجية، ونشر نموذجها القائم على الذكاء الاصطناعي الموثوق، وبناء شراكات رقمية قادرة على منافسة النفوذ التكنولوجي المتنامي للولايات المتحدة والصين.

في 3 ديسمبر/كانون الأول 2024، وقّعت المفوضية الأوروبية اتفاقا مع "سمارت أفريكا" (Smart Africa) ضمن "البوابة العالمية". وهنا ظهر الذكاء الاصطناعي للمرة الأولى بشكل صريح في أجندة التعاون الأفريقي

دخل الأوروبيون غمار المنافسة الرقمية مع الصين بتأخر أكثر من عقد. وقالت فون دير لاين، خلال منتدى "البوابة العالمية" في أكتوبر/تشرين الأول 2025: "نحن جميعا نتكيف مع حقائق هذا الاقتصاد الجديد. ونسعى إلى تعزيز استقلاليتنا في القطاعات الاستراتيجية، من الطاقة النظيفة إلى الذكاء الاصطناعي". وأضافت أن السبيل إلى المضي قدما هو عبر الشراكات"، مؤكدة أن قوة أوروبا تعتمد على "تنويع علاقاتها".

حصل أول انتقال واضح مع تحالف الاتحاد الأوروبي–أميركا اللاتينية والكاريبي الرقمي (EU-LAC Digital Alliance)، الذي أُطلق في مارس/آذار 2023 بدعم من  "البوابة العالمية". كان في البداية إطارا واسعا للتحول الرقمي، إنما أدخل الذكاء الاصطناعي إليه تدريجيا. ففي مارس/آذار 2024 عُقد أول حوار ثنائي بين الاتحاد الأوروبي ودول أميركا اللاتينية والكاريبي حول الذكاء الاصطناعي، ثم تلاه حوار ثانٍ في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، قبل أن تتوسع الأجندة إلى حوكمة الذكاء الاصطناعي والنماذج اللغوية الكبيرة والحوسبة العالية الأداء.

وفي 3 ديسمبر/كانون الأول 2024، وقّعت المفوضية الأوروبية اتفاقا مع "سمارت أفريكا" (Smart Africa) ضمن "البوابة العالمية". وهنا ظهر الذكاء الاصطناعي للمرة الأولى بشكل صريح في أجندة التعاون الأفريقي، إذ نص الاتفاق على التعاون في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الناشئة، إلى جانب الاتصال الآمن، الخدمات الرقمية، الأمن السيبراني والحوكمة الرقمية.

رويترز
ميناء بيرايوس، في ضاحية بيراما التابعة لمدينة بيرايوس، اليونان، 28 يناير/كانون الثاني 2025

وبدأ التحول الأكثر وضوحا في أجندة "البوابة العالمية" عندما انتقلت أوروبا من تمويل الاتصال والبنية التحتية الرقمية إلى الاستثمار في القدرات الحاسوبية اللازمة لتطوير الذكاء الاصطناعي. ففي 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، أعلنت المفوضية الأوروبية، خلال منتدى "البوابة العالمية" في بروكسيل، إنشاء شبكة الحوسبة الفائقة بين الاتحاد الأوروبي وأميركا اللاتينية والكاريبي للذكاء الاصطناعي (EU-LAC Supercomputing Network for AI)، لربط قدرات الحوسبة العالية الأداء في المنطقتين ودعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والنمذجة والمحاكاة.

وخصص الاتحاد الأوروبي أكثر من 12 مليون يورو للمبادرة، فيما تعهدت البرازيل بتوفير 50 مليون ريال برازيلي (8 ملايين يورو)، وإسبانيا بما يصل إلى مليون يورو لدعم شبكة الحوسبة الفائقة في برشلونة.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أعلنت المفوضية أن المشروع دخل مرحلة التنفيذ، بإجمالي التزامات بلغ نحو 15 مليون يورو. ويمثل المشروع تحولا نوعيا في دور "البوابة العالمية". فلم تعد البنية التحتية الرقمية تقتصر على إيصال الدول بشبكات الإنترنت، إنما أصبحت تشمل القدرة الحاسوبية والبيانات والبنية اللازمة لتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

تبرز تونس والمغرب كأبرز المستفيدين من المرحلة الأولى لـ"ميدوسا"، إذ يوفر لتونس مسارا عالي السعة ومباشرا إلى مرسيليا، فيما يفتح للمغرب عبر الناظور مسارا جديدا نحو أوروبا، بما يعزز موقع البلدين في منظومة الاتصال الرقمي بين أوروبا وأفريقيا

وفي أفريقيا، اتخذ التحول مسارا أكثر مباشرة. ففي يونيو/حزيران 2025، أطلقت المفوضية الأوروبية دعوة تمويل لمشاريع تهدف إلى توظيف الذكاء الاصطناعي التوليدي في أفريقيا، مع التركيز على تطوير حلول محلية يمكن تطبيقها في قطاعات مثل الزراعة والصحة والخدمات العامة، ودعم الشركات والابتكار المحليين. وبذلك بدأت "البوابة العالمية" تتحرك من تمويل البنية التحتية الرقمية إلى تمكين الاقتصادات الشريكة من إنتاج واستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي نفسها.

أوروبا تدخل عصر التوسع عبر بنية تحتية ذكية

البعد الأكثر أهمية بالنسبة إلى المتوسط لا يكمن فقط في مشاريع الذكاء الاصطناعي المباشرة، بل في البنية التحتية التي تجعلها ممكنة.

ففي قلب هذا التحول الاستراتيجي يقع كابل "ميدوسا" (MEDUSA) البحري، أحد أكبر مشاريع البنية التحتية الرقمية في البحر المتوسط. ويمتد نظام الكابل لأكثر من 8,700 كيلومتر، ويربط أوروبا بشمال أفريقيا، مع شبكة من نقاط الإنزال تمتد من البرتغال وإسبانيا وفرنسا وإيطاليا واليونان وقبرص إلى المغرب والجزائر وتونس وليبيا ومصر، قبل أن يتوسع شرقا نحو الأردن عبر نقطة إنزال في العقبة. ويضم النظام ما يصل إلى 24 زوجا من الألياف الضوئية، بطاقة تصل إلى 20 تيرابت في الثانية لكل زوج ألياف، وصُمم للعمل لمدة 25 عاما.

ديانا إستيفانيا روبيو

تكمن أهمية "ميدوسا" في قدرته على نقل كميات ضخمة من البيانات وفي إعادة رسم مسارات الاتصال الرقمي بين أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط. فالكابلات البحرية تحمل الغالبية العظمى من حركة البيانات الدولية، ولذلك أصبح تنويع مساراتها وتقليل الاعتماد على عدد محدود من نقاط العبور جزءا من أمن البنية التحتية الرقمية ومرونتها. ويعتمد "ميدوسا" نموذج النفاذ المفتوح والمحايد، بما يسمح لمشغلي الاتصالات ومقدمي الخدمات الرقمية بالوصول إلى البنية التحتية والاستفادة منها.

ويحظى المشروع بدعم أوروبي باعتباره جزءا من الاستثمار في الاتصال الرقمي ضمن استراتيجيا "البوابة العالمية". وقد بلغت التكلفة الإجمالية للمشروع نحو 342 مليون يورو، مع مساهمة أوروبية من خلال آلية "مرفق توصيل أوروبا" (CEF)، فضلا عن تمويل من بنك الاستثمار الأوروبي لمشاريع مرتبطة بالربط البحثي والأكاديمي. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025، وصل الكابل إلى مرسيليا، في خطوة فتحت المرحلة الغربية من الشبكة نحو شمال أفريقيا.

أما على الضفة الجنوبية، فقد اكتملت في المرحلة الأولى أيضا بعمليات إنزال الكابل في بنزرت وناظور المغربية. وأعلنت "ميدوسا" في ديسمبر/كانون الأول 2025 اكتمال المرحلة الأولى من عمليات الإنزال في هذين الموقعين فضلا عن موقع مرسيليا، بينما استمرت أعمال الربط والتمديد لبقية نقاط الشبكة خلال 2026.

وتبرز تونس والمغرب كأبرز المستفيدين من المرحلة الأولى لـ"ميدوسا"، إذ يوفر لتونس مسارا عالي السعة ومباشرا إلى مرسيليا، فيما يفتح للمغرب عبر الناظور مسارا جديدا نحو أوروبا، بما يعزز موقع البلدين في منظومة الاتصال الرقمي بين أوروبا وأفريقيا.

في منتدى "البوابة العالمية" لعام 2025، برز أيضا ممر أوروبا–أفريقيا–الهند الرقمي (EU-Africa-India Digital Corridor)، المرتبط بكابل "بلو رامان" (Blue Raman) البحري، ضمن مشاريع الربط الرقمي الاستراتيجية

وتزداد أهمية المشروع للعالم العربي مع التوسع شرقا. في أكتوبر/تشرين الأول 2026، عندما أعلنت "ميدوسا" شراكة مع "نايتل" (NaiTel) الأردنية ومركز العقبة الرقمي (Aqaba Digital Hub) لإضافة العقبة في الأردن إلى شبكة الوصول إلى الكابل. وبذلك بات المشروع يشكل جسرا رقميا يمتد من أوروبا عبر المتوسط وشمال أفريقيا إلى الأردن، مع إمكان الربط لاحقا بشبكات الشرق الأوسط.

ومن هذه الزاوية، يمثل "ميدوسا" طبقة أساسية من البنية التحتية التي يقوم عليها الاقتصاد الرقمي، من الاتصالات والحوسبة السحابية ومراكز البيانات إلى البحث العلمي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي. فكلما زادت قدرة الدول على نقل البيانات بسرعة وأمان عبر مسارات متنوعة، ازدادت قدرتها على استضافة الخدمات الرقمية ومراكز البيانات وربط منظومات البحث والابتكار. ولهذا يصبح المتوسط، إلى جانب كونه ممرا للطاقة والتجارة، ممرّا متزايد الأهمية للبيانات والحوسبة والاقتصاد الرقمي.

وفي منتدى "البوابة العالمية" لعام 2025، برز أيضا ممر أوروبا–أفريقيا–الهند الرقمي (EU-Africa-India Digital Corridor)، المرتبط بكابل "بلو رامان" (Blue Raman) البحري، ضمن مشاريع الربط الرقمي الاستراتيجية.

رويترز
ميناء طنجة، المغرب، 6 يونيو/حزيران 2024

ويمتد الكابل لنحو 11,700 كيلومتر، ليربط أوروبا بشرق أفريقيا والشرق الأوسط والهند، مع نقاط إنزال تشمل جيبوتي وعُمان. وعلى الرغم من أن الكابل ليس مشروعا للذكاء الاصطناعي في حد ذاته، فإن أهميته تكمن في توفير بنية اتصال عالية السعة يمكن أن تدعم الجامعات ومراكز الأبحاث والاقتصاد الرقمي، وبالتالي تشكل إحدى الطبقات الأساس في منظومة البيانات والحوسبة التي يحتاج إليها الذكاء الاصطناعي.

هل تعوض منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟

تساعد التكنولوجيا الرقمية في تعزيز التبادل التجاري والتكامل الصناعي بين ضفتي المتوسط. وتكشف العلاقات التجارية عن عمق الارتباط الاقتصادي بين أوروبا وشمال أفريقيا. ففي 2025، بلغت تجارة السلع بين الاتحاد الأوروبي ودول "الجوار الجنوبي" (وتشمل دولا مثل الأردن ولبنان وإسرائيل وسوريا) نحو 248.2 مليار يورو، وفق المفوضية الأوروبية، فيما يُعد المغرب أكبر شريك تجاري للاتحاد بين دول المنطقة.

وبلغت تجارة السلع بين الاتحاد الأوروبي والمغرب وحده 62.2 مليار يورو في 2025، بينما بلغت تجارة الخدمات الثنائية 16.2 مليار يورو في 2024.

ولا تقتصر الروابط على التجارة، إذ يعد الاتحاد الأوروبي أكبر مستثمر أجنبي في المغرب، حيث رسخت شركات أوروبية حضورا صناعيا في قطاعات السيارات والطيران والإلكترونيات وأشباه الموصلات. وتدير شركة "أس تي ميكروإلكترونيكس" (STMicroelectronics)، على سبيل المثل، منشأة متقدمة لتغليف واختبار الرقائق في بوسكورة، فيما تضم المنظومة الصناعية للسيارات شركات أوروبية مثل "رينو" (Renault) و"ستيلانتيس" (Stellantis) وعددا كبيرا من موردي المكونات.

تبدو دول المغرب العربي أقل اندماجا في ما بينها، إذ يشير صندوق النقد الدولي إلى أن التجارة البينية في المنطقة لا تزال أقل من 5 في المئة من إجمالي تجارتها، مع استمرار حواجز تجارية وغير جمركية تعرقل بناء سلاسل قيمة إقليمية

وتأتي الجزائر في المرتبة التالية، إذ بلغت تجارة السلع بينها وبين الاتحاد الأوروبي 43.4 مليار يورو في 2025، فيما بلغت تجارة الخدمات الثنائية 4.5 مليارات يورو في 2024. وتحتل الطاقة موقعا محوريا في هذه العلاقة، إذ تعد الجزائر ثالث أكبر مورّد للغاز الطبيعي إلى الاتحاد الأوروبي بعد روسيا والنروج.

أما تونس، فبلغت تجارة السلع مع الاتحاد الأوروبي 26 مليار يورو في 2025، إلى جانب 5.8 مليارات يورو من تجارة الخدمات في 2024، مما يعكس عمق اندماج الاقتصاد التونسي مع السوق الأوروبية.

لكن التحدي لا يتعلق فقط بحجم استفادة دول المغرب العربي من برامج "البوابة العالمية" الأوروبية، بل بقدرتها على تحويل هذه الاستثمارات المتفرقة إلى منظومة إقليمية متكاملة. فضعف التكامل الاقتصادي بين دول المنطقة يحرمها من فرصة بناء سلاسل قيمة مشتركة والاستفادة من موقعها الجماعي بين أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط.

أ.ف.ب
الرئيس الصيني شي جينغ بينغ يلقي كلمة خلال المنتدى الصين- الأفريقي، في العاصمة بكين، 5 سبتمبر/أيلول 2024

وهنا تبدو المقارنة مع جنوب شرق آسيا لافتة، إذ يقدر صندوق النقد الدولي حجم اقتصادات دول "آسيان" (ASEAN) الـ11 بنحو 4.5 تريليون دولار في 2026، فيما تحولت المنطقة إلى إحدى أهم قواعد التصنيع العالمية، مستفيدة من موجة تنويع سلاسل الإمداد بعيدا من الصين، مع توسع استثمارات السيارات والإلكترونيات وأشباه الموصلات فيها. ولا يمكن اختزال هذا التحول في مبادرة الحزام والطريق وحدها، لكنه تزامن أيضا مع توسع الاستثمارات الصينية في المنطقة وانتقال جزء من النشاط الإنتاجي إليها.

في المقابل، تبدو دول المغرب العربي أقل اندماجا في ما بينها، إذ يشير صندوق النقد الدولي إلى أن التجارة البينية في المنطقة لا تزال أقل من 5 في المئة من إجمالي تجارتها، مع استمرار حواجز تجارية وغير جمركية تعرقل بناء سلاسل قيمة إقليمية. وحتى في إطار "البوابة العالمية"، وعلى الرغم من وجود مبادرات عابرة للحدود مثل ممر الهيدروجين الجنوبي و"ميدلينك" (Medlink) وهو مبادرة تهدف إلى تطوير نحو 10 جيغاواط من الطاقة المتجددة في الجزائر وتونس وربطها بأوروبا عبر نحو 4 جيغاواط من قدرات نقل الكهرباء الجديدة، فإن معظم الاستثمارات تُنفذ عبر منصات ومشاريع وطنية، بينما بدأ الاتحاد الأوروبي أخيرا في الدفع نحو آليات إقليمية أكثر تنسيقا، مثل منصة "تي ميد" (T-MED) للاستثمار في الطاقة المتجددة والتكنولوجيا النظيفة.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى في السباق التكنولوجي الجديد. فالبيانات تحتاج إلى شبكات وكابلات، والذكاء الاصطناعي يحتاج إلى قدرة حوسبة، والحوسبة تحتاج إلى مراكز بيانات، ومراكز البيانات تحتاج إلى كهرباء موثوق بها وكميات كبيرة من التبريد. وتمتلك دول جنوب المتوسط، بحكم موقعها الجغرافي، فرصة لبناء منظومة تجمع هذه العناصر من كابلات بحرية تربط أوروبا بأفريقيا والشرق الأوسط، وطاقة متجددة وفيرة، ومواقع ساحلية يمكن أن توفر خيارات تبريد، إضافة إلى قربها من الأسواق الأوروبية.

فهل تتمكن أوروبا من استخدام شراكاتها المتوسطية لتقليص الفجوة التي تفصلها عن الصين في سباق التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي؟

قد يكون المتوسط في طريقه لأن يصبح ساحة جديدة للمنافسة بين أوروبا والصين، لكن الرهان الحقيقي سيكون على من يتمكن من تحويل البنية التحتية إلى اقتصاد جديد. أوروبا تملك اليوم فرصة نادرة في استخدام ضفتي المتوسط لتقليص المسافة التي قطعتها الصين في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، فيما تملك دول شمال أفريقيا الموقع والطاقة والموارد اللازمة لتكون جزءا من هذا السباق. لكن من سيجمع هذه القطع المتناثرة في منظومة واحدة؟ وهل يصبح المتوسط جسرا تعبره التكنولوجيا إلى أفريقيا، أم تظل الخلافات القديمة أقوى من الفرصة الجديدة؟

font change

مقالات ذات صلة