كيف أوصل فشل المنظومة الدولية إلى 7 أكتوبر؟https://www.majalla.com/node/333532/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D9%88%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9/%D9%83%D9%8A%D9%81-%D8%A3%D9%88%D8%B5%D9%84-%D9%81%D8%B4%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%B8%D9%88%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%A5%D9%84%D9%89-7-%D8%A3%D9%83%D8%AA%D9%88%D8%A8%D8%B1%D8%9F
في كتابه "عالم بلا قانون.. سياسة بلا مبادئ - تاريخ العلاقات الدولية منذ القرن العشرين"، يحاول أستاذ العلاقات الدولية في جامعة دنفر، أحمد عبد ربه، الإجابة عن أسئلة تفرضها التحولات السياسية والصراعات العالمية، وفي مقدمتها مدى فاعلية القانون الدولي في مواجهة الأزمات المعاصرة، لا سيما بعد حرب غزة.
"في شهر مايو/أيار 2024، وقف سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة، جلعاد أردان، أمام الجمعية العامة، ممزقا ميثاق المنظمة الأممية أمام الجميع، في حركة احتجاجية على إصدار الجمعية العامة قرارا يدعم اعتبار فلسطين عضوا كاملا في المنظمة الدولية ذات الثمانين عاما! (...)".
ينطلق أحمد عبد ربه من هذا المشهد في كتابه الصادر حديثا عن "دار الشروق" المصرية، الذي يتتبع خلال خمسة أجزاء على مدى 272 صفحة، تاريخ العلاقات الدولية عبر خمس محطات رئيسة، من هيمنة القوى الأوروبية والحربين العالميتين، إلى تأسيس الأمم المتحدة، والحرب الباردة، ثم "اللا نظام الدولي الجديد" منذ نهاية الحرب الباردة حتى عالم اليوم.
بداية تشكل العلاقات الدولية
يستعرض الكاتب المدارس الرئيسة في العلاقات الدولية، قبل أن يختار قراءة الأحداث من مرآة المدرسة الواقعية، التي ترى أن النظام الدولي فوضوي، وأن تطبيق القانون الدولي يظل انتقائيا، بما يجعله أداة لإخضاع الضعفاء، فما ينطبق على إسرائيل، مثلا، لا ينطبق بالضرورة على فلسطين، وما يفرض من قواعد على إيران قد لا تخضع له كوريا الشمالية أو الصين.
يعود عبد ربه إلى نهاية القرن الثامن عشر، حيث كان الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط أول من نادى بإنشاء منظمة دولية لتحقيق الاستقرار والأمن، في كتابه "السلام الدائم: مخطط فلسفي" عام 1795. غير أن تلك الدعوة لم تترجم إلا بعدها بعشرين عاما في مؤتمر فيينا عام 1815، بمشاركة النمسا والمملكة المتحدة وروسيا وبروسيا، بعد هزيمة نابليون بونابرت، ليشكل إحدى الأسس الأولى للنظام الدولي الحديث.
ظلت الأمم المتحدة منتدى واسعا للتفاهمات الديبلوماسية وتسجيل بعض المواقف، دون حسم كبير أو تطبيق واقعي لقواعد القانون الدولي، ما دامت تتعارض مع مصالح الأقوياء
تشكل هذا النظام الذي نعرفه اليوم فعليا بداية من الربع الأول من القرن العشرين الذي يصفه الكاتب بـ"عصر التنظيمات الدولية"، لكنه طريق لم يكن مفروشا بالورود، بل احتاج إلى حربين عالميتين مدمرتين أراقتا دماء الملايين، على نحو لم تشهده البشرية في العصور الحديثة من قبل.
كانت التجربة الأولى مع تأسيس عصبة الأمم، عام 1920 في جنيف، بهدف حفظ الأمن والسلم الدوليين، لمنع تكرار كارثة الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، التي خلفت أكثر من 20 مليون قتيل ومصاب.
صورة لاجتماع الجمعية العامة لعصبة الأمم في جنيف، سبتمبر 1935
تألفت العصبة من مؤسسات عدة، أهمها السكرتارية الدائمة، والجمعية العامة، والمجلس التنفيذي، إضافة إلى المحكمة الدائمة للعدل الدولي التي نظرت خلال الفترة من 1922 حتى 1946 في عشرات قضايا النزاع الدولية، لكن قراراتها كانت استشارية وتفتقر إلى قوة التنفيذ، وهو ما يراه كثيرون السبب الرئيس في فشل المحكمة، ولاحقا عصبة الأمم بأسرها مع اندلاع الحرب العالمية الثانية (1939-1945).
إنشاء الأمم المتحدة
في ظروف مشابهة، جاءت الأمم المتحدة لتحقيق السلم والأمن الدوليين بعد الحرب العالمية الثانية، وقد دشنت رسميا في أكتوبر/تشرين الأول 1945، من 51 دولة، ومقرها في مدينة نيويورك. غير أن بنية المنظمة، ولا سيما مجلس الأمن وحق النقض للدول الخمس الدائمة العضوية، تمثل أحد أهم أسباب فشل المنظمة في ما بعد، لاعتماده في تمثيله الدائم العضوية على الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، وعدم تغيير هذه العضوية أو تعديلها على مدى أكثر من 75 عاما.
يرى الكاتب أنه رغم بعض الأدوار التي أدتها الأمم المتحدة في تقديم أطر لحل الصراعات الدولية، فإنها ظلت منتدى واسعا للتفاهمات الديبلوماسية وتسجيل بعض المواقف، دون حسم كبير أو تطبيق واقعي لقواعد القانون الدولي، ما دامت تتعارض مع مصالح الأقوياء.
مشهد عام لقاعة الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر المنظمة بنيويورك، 22 سبتمبر 2026
ويمتد هذا النقاش إلى محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية التي تمثل جهات المحاسبة، فالأولى تنظر في النزاعات بين الدول، بينما تختص الثانية بمساءلة الأفراد المتورطين في الجرائم الدولية مثل الإبادة الجماعية أو القتل الجماعي.
وفي هذا السياق، يقارن عبد ربه ما يراه تمييزا في تطبيق القانون الدولي على منتهكي حقوق الإنسان، مستشهدا بقضايا الأويغور في الصين، أو الروهينغا في بورما، أو الفلسطينيين في غزة، أو الأفارقة في الكثير من الحروب الأهلية في القارة السمراء.
انهيار الخلافة العثمانية
لا يتردد الكاتب في الاشتباك مع بعض الأحداث التاريخية وتقديم آراء جريئة فيها، مثلا حين يفرد مساحة لقراءة نهاية الخلافة العثمانية التي ألغاها الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك عام 1924. ويرى أن أتاتورك لم يكن متآمرا على الخلافة أو على الحكم الإسلامي كما صورت - ولا تزال - بعض الكتابات التاريخية غير المنصفة.
ويجادل بأن السلاطين العثمانيين لم يعرف عنهم الحكم الديني المسترشد بالشريعة، حتى إنهم لم يستخدموا لقب "الخليفة" رسميا، مفضلين لقب "السلطان"، إلى أن استدعاه السلطان عبد الحميد، في صراعه غير المتكافئ مع بريطانيا وفرنسا، واستخدمه كتكتيك للحكم والسيطرة على الشعوب غير التركية.
ومع ذلك، كان طرد آخر الخلفاء العثمانيين عبد المجيد الثاني إلى المنفى في فرنسا زلزالا تاريخيا، لكونها المرة الأولى في التاريخ الإسلامي التي لا يصبح فيها لدى المسلمين خليفة يدير أمورهم الروحية والسياسية.
كيف تحولت المسألة اليهودية إلى مشروع دولة؟
يشتبك الكتاب أيضا مع صعود القوميات الحديثة، لا سيما دول المحور خلال الحرب العالمية الثانية، ممثلة في ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية واليابان، موضحا كيف أسهم المد القومي والأفكار العنصرية ومفاهيم النقاء العرقي في تشكيل الأنظمة الشمولية، وما قاد إليه ذلك من سياسات اضطهاد وإبادة جماعية بلغت ذروتها في الهولوكوست.
ومن هنا ينتقل عبد ربه إلى "المسألة اليهودية"، بوصفها إحدى القضايا المرتبطة بتاريخ القومية الحديثة، متتبعا تحولها من قضية تتعلق بمكانة اليهود واندماجهم في المجتمعات الأوروبية إلى مشروع إقامة وطن قومي لهم.
يؤكد فشل عملية السلام فرضية غياب القواعد عن العلاقات الدولية، أو انتقائية تطبيقها، إذ لم تنجح محاولات الولايات المتحدة في تغيير الأوضاع على الأرض
ويجادل بأن الدين ظل حاضرا في تشكيل الدولة القومية الحديثة، موضحا أن الأمر لم يكن قاصرا على اليهود، ولكن هناك محاولات سياسية في المسيحية - حتى بعد انتهاء عصر الإمبراطوريات المقدسة في أوروبا - وقطعا في العالم الإسلامي بعد انهيار الخلافة العثمانية في 1923.
ويشير الكاتب إلى خصوصية الحالة اليهودية كـ"ديانة إثنية"، ليست عالمية أو أممية مثل الإسلام والمسيحية، حيث تعتقد اليهودية بتمايز العرق اليهودي عن غيره من الأعراق. وقد أسهم هذا البعد في ظهور الحركة الصهيونية في أواخر التاسع عشر، التي أسسها الصحافي اليهودي ثيودور هرتزل، ودعا إلى إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وما تبعها من هجرة يهود شرق أوروبا إلى فلسطين.
وفي 1917، صدر وعد بلفور الشهير، بإعطاء اليهود وطنا في فلسطين التاريخية، وقد قوبل ذلك، بالثورة العربية الثانية ضد بريطانيا، غير أنها فشلت بسبب تفاوت موازين القوى على الأرض بين القوات البريطانية والشباب الثائر.
ومع انتهاء الانتداب البريطاني رسميا في 1948، أعلنت إسرائيل من جانبها قيام دولتها، وحصلت لاحقا على اعتراف الولايات المتحدة والعديد من دول العالم، ثم على عضوية الأمم المتحدة. قوبل ذلك بحرب تلقى فيها العرب هزيمة مريرة كانت بداية صراع تاريخي بين العرب وإسرائيل. ثم تحول لاحقا، إلى صراع محدود بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ليحرم الشعب الفلسطيني من حقه في دولة نصت عليها القرارات الدولية.
السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة جلعاد إردان يحمل لافتة كُتب عليها "أنتم تمزقون ميثاق الأمم المتحدة"، خلال جلسة خاصة للجمعية العامة لمناقشة طلب فلسطين الحصول على العضوية الكاملة، في مقر المنظمة بنيويورك، 10 مايو 2026
غابة العلاقات الدولية
يخصص الجزء الأخير لتحولات النظام الدولي منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، بدءا من غزو العراق للكويت، الذي مثل، بحسب الكاتب، نقطة تحول استغلتها الولايات المتحدة لإنهاء نظام القطبية الثنائية والانفراد بقيادة العالم.
لكن عبد ربه يتساءل: هل وفر هذا النظام الأحادي القطبية عالما أكثر استقرارا؟ ويجيب بالنفي عند النظر إلى عقد التسعينات، الذي شهد حروبا إقليمية وأهلية دامية، من حروب يوغوسلافيا والبوسنة والشيشان إلى حروب أفريقيا وإثيوبيا وإريتريا ومذابح رواندا، فضلا عن تصاعد الإرهاب الدولي.
نائب المندوبة الأميركية لدى الأمم المتحدة روبرت وود يرفع يده لاستخدام حق النقض (الفيتو) ضد مشروع قرار يدعو إلى وقف إطلاق النار في غزة، خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك، 20 نوفمبر 2024
مدفوعة بصعودها، سعت واشنطن إلى قيادة السلام في الشرق الأوسط، وتوجت ذلك باتفاق أوسلو بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل. غير أن هذه العملية فشلت، بحسب الكاتب، نتيجة تعنت إسرائيل في تنفيذ تعهداتها وتلاعبها بالاتفاقيات، وصعود اليمين الإسرائيلي بقيادة شخصيات مثل بنيامين نتنياهو وأرييل شارون، بعد اغتيال اليساري إسحاق رابين.
يؤكد فشل عملية السلام فرضية غياب القواعد عن العلاقات الدولية، أو انتقائية تطبيقها، إذ لم تنجح محاولات الولايات المتحدة في تغيير الأوضاع على الأرض، وهو الوضع الذي وصل إلى هجمات السابع من أكتوبر أو "طوفان الأقصى".
الرئيس الأميركي بيل كلينتون يتوسط رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين خلال مصافحتهما التاريخية في البيت الأبيض بواشنطن، عقب توقيع اتفاق أوسلو، 13 سبتمبر 1993
تداعيات السابع من أكتوبر
لم تكن الهجمات انفجارا في الشرق الأوسط فقط، بل شكلت انفجارا عالميا وجرس إنذار لما يمكن أن يكون عليه العالم إذا استمرت السياسة الدولية على نهجها منذ انهيار الاتحاد السوفياتي وانفراد الولايات المتحدة بصنع القرار الدولي. ويضع الكاتب هذه التطورات في سياق الحرب الروسية ـ الأوكرانية التي كشفت بدورها ضعف المنظومة الدولية وعجزها في التعامل مع النزاعات الكبرى.
لم تكن الهجمات انفجارا في الشرق الأوسط فقط، بل شكلت انفجارا عالميا وجرس إنذار لما يمكن أن يكون عليه العالم إذا استمرت السياسة الدولية على نهجها
في خاتمة الكتاب، يناقش عبد ربه احتمال اندلاع حرب عالمية ثالثة، ويرى أن الاحتمال لا يزال ضعيفا، وإن لم يكن مستحيلا. فالصين، رغم صعودها الاقتصادي والعسكري، لم تصل بعد إلى مكانة تمكنها من مواجهة الولايات المتحدة والغرب عسكريا، كما أن الحرب الروسية الأوكرانية لم تتحول إلى مواجهة مباشرة بين روسيا وحلف الناتو.
ويخلص عبد ربه من سرده إلى أننا نعيش في عالم بلا قانون وفي واقع سياسي بلا مبادئ، فالقوانين والمبادئ الدولية موجودة ومكتوبة في ميثاق الأمم المتحدة، والاتفاقيات والقواعد الدولية، لكن تطبيقها يظل انتقائيا وتمييزيا وفق موازين القوة.