في عالم مليء بالصراعات والحروب، يبدو الحديث عن الألم والمرض أمرا ثانويا عابرا، لكن الأدب يتوقف عند كل اللحظات الإنسانية الشديدة الخصوصية، ويجعل من تأملها عالما ذا أبعاد مختلفة، من هنا تأتي أهمية الحديث عن المرض لا سيما إذا كان عن تجربة شخصية قاسية مر بها الأديب وأثرت فيه. نتوقف هنا عند بعض الأعمال والكتابات الأدبية الجديدة التي تناولت المرض وسعت إلى تأمله واعتباره محطة فارقة في الحياة من جهة، أو حتى السعي للكشف عنه وتعريف القراء به وبآثاره من جهة ثانية.
"خلوة النقص" لعالية ممدوح
رغم أن النص الذي كتبته الروائية العراقية عالية ممدوح يحمل اسم "رواية" إلا أنه لن يخفى على القارئ أنه سيرة مرضية مختصرة. في "خلوة النقص" (دار الآداب 2026) أرادت ممدوح أن تحكي تجربة مرضها القاسية، بدءا من منفاها الاختياري في باريس، فتعود بذاكرتها إلى حكايات وأخبار قديمة تجعل منها وسيلة لسرد تفاصيل جديدة تعينها على تجاوز محنة المرض والألم، كما تسعى للتصالح معه أيضا باعتباره محطة معتادة من محطات الحياة.
ومن خلال مفردتي العنوان الدالتين، الخلوة والنقص، تسير محطات حياتها التي خبرت العزلة والنفي في باريس، وتجد نفسها في فرصة نادرة لاستعادة حياتها ببغداد حيث روائح البيوت الدافئة، والحنين الى ذلك الماضي المشحون بكثير من الشجن. تعود إلى فترة الشباب وحكايات التمرد حين تترك بلادها لحاقا بالحب في بيروت، وتنتقل بين الماضي والحاضر، لتتذكر تفاصيل حياتها في باريس وتحكي عن المحيطين بها من جارات وممرضات في المستشفى وتفاصيل الأماكن التي مرت بها وعاشت فيها.
تبدو ممدوح مهتمة بالبناء الفني، فهي تتحرك في النص بين ضميري المخاطب والمتكلم، وكأنها تريد من القارئ أن يشاركها تلك التجربة، وأن يتفاعل معها، وذلك من خلال خبرتها الطويلة مع الكتابة السردية والروائية التي عرفت فيها أن القارئ يتعاطف مع ضمير المتكلم، وأن ذلك يسمح للكاتب بأن يأخذ مسافة من النص. هكذا، حتى في قسوة المرض وآلامه، تفكر الكاتبة في طرائق الكتابة وتشغل نفسها ببناء الحكاية والحبكة، وهي المتمرسة في ذلك المجال طويلا، وصاحبة الروايات الذائعة الصيت التي ارتبطت بأذهان القراء في العالم العربي مثل "المحبوبات" أو "الغلامة" وغيرها.





