المرض وعوالمه في 5 تجارب سردية عربية

عن مواجهة الألم وتحولات الجسد

المرض وعوالمه في 5 تجارب سردية عربية

في عالم مليء بالصراعات والحروب، يبدو الحديث عن الألم والمرض أمرا ثانويا عابرا، لكن الأدب يتوقف عند كل اللحظات الإنسانية الشديدة الخصوصية، ويجعل من تأملها عالما ذا أبعاد مختلفة، من هنا تأتي أهمية الحديث عن المرض لا سيما إذا كان عن تجربة شخصية قاسية مر بها الأديب وأثرت فيه. نتوقف هنا عند بعض الأعمال والكتابات الأدبية الجديدة التي تناولت المرض وسعت إلى تأمله واعتباره محطة فارقة في الحياة من جهة، أو حتى السعي للكشف عنه وتعريف القراء به وبآثاره من جهة ثانية.

"خلوة النقص" لعالية ممدوح

رغم أن النص الذي كتبته الروائية العراقية عالية ممدوح يحمل اسم "رواية" إلا أنه لن يخفى على القارئ أنه سيرة مرضية مختصرة. في "خلوة النقص" (دار الآداب 2026) أرادت ممدوح أن تحكي تجربة مرضها القاسية، بدءا من منفاها الاختياري في باريس، فتعود بذاكرتها إلى حكايات وأخبار قديمة تجعل منها وسيلة لسرد تفاصيل جديدة تعينها على تجاوز محنة المرض والألم، كما تسعى للتصالح معه أيضا باعتباره محطة معتادة من محطات الحياة.

ومن خلال مفردتي العنوان الدالتين، الخلوة والنقص، تسير محطات حياتها التي خبرت العزلة والنفي في باريس، وتجد نفسها في فرصة نادرة لاستعادة حياتها ببغداد حيث روائح البيوت الدافئة، والحنين الى ذلك الماضي المشحون بكثير من الشجن. تعود إلى فترة الشباب وحكايات التمرد حين تترك بلادها لحاقا بالحب في بيروت، وتنتقل بين الماضي والحاضر، لتتذكر تفاصيل حياتها في باريس وتحكي عن المحيطين بها من جارات وممرضات في المستشفى وتفاصيل الأماكن التي مرت بها وعاشت فيها.

تبدو ممدوح مهتمة بالبناء الفني، فهي تتحرك في النص بين ضميري المخاطب والمتكلم، وكأنها تريد من القارئ أن يشاركها تلك التجربة، وأن يتفاعل معها، وذلك من خلال خبرتها الطويلة مع الكتابة السردية والروائية التي عرفت فيها أن القارئ يتعاطف مع ضمير المتكلم، وأن ذلك يسمح للكاتب بأن يأخذ مسافة من النص. هكذا، حتى في قسوة المرض وآلامه، تفكر الكاتبة في طرائق الكتابة وتشغل نفسها ببناء الحكاية والحبكة، وهي المتمرسة في ذلك المجال طويلا، وصاحبة الروايات الذائعة الصيت التي ارتبطت بأذهان القراء في العالم العربي مثل "المحبوبات" أو "الغلامة" وغيرها.

لا تقتصر كتابة عالية ممدوح على ذكرياتها أو حكايتها عن المرض وآثاره، فهي تجد فرصة نادرة تمنحها إياها الكتابة لتتأمل المرض في معناه الأعم

لا تقتصر كتابة ممدوح على ذكرياتها أو حكايتها عن المرض وآثاره، فهي تجد فرصة نادرة تمنحها إياها الكتابة لتتأمل المرض في معناه الأعم، ولا شك أن الموت سيحضر أيضا، وتستدعي الغائبين من عائلتها أو من كانوا مقربين منها في رحلاتها المختلفة من بغداد إلى باريس، كما تتأمل علاقة عدد من الفلاسفة والمفكرين الذين قرأت لهم وتعرفت الى سير حياتهم بالمرض والألم، وكيف كانت مواجهتهم لهما، وكأنها تستعيد بذلك سيرة طويلة لعلاقة ملتبسة تختلف باختلاف الزمان والأماكن ولكنها تبدو حتمية طوال الوقت.

غلاف "خلوة النقص"

"ماذا لو خانك جسدك؟" لإيمان صبحي

 تعد تجربة الكاتبة المصرية الشابة إيمان صبحي في هذا الكتاب (هاشيت أنطون 2026)  شديدة الفرادة والاختلاف، ليس فقط كونها التجربة الأدبية والكتابية الأولى لصاحبتها، التي عرفها الكثير من المتابعين من خلال برنامجها الشهير على وسائل التواصل الاجتماعي (ماذا لو؟)، ولكن أيضا كونها فتاة في العشرينات من عمرها، تخوض تجربة قاسية مع مرض غامض يهدد جسدها كله، وتقضي أياما وشهورا في التردد على مختلف الأطباء المعالجين حتى تتعرف فقط الى طبيعة المرض وتتمكن من معالجته أو التغلب عليه والخروج من هذه التجربة القاسية بسلام.

ولا شك أن التعرف الى كواليس عالم إيمان صبحي كمؤثرة في الإعلام سيكون شيقا: كيف تعد لحلقاتها، كيف تنتقل من مكان الى آخر وتقيم صداقات مع إعلاميين من مختلف الدول، كيف يقدم لها الآخرون المساعدة ويرشدونها إلى مواضيع وأفكار جديدة؟ ولكن ماذا إذا كان ذلك مصحوبا بالألم؟ المفاجأة أيضا أن صبحي لا تستسلم لمرضها أو تتوقف عنده لتتأمله، بل على عكس ذلك تسعى للتغلب عليه من خلال ممارسة حياتها ومواصلة ما تقوم به من تعريف الناس الى جوانب أخرى من العالم. ففي أثناء رحلتها وحديثها عن آلام جسدها تخوض تجربة تصوير خيام اللاجئين السوريين في لبنان (أكتوبر 2022)، وترصد ما يعانونه هناك من مشكلات صعبة تجعل حياتهم مستحيلة.

مع ذلك تضطر صبحي للبقاء لفترات طويلة على سريرها، وتكون فرصتها للتعرف الى عدد من الكتب التي تناولت المرض، فتذكر كتاب محمد أبو الغيط في "أنا قادم أيها الضوء" الذي كتبه على فترات في صفحته على "فيسبوك" ونشر بعد وفاته، وتقارن بين الألم الذي تجده في مرضها وبين ما يكتب أبو الغيط عنه، كما تكون وفاته ذات أثر كبير عليها، وتتذكر مع وفاته أصدقاءها الذين فقدتهم في مرحلة مبكرة من عمرها سواء من فقدتهم في أحداث ثورة يناير 2011 أو بعدها، وكيف تكون مواجهة الفقد في كل مرة ذات أثر قوي ضاغط عليها، ولكن يخففها مرور الأيام.

تسعى إيمان صبحي للتغلب على المرض من خلال ممارسة حياتها ومواصلة ما تقوم به من تعريف الناس الى جوانب أخرى من العالم

تبدو التجربة أكثر إنضاجا لإيمان صاحبة البرنامج، الحريصة على جمع أكبر عدد من المتابعين والمشاهدين. تتوقف طويلا لكي تمنح نفسها فرصة فرضت عليها للتأمل، فتكتب رسائل إلى إيمان "المستقبلية" تدفعها فيها إلى تجاوز الألم، وتحكي لها في مفارقات دالة تلك الإنجازات والتطورات التي حدثت في عالمنا في السنوات الأخيرة وكيف أثرت علينا المنظمات العالمية وقوانين حقوق الإنسان، وكيف أثر التطور التكنولوجي أو العلمي في كل شيء، حتى في  العلاقات بين الناس.

غلاف "ماذا لو خانك جسدك؟"

"وشم أزرق" لشيماء عاشور

هل ينجينا الفن فعلا؟ رسالة أخرى تقدمها الراوائية المصرية شيماء عاشور من خلال روايتها "وشم أزرق" (دار العين 2025) وسعي مختلف للنجاة من خلال ممارسة الفن. بطلة الرواية صفاء معالجة بالفن، تقرر أن تجمع عددا من السيدات في بيت تسميه "بيت حكي"، هناك تتحول اللقاءات والجلسات إلى فرصة للتعبير عن النفس والتخلص من آلام المرض بالحكاية وتسليط الضوء على الأبعاد النفسية والإنسانية والعاطفية لتجربة المرض وأثره عليهن.

نتعرف مع كل سيدة منهن الى طريقها وطريقتها في معرفة إصابتها بالمرض بداية، وكيف واجهت الخبر، ثم كيف تعاملت مع المحيطين بها، وكيف تبني كل واحدة عالمها من جديد وفقا لتلك الصدمة القاسية. نجد رقية التي تواجه المرض بكل قوة في البداية ثم يأتي الانهيار، بخلاف نور التي يأتيها المرض وراثيا، ورغم كل استعداداتها يؤثر عليها المرض ويعصف بكل تفاصيل حياتها التي كانت منظمة وهادئة، كما نجد أمل التي سعت للمواجهة بكل تفاؤل وأمل، ولكن جاءت النهاية حتمية بوفاتها. وغيرهن كثيرات، تحضر تفاصيل مواقفهن مع المرض، ويشكلن معا وسائل مختلفة للتجاوز والمقاومة.

تتحول اللقاءات إلى فرصة للتعبير عن النفس والتخلص من آلام المرض بالحكاية وتسليط الضوء على الأبعاد النفسية والإنسانية والعاطفية لتجربة المرض

تقسم الكاتبة الحكايات فصولا قصيرة سريعة، تستعرض كل بطلة فيه حكايتها ثم تقود دفة السرد بعد ذلك صاحبة البيت، "بيت حكي"، لكي تتأمل تلك الحكايات، وطرائق مواجهة المرض ومراحل الوعي بالذات التي تحدث في تلك الرحلة التي تبدو صعبة وشاقة ولكنها مهمة وأساسية لكل إنسان. ورغم أن الحكايات تدور حول النساء ويبدو الرجل متواريا في الخلفية، إلا أن الكاتبة تستحضر شخصيات مثل الطبيب يحيى الذي تكتب له الساردة خطابات فيها قدر من الرومانسية تجد فيها فرصتها للبوح بذاتها وتأمل الحكايات من منظور آخر، كما تحضر شخصيات أخرى بشكل سلبي أو إيجابي في تعاملهم مع المريضات.

غلاف "وشم أزرق"

"مجرد وقت سيمضي" لشاكر الناصري

"يوميات السرطان"، عنوان فرعي يضعه الكاتب العراقي شاكر الناصري لكتابه هذا الذي يسرد فيه عامين من الألم والأمل مع ذلك المرض الخبيث (دار الرافدين 2025)، ولكن الأمر المختلف مع الناصري أنها ليست مواجهته الأولى للموت، لقد جرب الرجل وعلى مدار سنوات عمره كلها ما يسميه "رعب الاحتمالات"، من الحرب والموت والأسر والفقدان، أو احتمال الاعتقال والملاحقة الأمنية أو حتى الخروج من الحروب بأعطاب نفسية وكوابيس مزمنة رافقته على مدار سنوات عمره.

ربما لهذا كله اختار أن يسمي يومياته في مواجهة السرطان بعد هذا العمر من الكفاح والنضال "مجرد وقت سيمضي"، وهو يشير في مقدمة كتابه الى أن تلك اليوميات قد لا يجد فيها القارئ متعة، بل هي كتابة صادمة ومؤلمة بطبيعتها، ولكنه يجد أن توثيقها أمر لا مفر منه. هي تجربة شخصية عانى منها ولا يزال يعاني منها الآلاف من المرضى لذلك المرض الذي لا علاج له.

يبدأ الناصري بحكاية موقفه مع اكتشاف المرض وقسوته، مذ عرف أنه ورم في المعدة حتى بدء إجراءات العلاج الكيماوي المعقدة والصعبة، ويحكي ببساطة كيف يمر عليه كل يوم في ذلك العلاج، ويتوقف بين يوم وآخر ليتأمل حياته وما دار فيها من صعاب وتحديات مقارنة بما يعانيه اليوم وهو على سرير المرض، ويتذكر كذلك من كتبوا عن السرطان وكيف وصفوه بأنه "امبراطور المآسي" على حد تعبير سيدهارتا موركجي في كتابه الشهير.

 ولكن المناضل اليساري لا ينسى قضاياه ولا يستطيع أن يتخلى عن متابعة الشأن العام، رغم أن الأطباء والمحيطين به ينصحون بالابتعاد التام عن الأخبار، ولكنه حتى في تلك المذكرات (والتي صادف أنه يكتبها في أوج حرب الإبادة في غزة) يكتب فصولا خاصة عن تلك الإبادة وكيف أنها لا تقتصر على ما حدث في أكتوبر 2023 وإنما هي استمرار لسجل طويل من مممارسات جيش الاحتلال الإسرائيلي ضد شعب فلسطين الذي لا يطالب إلا بحقه وأرضه ووجوده، وكيف أن  تلك الجرائم في السنوات الأخيرة قد فضحت بشكل كبير زيف العالم الغربي وموقفه الداعم لإسرائيل، بل وأسقطت كل الأكاذيب التي كانوا يروجون لها في الحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، كما يلقي باللائمة كذلك على الأنظمة العربية على مدار التاريخ والتي تتجاهل تلك الحقوق الفلسطينية وتذهب إلى السلام مع أناس لا يعرفون معنى السلام، وأنه لا حل لتلك القضية التي حصدت الكثير من الضحايا إلا بإعادة الأرض لأصحابها. وهو إذ يتحدث عن إسرائيل، لا ينسى أيضا محنة السرطان، فيشبه وجود تلك الدولة بالورم السرطاني الذي يحتاج لرعاية الدول الكبرى حتى يجتاح ويقتحم ويدمر كل ما يحيط به، وأن كل الحلول الديبلوماسية التي قدمها العرب تلاشت مع قوة وغطرسة تلك الدولة المتجبرة.

تتحول يوميات السرطان التي يكتبها الناصري إلى عدد من بيانات الاحتجاج ورسالة مؤثرة يعبر فيها عن موقفه ضد كل ما يدور في العالم العربي

هكذا تتحول يوميات السرطان التي يكتبها الناصري إلى عدد من بيانات الاحتجاج ليس فقط ضد ما حدث له في حياته من مواقف وتحديات وقف فيها أمام السلطة ، ومن ذلك السرطان الذي لا يزال يهاجم جسده بكل ضراوة، ولكن أيضا وسيلة مهمة ورسالة مؤثرة يعبر فيها عن موقفه ضد كل ما يدور في العالم العربي من مشكلات وأزمات يرى لنفسه دورا في التعبير عنها والدفاع عن حقوق البسطاء والأبرياء في العالم كله.

غلاف "مجرد وقت وسيمضي"

"ليثيوم" لتميم هنيدي

وإذا كانت غالبية الكتابات عن الأمراض تتناول السرطان تحديدا باعتباره أكثر الأمراض شيوعا وأشدها تأثيرا، أو حتى تناول فكرة المرض بشكل عام بغير تعيين، فإن القاص السوري تميم هنيدي، يقدم تجربة مغايرة  في مجموعته القصصية "ليثيوم" (منشورات المتوسط) والتي حملت عنوانا جانبيا "قصص من عالم الاضطراب الوجداني"، حيث يسعى من خلال قصصه للكشف عن أكثر الأمراض شيوعا لا سيما في أوساط الفنانين  وهو "الاضطراب الوجداني" أو "ثنائي القطب"، الذي لاحظ من خلال علاقته بعدد من المرضى به كيف يؤثر على أصحابه والمحيطين به من جهة، وكيف يتعامل الناس معه بشكل خاطئ حيث يختزلونه باعتباره مجرد حالة "اكتئاب" عابرة، ويكون نتيجة ذلك شديد القسوة على المريض والمحيطين به على السواء.

غلاف "ليثيوم"

 ثلاثة عشر نصا استطاع من خلالها الكاتب أن يعرض جوانب مختلفة لهذا المرض/الاضطراب النفسي وجوانبه المختلفة، من خلال شخصيات تتباين في بيتها وأعمارها وثقافتها بل وأماكنها وتربيتها بحيث لا يجمع بينها في النهاية إلا المرض. نتعرف الى عامل في مصنع يسمونه حمدي الثور، لنشاطه الشديد حيث يتمكن بمفرده من أداء مهام جميع العاملين في المصنع، وكيف يكون مبهرا لهم ذلك الأداء، ولكن سرعان ما تتغير حالته فجأة فيبقى في منزله لأيام. كذلك الأمر مع الفتاة الشابة راما، في قصة "كاميرا المينيا" حيث نجدها في نشاط زائد على الحد وغريب في لحظة أثناء تصوير مشاهد بكاميرتها، بينما تبقى الفوضى في غرفتها لا تلقي لها بالا. كما يعرض فكرة كون ذلك المرض وراثيا في بعض الأحيان وهو ما نراه في قصة "عائلة المعلم جبر" وكيف يتعامل أهل المريض مع مرضه وكيف تغير ذلك الوعي بمرور السنوات.

يعرض هنيدي كيف يشعر هؤلاء المرضى بعضهم ببعض، وكيف يمكن أن تكون نجاتهم من خلال ممارسة الفنون

كما يحرص هنيدي على أن يضع في بعض القصص بارقة أمل من خلال النهاية السعيدة التي يمنحها للقراء، كما في قصة ياسمين حسن التي تعاني من ذلك الاضطراب منذ فترة مبكرة في حياتها، ويشير إلى علاقته بالنشاط الجنسي الذي يصاحب المصاب، ولكنها تنجو من كل تلك المشكلات حينما تجمعها المصادفة بطبيب نفسي يعرف المرض ويتمكن من علاجها، بل ويسافر بها إلى الخارج لتتمكن من أن تعيش حياتها في سلام. وفي قصة "ليثيوم" يعرض كيف يشعر هؤلاء المرضى بعضهم ببعض، وكيف يمكن أن تكون نجاتهم من خلال ممارسة الفنون والتعبير بها عن مشكلاتهم وأزماتهم التي لا يعبرون عنها بالكلام أحيانا.

هكذا يقدم تميم هنيدي في المجموعة صورا مختلفة وأنماطا متعددة للمرضى وطرق التعامل معهم، ويضع القارئ أمام حالات مختلفة يتعرف من خلالها الى طبيعة ذلك المرض الخطير وطرق التعامل معه.

font change

مقالات ذات صلة