دخل اليمن معركة حاسمة على مستقبل الدولة وأمن المنطقة. ففي يوليو/تموز، أنهى الحوثيون نحو أربع سنوات من الهدوء النسبي باستئناف عمليات هجومية واسعة داخل اليمن وخارجه. وبعد شهرين، في 4 أكتوبر/تشرين الأول، أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الدكتور رشاد العليمي، عملية "فجر اليمن" لعكس المكاسب الميدانية التي حققها الحوثيون، بما فيها مكاسبهم على امتداد ساحل البحر الأحمر، واستعادة سلطة الدولة في أنحاء البلاد. ومن الواضح أن الحوثيين جروا البلاد مجددا إلى حرب لا مفر منها، وقوضوا حالة الهدوء في مسعى يخدم، ضمن أهداف أخرى، أجندة إيران الرامية إلى توظيف نفوذها على مضيقي هرمز وباب المندب في خضم مواجهتها مع الولايات المتحدة. كما يبدو أنهم عازمون على خوض المعركة الحاسمة.
ويتمثل السؤال المحوري في مدى قدرة الحكومة على بناء زخم عسكري والاستفادة منه، وتحويل الإدراك الدولي المتنامي لطبيعة هذا التهديد العابر للحدود، إلى جانب عودة التحالف العربي إلى الانخراط العسكري، إلى حشد كاف للموارد وتكامل عسكري فعال ومكاسب استراتيجية مستدامة. وقد تفاوت نجاح الحملات السابقة، بعدما أعاقها تشتت القيادة والسيطرة، وضعف التنسيق بين الاستجابات العسكرية الدولية، وتضارب الأولويات الإقليمية والغربية، وعدم اتساق الدعم الخارجي.
كما أخفقت تلك الحملات في حماية المناطق التي استعادت القوات الحكومية السيطرة عليها في صنعاء والجوف ومأرب والحديدة بعد إبرام اتفاق استكهولم الذي أثار انتقادات واسعة. وتتيح إعادة تشكيل مجلس القيادة الرئاسي هذا العام، وإضعاف المجلس الانتقالي الجنوبي، وتعزيز الدور الموحد للرياض داخل التحالف، فرصة لتصحيح المسار، لكن تحقيق الانسجام السياسي يقتضي توحيد التخطيط العسكري والتنفيذ.
ترسيخ المكاسب
منذ 11 سبتمبر/أيلول، تجاوز الهجوم الحوثي المدعوم من "الحرس الثوري" الإيراني ساحل تهامة إلى نطاق أوسع بكثير. ففي تعز، واصل الحوثيون الضغط على المحاور الجنوبية والغربية، وسيطروا على جزء كبير من المرتفعات الريفية الحاكمة، وهددوا الطريق المؤدي إلى عدن.
ويحاصر الحوثيون في وقت كتابة هذا التقرير مدينة تعز، حيث ارتفعت أسعار الوقود والاحتياجات المعيشية الأساسية ارتفاعا حادا، فيما تتركز المعارك على جبهات الأقروض وجبل هان والضباب والوازعية وكهبوب. ويسعى الحوثيون إلى استكمال السيطرة على تعز ومداخلها من جهة لحج، بما يعيد رسم قواعد الاشتباك حول مضيق باب المندب. وقد يدفع خنق خطوط الإمداد مزيدا من التشكيلات الحكومية القريبة إلى تغيير وجهتها، لكنه يعرض المدنيين، على نحو مقلق، لظروف حصار متجددة بعد 11 عاما. ولتحقيق اختراق ميداني، شن الحوثيون هجمات من أكثر من ثلاثين جبهة، ودفعوا بتعزيزات بشرية متواصلة تحت غطاء كثيف ومنسق من الطائرات المسيرة والصواريخ والقذائف الصاروخية.
وفي لحج، لا تزال المعارك حول كهبوب والمضاربة والعارة تهدد طرق الوصول إلى الجبهة الساحلية. وتبقى مأرب مركز ثقل استراتيجيا، لما تمثله من أهمية في قطاع الطاقة، ولثقلها السكاني والعسكري، فضلا عن كونها آخر معقل رئيس للحكومة اليمنية. ويسعى الحوثيون، من خلال مناورات الالتفاف والحرب الإلكترونية ونشر مزيد من القناصة وتعزيز التحصينات، إلى السيطرة على الطرق الحيوية وقطع خطوط الإمداد ومحاصرة الوحدات التابعة للقوات المسلحة. ويظهر أثر هذا الضغط بوضوح في المخا وريف تعز، حيث تواجه تلك القوات ضغوطا ميدانية شديدة تحد من زخم عملياتها وتعرقل الهجوم المضاد.


