الاحتجاجات الطلابية في فرنسا وامتحان الوعد الجمهوري

هل سقط "النموذج الفرنسي"؟

رويترز
رويترز
أحد المحتجين خلال مظاهرة لطلاب المدارس الثانوية والجامعات الفرنسية في باريس في إطار حركة احتجاجية يقودها الطلاب للمطالبة ظروف دراسية أفضل ، فرنسا، 13 أكتوبر 2026

الاحتجاجات الطلابية في فرنسا وامتحان الوعد الجمهوري

باريس- فشل رهان الحكومة الفرنسية على احتواء احتجاجات طلاب المرحلة الثانوية، إذ أظهرت تحركات الثلاثاء 13 أكتوبر/تشرين الأول، أن هذه الاحتجاجات التي دخلت أسبوعها الرابع لا تزال تحتفظ بزخمها، رغم تراجع أعداد المشاركين وفق الأرقام الرسمية. إذ أعلنت وزارة الداخلية مشاركة 161,500 متظاهر في مختلف أنحاء البلاد، بينهم 41,500 في باريس، مقابل 266 ألفاً يوم الثلاثاء 6 أكتوبر، فيما قدّرت المنظمات الطلابية والنقابية العدد بنحو 480 ألفاً، مقارنة بـ450 ألفاً في 6 أكتوبر. كذلك تراجع عدد الثانويات المغلقة من نحو 800 إلى 214. لكن هذا التراجع النسبي في أعداد المتظاهرين كما في عدد الثانويات المغلقة لم ينعكس على المشهد في الشارع الفرنسي، إذ عكست مسيرة الثلاثاء، التي جابت شوارع باريس، استمرار زخم الحركة الاحتجاجية، التي أظهرت أنها لا تزال قادرة على استقطاب فئات جديدة وتوسيع دائرة التضامن معها.

وتتجه الأنظار إلى تحركات السبت 17 أكتوبر، التي ستتجاوز الإطار الطلابي لتجمع تلاميذ الثانويات وطلاب الجامعات ونقابات عمالية ومزارعين، إلى جانب مجموعات من "السترات الصفراء"، وهو ما يعكس مسارا احتجاجيا لربط المطالب التعليمية بالاعتراض على غلاء المعيشة وتراجع القدرة الشرائية وتردي أوضاع المزارعين.

ولذلك، سيشكّل 17 أكتوبر اختباراً لقدرة الحركة الاحتجاجية على توسيع قاعدتها وتحولها إلى ضغط اجتماعي أوسع ومستدام، كما سيختبر طريقة تعامل السلطة مع توسع التعبئة المطلبية، بعدما أثارت المقاربة الأمنية والتوقيفات الواسعة للمحتجين القصر انتقادات سياسية ونقابية وحقوقية.

وتأتي هذه التطورات في سياق اقتصادي ومالي ضاغط، عشية الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2027، وهذان عاملان يرفدان الحركة الاحتجاجية بالضرورة بزخم ودوافع إضافية، فقد بلغ الدين العام نحو 3.596 تريليون يورو في نهاية يونيو/حزيران 2026، أي ما يعادل 119 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وفق المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء والدراسات الاقتصادية.

كما ازداد الدين 59.6 مليار يورو خلال الربع الثاني من 2026 وحده. وفي الوقت نفسه، يضغط غلاء المعيشة وتراجع القدرة الشرائية على الأسر، فيما تتفاقم الأسئلة بشأن أولويات الإنفاق العام، ومستقبل الخدمات العامة، وقدرة الدولة على ضمان فرص اجتماعية متكافئة للأجيال الجديدة.

تشمل مطالب الطلاب تحسين الأبنية المدرسية وصيانتها، ومعالجة الاكتظاظ ونقص المدرّسين، وتعويض الغائبين والمتقاعدين، وإنشاء قاعات تدريس إضافية، وتحسين التهوية والتدفئة والنظافة والمرافق الصحية والمطابخ والتجهيرات

وهناك مخاوف في فرنسا من تكرار "النموذج اليوناني"، أي أزمة الديون السيادية اليونانية في عام 2010، لكن الرأي الغالب أن المخاوف الحقيقية تتمحور حول استمرار العجز وتراكم الدين وارتفاع كلفة خدمته، بما قد يفرض في المستقبل تصحيحاً مالياً أكثر قسوة، على اعتبار أن فرنسا لا تواجه، حتى الآن، الظروف نفسها التي واجهتها اليونان في 2010. ذلك في وقت بدأت الجمعية الوطنية مناقشة مشروع الموازنة الذي قدمته حكومة سيباستيان لوكورنو في الأول من أكتوبر، أمس الثلاثاء، وسط استقطاب سياسي حاد، واستمرار الخلافات بشأن توزيع أعباء التصحيح المالي بين الدولة والشركات والأسر والمتقاعدين.

ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية تفتح الاحتجاجات الطلابية جبهة جديدة في الصراع بين اليمين واليسار حول مستقبل النموذج الاجتماعي الفرنسي، والذي تساءلت مجلة "لوبوان" في عددها الأخير عما إذا كان قد انتهى، كما يبتغي اليمين المتطرف. فبينما يطرح أقصى اليسار مطالب الطلاب في سياق العدالة الاجتماعية والدفاع عن الخدمات العامة، يركز أقصى اليمين على "الانضباط" وضبط الإنفاق، في حين تواجه الحكومة معضلة احتواء الغضب من دون التخلي عن سياسات التقشف. وهكذا، ستتحول الاحتجاجات إلى اختبار مبكر لقدرة المعسكرين على استقطاب جيل جديد، وإلى ساحة تتقاطع فيها أزمة التعليم مع المعركة على مستقبل فرنسا الاجتماعي والسياسي.

من أزمة المدرسة إلى أزمة تكافؤ الفرص

وكانت التحركات الطلابية قد انطلقت في 18 سبتمبر/أيلول من ضاحية كريتيّ، جنوب شرقي باريس، ثم امتدت إلى ضواحٍ أخرى، بينها سان دوني، حيث بدأ طلاب في 25 سبتمبر إغلاق الثانويات وتعطيل الدراسة. وانتشرت الاحتجاجات لاحقاً في مدن وأقاليم فرنسية مختلفة، لتتحول من تحركات محلية إلى قضية وطنية تتداخل فيها المطالب التربوية مع مسائل العدالة الاجتماعية والتعامل الأمني والتمثيل السياسي للشباب.

وتشمل مطالب الطلاب تحسين الأبنية المدرسية وصيانتها، ومعالجة الاكتظاظ ونقص المدرّسين، وتعويض الغائبين والمتقاعدين، وإنشاء قاعات تدريس إضافية، وتحسين التهوية والتدفئة والنظافة والمرافق الصحية والمطابخ والتجهيرات. كما تطالب المنظمات الطلابية والنقابية بإلغاء منصة "باركورسوب" (Parcoursup)، المعنية بتنظيم القبول في مرحلة الإجازة الجامعية، ومنصة "مون ماستر" (Mon master)، الخاصة بالالتحاق بمرحلة الماستر، إلى جانب تخصيص عشرة مليارات يورو لتحسين أوضاع الثانويات.

ولا تنحصر هذه المطالب في زيادة الإنفاق أو إصلاح الخدمات المدرسية، بل تتصل أيضاً بكيفية توزيع الفرص التعليمية بين الفئات الاجتماعية وبين "الأحياء" و"الضواحي"، في باريس تحديدا.

في هذا السياق، يضع ميشال كوكوريف، عالم الاجتماع والأستاذ الجامعي في جامعة باريس الثامنة، وصاحب كتاب "الشغب"، الصادر عام 2025، الاحتجاجات في إطار أزمة بنيوية تتجاوز الظرف الراهن.

يقول كوكوريف لـ"المجلة" إن "المشكلات التي سلط طلاب المرحلة الثانوية الضوء عليها ليست جديدة، بل دأبت نقابات المعلمين على إثارتها منذ نحو عقد من الزمن"، وتشمل تدهور ظروف التعليم، وتردّي أوضاع المباني المدرسية، وعدم تعويض المدرّسين الغائبين، وثقل الجداول الدراسية، والغموض الذي يكتنف منصة "باركورسوب".

لم يقتصر تطور الاحتجاجات على المطالب التعليمية، فقد أسهم التدخل الأمني للشرطة الفرنسية في نقل الأزمة إلى مستوى أكثر تعقيدا

ويضيف أن التفاوتات الاجتماعية في فرص النجاح الدراسي، وهي تفاوتات بنيوية أيضاً، "بلغت مستويات حادة لدى الفئات الشعبية الأقل امتلاكاً لرأس المال الثقافي، وفي المؤسسات التعليمية التي تتوافر لها موارد أقل". ويربط هذه الأوضاع بالسياسات التعليمية المعتمدة منذ ثمانينات القرن الماضي، معتبراً أنها تطرح تساؤلات بشأن مكانة المدرسة في المجتمع الفرنسي.

ويشير كوكوريف إلى أن شعار إيصال 80 في المئة من أفراد كل فئة عمرية إلى مستوى البكالوريا، الذي أطلقه الوزير جان بيير شوفينمان في عام 1985، أحدث زعزعة عميقة في النظام التعليمي، إذ إن توسيع الوصول إلى التعليم العالي، من دون إزالة التفاوتات الاجتماعية والمناطقية، نقل هذه التفاوتات إلى مستويات أخرى، تبعاً لإمكانات المؤسسات التعليمية و"طبيعة" الطلاب الذين تستقبلهم والمسارات الدراسية والخيارات التعليمية والتقديرات التي يحصل عليها الطلاب.

وتبرز هنا مفارقة أساسية، وهي أنه كلما اتسعت الحاجة إلى الشهادات التعليمية بوصفها شرطاً للاندماج الاجتماعي والمهني، ازدادت صعوبة تحويل الشهادة إلى فرصة فعلية. ويقول كوكوريف إن "المدرسة تمثل بالنسبة إلى الفئات الشعبية الأفق الوحيد للارتقاء الاجتماعي، لكنها تجسّد في الوقت نفسه حالة اليأس الناجمة عن المنافسة غير المتكافئة مع الطبقتين الوسطى والعليا".

ويضرب مثالاً على ذلك بأن نسبة طلاب المرحلة الثانوية في "المناطق الحضرية الحساسة"، الذين يُوجَّهون إلى المسار الدراسي العام تقل كثيراً عن نسبة نظرائهم في المناطق الواقعة خارج هذه المناطق أو الأحياء.

أ.ف.ب
متظاهرون وسط الغاز المسيل للدموع الذي أطلقته شرطة مكافحة الشغب خلال مظاهرة لطلاب المدارس الثانوية في مدينة ليون بجنوب شرق فرنسا، في 13 أكتوبر 2026

ويخلص إلى أن "تصديق الوعود الجمهورية القائمة على المساواة أصبح أمراً صعباً في ظل هذه الظروف"، معتبراً أن هذه هي الرسالة التي يوجهها طلاب المرحلة الثانوية، وأن ما يميز تحركاتهم عن التحركات السابقة هو أنهم "لم يعودوا يؤمنون بهذه الوعود".

المتقاعدون في مواجهة الشباب

يتخذ هذا التفاوت بعداً إضافياً عند وضعه في سياق الخيارات المالية الفرنسية خلال العقود الأخيرة على اعتبار أن الأزمة التعليمية لا تنفصل عن الجدل بشأن أولويات الإنفاق العام، ولا سيما في ظل "شيخوخة المجتمع" وارتفاع كلفة المعاشات التقاعدية وتزايد الدين العام.

ويربط الباحث جيروم فوركيه، في مقال في "لوفيغارو"، بين الاحتجاجات الطلابية والاختلال المتزايد في توزيع الموارد العامة بين الأجيال، معتبراً أن ارتفاع الوزن الانتخابي لكبار السن أسهم في إعطاء الأولوية للمعاشات التقاعدية على حساب الاستثمار في التعليم.

وبحسب الأرقام الواردة في تحليله، خصصت فرنسا عام 1975 نحو 6.5 في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي للتعليم، مقابل 7 في المئة للتقاعد. أما في عام 2026، فتبلغ حصة التعليم نحو 7 في المئة، في حين ارتفعت حصة المعاشات التقاعدية إلى 14 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.

وتعني هذه المقارنة أن حصة المعاشات تضاعفت تقريباً خلال نصف قرن، بينما بقيت حصة التعليم قريبة من مستواها السابق. وفي الفترة نفسها، ارتفع العمر الوسيط للسكان من 30.5 سنة عام 1975 إلى 42.5 سنة عام 2026.

ويرى فوركيه أن هذه الأرقام تعكس تحولاً في أولويات الإنفاق العام، في مجتمع بات فيه كبار السن يمثلون نحو 36 في المئة من الجسم الانتخابي، وأكثر من 40 في المئة من المقترعين في كثير من الأحيان. ولا يعني ذلك أن التفاوت في الإنفاق يمكن تفسيره بالعامل الديموغرافي وحده، لكنه يفتح النقاش بشأن قدرة السياسات العامة على التوفيق بين حاجات مجتمع يشيخ وضرورات الاستثمار في الأجيال الجديدة.

من جهته حذّر الكاتب نيكولا بافيريز، في مقال نشره في "لوفيغارو" بعنوان "فرنسا على حافة الفوضى"، من ترابط ثلاث أزمات: مالية واجتماعية وسياسية. ويرى أن ارتفاع الدين وتراجع ثقة المستثمرين يضيّقان هامش المناورة أمام الحكومة، فيما تؤدي الاختلالات التعليمية وتراجع القدرة الشرائية إلى زيادة التوتر الاجتماعي.

وتتضمن تقديرات بافيريز تحذيرات من نمو اقتصادي ضعيف، ومن ارتفاع الدين والعجز إذا استمرت السياسات الحالية. كما يذهب إلى احتمال اضطرار فرنسا إلى طلب تدخل مؤسسات مالية أوروبية ودولية إذا تفاقمت الأزمة.

وفي مطلق الأحوال، يضع ارتفاع الدين العام، الذي بلغ نحو 119 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في منتصف عام 2026، الإصلاحات الاجتماعية والتربوية أمام معادلة صعبة سؤالها الرئيس: كيف يمكن تمويل تحسين الخدمات العامة في وقت تتزايد فيه أعباء الدين وتتصاعد المطالب بضبط المالية العامة؟ وإذا كانت الاحتجاجات الطلابية لا تقدم جواباً عن هذه المعضلة، فهي تجعل الكلفة الاجتماعية للسياسات التقشفية أكثر وضوحاً.

اختبار الثقة

وكانت الحكومة الفرنسية قد أعلنت، في مواجهة الاحتجاجات، نشر ثلاثة آلاف مدرّس بديل في الثانويات الأكثر تضرراً من نقص الكوادر، كما تقرر عقد لقاءات بين ممثلي الطلاب والوزيرين المعنيين بالتربية والتعليم العالي. غير أن هذه الإجراءات لم تقنع المحتجين، الذين يرون أنها لا تعالج جذور الأزمة.

ويشكك فيليمون جوغليه (Philemon Jouglet)، الممثل الاتحادي عن اتحاد نقابات طلاب الثانويات في باريس، في حديث لـ"المجلة" في قدرة التدابير الحكومية على إحداث تغيير ملموس. ويشير إلى أن المدرّسين البدلاء قد يُكلّفون العمل في ثانويات بعيدة عن أماكن إقامتهم، وأحياناً بتدريس مواد لا تتوافق مع اختصاصاتهم، فضلاً عن الضغوط التي يتعرضون لها لقبول هذه المهام.

أ.ف.ب
متظاهر يركل قنبلة غاز مسيل للدموع أُطلقت أثناء مظاهرة لطلاب المدارس الثانوية في ساحة "فوبان" بباريس، في 13 أكتوبر 2026

ويقول إن هؤلاء المدرّسين يستطيعون تغطية مليوني ساعة تدريس فقط من أصل عشرين مليون ساعة تُفقد سنوياً، معتبراً أن هذا الإجراء لا يتناسب مع حجم المشكلة. ويدعو إلى إجراءات  تستجيب لمطالب الطلاب، وإلى تكثيف الاحتجاجات وتوسيع المشاركة فيها ما دامت الحكومة لم تقدم جواباً واضحاً.

أما شهادات طلاب آخرين لـ"المجلة"، فتظهر أن التقييمات ليست متطابقة بشأن قدرة الحركة على الاستمرار، لكنها تلتقي عند التشكيك في كفاية الاستجابة الحكومية. فطالب في جامعة السوربون، فضل عدم الكشف عن اسمه، يرى أن الإجراءات لم تلبِّ مطالب طلاب الثانويات والجامعات، ولا سيما تخصيص عشرة مليارات يورو للتعليم وإلغاء منصتي "باركورسيب" و"مون ماستر". ويقول إن الرد الحكومي اقتصر، حتى الآن، على إرسال الشرطة لمواجهة المحتجين واستخدام الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي، مؤكداً أن مطلبهم الأساسي هو توفير الإمكانات المالية والبشرية اللازمة للدراسة في ظروف جيدة.

ولا يستبعد الطالب نفسه تراجع التعبئة خلال العطلة المدرسية التي تبدأ الأسبوع المقبل، لكنه يشكك في أن يؤدي ذلك إلى إنهاء الاحتجاجات، في ظل رغبة الطلاب في إيصال أصواتهم وانتزاع إجراءات ملموسة. ويقرّ بصعوبة التنبؤ بمسار حركة لا تزال في طور التنظيم والتشكل.

في المقابل، توقع طالب جامعي آخر، صباح الثلاثاء أي قبل المظاهرة الكبيرة بعد ظهر اليوم نفسه، تراجع الاحتجاجات، مستنداً إلى انحسار التحركات وتوقف عدد من الثانويات عن الإغلاق. ويرى أن بعض الإجراءات الحكومية قد تكون محدودة الأثر، وأن ارتفاعاً مؤقتاً في التعبئة ممكن مع اقتراب 17 أكتوبر، قبل أن تعود الحركة إلى التراجع.

وتقول تلميذتان في ثانوية ساكري كور (Sacré-Cœur)، في الدائرة الخامسة بباريس، إن الإجراءات الحكومية لم تقنعهما حتى الآن، وإنهما لن يتراجعا عن التحرك ما داما يدافعان عن حقهما في تعليم أفضل. وتلفتان إلى التفاوت في الإمكانات بين مدارس باريس ومدارس الضواحي، حيث تبدو المشكلات أكثر حدة، على الرغم من أن ثانويتهما تعاني بدورها من نقص الإمكانات ومشكلات في التغطية الصحية.

من الاحتجاج إلى القمع الأمني

لم يقتصر تطور الاحتجاجات على المطالب التعليمية، إذ أسهم التدخل الأمني للشرطة الفرنسية في نقل الأزمة إلى مستوى كثر تعقيدا، وفي آخر محصلة رسمية لعدد الإصابات فقد أعلن رئيس الوزراء ، الأربعاء، أن حصيلة الإصابات منذ بدء الاحتجاجات الطلابية بلغت 248 تلميذاً و937 شرطياً وعنصراً من الدرك و149 من العاملين في قطاع التعليم. وسُجّلت إصابات خطيرة في صفوف التلاميذ، بينها فقدان أحدهم يده إثر انفجار قنبلة صوتية أمام ثانوية في مدينة لانس، فيما تعرّض آخر لإصابات خطيرة في الفك، وفقد تلميذ ثالث القدرة على الرؤية بإحدى عينيه. وتبقى هذه الحصيلة مرتبطة بالبيانات الرسمية المعلنة، وقد لا تشمل جميع الإصابات التي لم يُبلّغ عنها أو لم يُستكمل توثيقها.

كما أثارت حصيلة التوقيفات بدورها أسئلة بشأن طبيعة الاستجابة الأمنية وحدود استخدام القوة في التعامل مع احتجاجات يشارك فيها قاصرون.

وتشير بيانات وزارة العدل إلى وضع 6,877 شخصاً قيد الحراسة النظرية بين 28 سبتمبر و8 أكتوبر، كان 86 في المئة منهم قاصرين، فيما يواجه 2,376 شخصاً ملاحقات قضائية.

تحاول المنظمات الطلابية والنقابية تجاوز الإطار المدرسي، عبر الدعوة إلى تحركات جديدة السبت 17 أكتوبر، بالتزامن مع بداية العطلة، وربط المطالب التعليمية بالاعتراض على غلاء المعيشة

ومساء الأربعاء أشارت "لوفيغارو" إلى أن 1177 بالغاً و6773 قاصراً، أي8000 شخص، خضعوا للتوقيف الاحتياطي على ذمة التحقيق، وأسفرت هذه الإجراءات عن 2725 ملاحقة قضائية، و2225 إجراءً بديلاً من الملاحقة القضائية، و1263 قراراً بحفظ الملفات من دون متابعة قضائية.

هذا وتظهر المقارنة مع احتجاجات "السترات الصفراء" عام 2018 حجم التعبئة الأمنية في فترة قصيرة نسبيا خلال الاحتجاجات الطلابية، فبحسب الأرقام الواردة أُوقف 1,949 شخصاً في يوم واحد من الاحتجاجات الطلابية في الأول من أكتوبر 2026، مقابل 1,723 شخصاً في يوم واحد خلال احتجاجات 8 ديسمبر/كانون الأول 2018. كما تشير البيانات إلى تسجيل 6,059 توقيفاً خلال الفترة الممتدة من 28 سبتمبر إلى 5 ديسمبر، مقابل نحو 6,730 شخصاً خضعوا للحراسة النظرية خلال أشهر من احتجاجات "السترات الصفراء".

ويرى كوكوريف في حديثه إلى "المجلة"، أن تدخلات الشرطة العنيفة والإصابات الخطيرة بين الطلاب والعدد التاريخي للموقوفين، أسهمت في تأجيج هذه التحركات، مشيراً إلى أن النقاش بشأن الأوامر الصادرة إلى الشرطة بالتدخل "من دون ضبط النفس" ضد قاصرين، بعضهم لم يتجاوز الرابعة عشرة، وبشأن استخدام أسلحة ذات قدرة فتك مخفّضة، أثار صدمة لدى قسم من الرأي العام.

ويحذر من أن انخفاض عتبة التسامح مع العنف عندما يتعلق الأمر بصغار السن يجب أن لا يحجب، في رأيه، حقيقة وجود عنف بنيوي تمارسه السلطة ضد الاحتجاج الاجتماعي، معتبراً أن حركة "السترات الصفراء" شكلت أحد أبرز أعراض هذا العنف.

في المقابل، ركز الخطاب الحكومي على رفض "العنف"، وسط تغطية إعلامية في المحطات والصحف الرئيسة يطغى عليها اتهام حزب "فرنسا الأبية" اليساري بالوقوف وراء الاحتجاجات، علما أن الرئيس إيمانويل ماكرون كان قد علق بداية على الاحتجاجات بالقول: "أتفهم المخاوف، وأحياناً الغضب الذي قد يشعر به شبابنا"، مضيفا: "لكن أياً من هذه النقاشات أو المخاوف لا يبرّر العنف".

ويكشف التباين بين الخطابين عن صراع على تعريف ما يجري، ففي حين تنظر السلطة وأقصى اليمين إلى الاحتجاج باعتباره مشكلة أمنية تستدعي إعادة النظام، يرى معارضوهما من اليسار والحركات الاجتماعية أنه تعبير اجتماعي يستوجب معالجة الأسباب التي أطلقته.

"التسييس" والانتخابات الرئاسية

يضع اقتراب الانتخابات الرئاسية عام 2027 الاحتجاجات الطلابية في صلب الاستقطاب السياسي، إذ تتعامل الأحزاب والقوى السياسية معها باعتبارها اختباراً لعلاقتها بالجيل الجديد، ولقدرتها على مخاطبتهم واستقطابهم كل إلى برنامجه. ويقول كوكوريف إن التحركات "تسيّست منذ البداية"، من خلال المطالبة بالكرامة والاحترام، ثم بفعل القمع الذي رافقها. ويرى أنها عبّرت عن صوت "من لا صوت لهم"، أي أولئك الذين لا يُصغى إليهم عادة، والذين اتهم الحكومة بتجاهلهم خلال الأسبوعين الأولين ووصف مطالبهم بأنها "غامضة وغير متماسكة وعبثية".

ويضيف أن اللافتات الفردية التي رفعها المتظاهرون، بما اتسمت به من حدة ومرح وإبداع، تكشف عن النضج السياسي الذي يتمتع به هذا الجيل. كما يرى أن تنظيمات من اليسار واليسار المتطرف، بدءاً من حزب "فرنسا الأبية"، مروراً بمنظمة "الثورة الدائمة"، وصولاً إلى تنظيمات أولياء التلاميذ، سارعت إلى تقديم الدعم للحركة والمساهمة في انتشارها، من دون أن يعني ذلك، في تقديره، أنها تلاعبت بها أو تحدثت باسمها.

أ.ف.ب
يحمل متظاهرون لافتات أثناء مشاركتهم في مظاهرة لطلاب المدارس الثانوية في مدينة نانت، غربي فرنسا، في إطار حراك وطني لطلاب المدارس الثانوية بشأن ظروف التعليم، في 13 أكتوبر 2026

في المقابل، أثار انخراط هذه القوى انتقادات حكومية، وشن وزير الداخلية هجوماً على حزب "فرنسا الأبية"، قائلاً: "كفّوا عن إيهام شبابنا بأمور لا أساس لها". ويشير كوكوريف إلى أن السلطة التنفيذية أدركت أهمية هذه الدينامية السياسية، وأن الاحتجاجات باتت جزءاً من صراع أوسع على تمثيل الشباب وتفسير غضبهم.

ويظهر التباين أيضاً في مواقف اليمين المتطرف وأقصى اليسار، فقد ركزت مارين لوبان زعيمة "التجمع الوطني" على البعد الأمني، معتبرة أن "العنف دخل إلى الثانويات"، داعية إلى "تحسين الأمن وإعادة الهدوء". أما جان لوك ميلانشون، فانتقد التعامل الأمني مع المتظاهرين، قائلاً: "حيثما لا توجد الشرطة، تسير الأمور على ما يرام"، في الوقت نفسه، دعت أوساط في حركته إلى اعتماد "أساليب نضالية غير عنيفة".

وفي هذا السياق، يلفت كوكوريف إلى أن وصف الحكومة الاحتجاجات بمصطلحات مثل "أعمال العنف في المدن"، و"مثيري الشغب" استهدف، فئة من الشباب المهمّش والمحروم من المكانة الاجتماعية والمنتمي إلى أقليات عرقية، "لقد أعلنت الحرب عليهم، مطالبة إياهم بالخضوع للسلطة باستخدام القوة". كما يرى أن العنف الشرطي يشكل، بطبيعة الحال، رسالة تطمين إلى شريحة من الناخبين المؤيدين لـ"التجمع الوطني".

ومن المعروف أن محاور أساسية في خطاب هذا الحزب، ولا سيما فكرة "الأولوية الوطنية"، تحظى بتأييد واسع داخل صفوف الشرطة وبين ضباطها، بحسب كوكوريف... كما "يجدر التذكير أيضاً بأن نقابة أليانس، القريبة من اليمين المتطرف، تتصدر النقابات الشرطية من حيث التمثيل منذ نحو عشر سنوات".

وتلتقي هاتان الظاهرتان، بحسب كوكوريف، في الإهانات وأعمال العنف ذات الطابع العنصري، بل والمعادي للإسلام أيضاً، التي وثّقتها تسجيلات مصورة، والتي أفاد طلاب ثانويون بسماعها خلال بعض عمليات إغلاق المدارس والاحتجاجات التي أعقبتها توقيفات، وقد فُتحت بالفعل تحقيقات إدارية وقضائية على خلفية الشكاوى المقدمة في هذا الشأن.

اختبار ما بعد العطلة

تواجه الحركة الآن اختباراً تنظيمياً وسياسياً مزدوجاً. فمن جهة، يهدد اقتراب العطلة المدرسية بتراجع المشاركة وإضعاف قدرة الطلاب على حشد زملائهم بصورة يومية، ومن جهة أخرى، تحاول المنظمات الطلابية والنقابية تجاوز الإطار المدرسي، عبر الدعوة إلى تحركات جديدة السبت 17 أكتوبر، بالتزامن مع بداية العطلة، وربط المطالب التعليمية بالاعتراض على غلاء المعيشة.

تبدو الاحتجاجات الطلابية اختبارا جديا لقدرة الجمهورية الفرنسية على تجديد وعودها الاجتماعية في ظروف مالية وديموغرافية وسياسية مختلفة

ويمثل هذا التوجه محاولة لنقل الاحتجاج من قطاع محدد إلى ائتلاف اجتماعي أوسع، يشمل فئات متضررة من تراجع القدرة الشرائية وتدهور الخدمات العامة. لكنه يظل رهناً بقدرة المنظمين على التشبيك بين المطالب المختلفة، والحفاظ على مشاركة الطلاب بعد توقف الدراسة.

كذلك لا تبدو العلاقة بين الاحتجاجات والانتخابات الرئاسية علاقة مباشرة أو محسومة، إذ إن موعد الانتخابات لا يزال بعيداً نسبياً (نحو ستة أشهر)، لكن الأكيد أن الاحتجاجات تفرض على القوى السياسية مواجهة قضايا التعليم والعدالة الاجتماعية والإنفاق العام، وقد بدأت آثار ذلك بالظهور من خلال تقدم مطلب إتاحة الانتخاب بدءا من سن السادسة عشرة.

ولعلّ السؤال الأساسي هو ما إذا كانت الدولة الفرنسية قادرة على معالجة التناقض بين وعد المدرسة بتكافؤ الفرص والواقع الاجتماعي الذي يجعل فرص النجاح متفاوتة، في وقت تضيق فيه الموارد المالية وتتزايد الضغوط على الأسر. وهنا تكتسب ملاحظة كوكوريف معناها الأوسع، أي إن الصعوبة أمام الجمهورية الفرنسية لم تعد مقتصرة على الوفاء بوعد المساواة، بل باتت تشمل قدرة المؤسسات على إقناع الشباب بأن هذا الوعد لا يزال قابلاً للتحقق.

وفي السياق نفسه يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيار روزانفالون أن الاحتجاجات الطلابية تندرج ضمن أزمة أعمق تتصل بعلاقة الأجيال بالمستقبل، وبعجز السياسة عن معالجة مشكلات يعرف المجتمع جيداً حجمها. كما يحذّر من أن انشغال الحكومات بالأزمات الآنية يأتي على حساب مصالح الأجيال الشابة وتطلعاتها بعيدة المدى.

وبين ضغوط الدين العام، وغلاء المعيشة، والتفاوت في فرص التعليم من خلال "باركورسوب"، والاستقطاب السياسي المتزايد، تبدو الاحتجاجات الطلابية اختبارا جديا لقدرة الجمهورية الفرنسية على تجديد وعودها الاجتماعية في ظروف مالية وديموغرافية وسياسية مختلفة، وعلى إقناع جيل جديد، أي "جيل زد"، بأن المدرسة لا تزال قادرة على أن تكون طريقاً إلى المستقبل، لا مرآةً للتفاوتات الراسخة.

font change

مقالات ذات صلة