رهان الكوميكس وألف ليلة وليلة في "باتمان حلوان"

عالم الأشباه في رواية طارق إمام الجديدة

رهان الكوميكس وألف ليلة وليلة في "باتمان حلوان"

أغرب ما حدث في واقعة "باتمان حلوان" أنها تبدو قد خرجت من رواية قبل أن تتحول بالفعل إلى رواية. ففي صيف 2022 انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي دعوة ساخرة إلى تجمع أمام محطة مترو حلوان، يرتدي المشاركون فيها زي باتمان ويتنافسون لتحديد "باتمان الحقيقي". بدأت المسألة مزحة إلكترونية، ثم تضخمت، وخرجت من المساحة الافتراضية إلى المجال العام، قبل أن تقبض السلطات المصرية على أربعة من منظميها.

بعد أربع سنوات، يعود الروائي المصري طارق إمام إلى الواقعة في روايته "باتمان حلوان" (منشورات تكوين، 2026)، لكنه لا يتعامل معها كحادثة يراد إعادة بنائها روائيا. ما يعنيه أكثر، هو ذلك الخلل الغريب الذي وقع بين الحقيقي والمتخيل. شخصية أميركية خيالية تصبح موضوعا لمزحة في حلوان، والمزحة تتحول إلى واقعة حقيقية، والواقعة تستدعي السلطة، ثم يأتي الروائي بعد سنوات ليعيدها مرة أخرى إلى التخييل.

تجريب كل شيء

من هذه الدائرة تنطلق واحدة من أكثر الروايات العربية الجديدة اندفاعا في التجريب، رواية تكاد تجرب كل شيء في وقت واحد، الوثيقة، و"الكوميكس" (رسوم مازن محمد)، و"ألف ليلة وليلة"، وأخبار الصحف، ومنشورات مواقع التواصل، وثقافة الأبطال الخارقين، والعامية المصرية، والفصحى، والتشكيل البصري، وتكرار الفصول، وتغيير الأسماء، وتفكيك المسافة بين الشخصية وأصلها.

لكن وراء هذا الحشد كله فكرة أكثر بساطة، هي الهوية الحديثة المتمثلة في الشبيه. تكاد "باتمان حلوان" تكون رواية عن عالم لم يعد فيه أحد أصليا تماما. كل شيء نسخة من شيء آخر، أو محاكاة له، أو تحريف طفيف عنه. حلوان نفسها تستطيع أن تصبح "غوثام سيتي"، و"غوثام" تستطيع أن تعود حيا مصريا. الإنسان يمكن أن يحمل اسم شخصية سبقته في "الكوميكس"، وشخصية "الكوميكس" يمكن أن تجد جسدا جديدا في إنسان عادي. حتى الاسم الواحد لا يستقر على صورة، فسوف نجد "سيلينا" و"سيليني"، و"كاتوومان" و"باتغيرل"، وسوف يصبح التغيير الطفيف في حرف أو صوت كافيا لفتح هوية أخرى.

تكاد "باتمان حلوان" تكون رواية عن عالم لم يعد فيه أحد أصليا تماما. كل شيء نسخة من شيء آخر، أو محاكاة له، أو تحريف طفيف عنه

لهذا تبدو اللغة في الرواية واحدة من السلطات التي تصنع العالم. يخصص إمام فصولا بعناوين مثل "اللغة والعالم" و"اللغة والمعنى"، ويجعل العلاقة بين الاسم والمسمى جزءا من الصراع نفسه. الفصحى والعامية لا تظهران هنا لأن الشخصيات تنتمي إلى مستويات اجتماعية مختلفة فقط، فهو أمر مألوف في الرواية العربية، وإنما لأن لكل طبقة لغوية طاقة مختلفة في خلق الواقع. الاسم يستطيع أن يصنع شخصا، وتغيير طريقة كتابته يستطيع أن يصنع شبيهه.

تبلغ اللعبة مداها حين يعيد الكاتب فصولا كاملة، مرة باسم "سيلينا" ومرة باسم "سيليني"، مع تغييرات طفيفة. للوهلة الأولى قد يبدو الأمر استعراضا شكليا، لكنه يصبح مفهوما إذا قرئ داخل تصور الرواية للهوية. النسخة لا تحتاج إلى اختلاف كبير عن الأصل حتى تصبح كيانا آخر. يكفي حرف، أو حركة، أو طريقة نطق. وهذه الفكرة تتجاوز اللغة إلى البشر أنفسهم.

باستثناء شخصيات محدودة مثل "جو" و"سيلينا"، يكاد معظم سكان الرواية يأتون إلى النص وخلف ظهورهم حياة سابقة. "البطريق" و"الجوكر" و"كاتوومان" و"باتغيرل" أسماء محملة تاريخا كاملا من الصور والحكايات. لا يبدأ القارئ معرفته بها من الصفحة الأولى، لأنه سبق أن رآها في "الكوميكس" أو السينما أو الثقافة الشعبية. الرواية تستثمر هذه الذاكرة ولا تحاول التخلص منها.

مضاعفة الشبيه

كان الاسم في تاريخ الرواية من أهم الوسائل التي تمنح الشخصية فرديتها. وفي بعض روايات الديستوبيا جرى سلب الإنسان اسمه وتحويله إلى رقم، إشارة إلى محو هويته. هنا يحدث شيء آخر، الشخصية لا تتحول إلى رقم، ولكن إلى شبيه. والفرق مهم وكبير، لأن الرقم يمحو الفرد، بينما الشبيه يضاعفه إلى ما لا نهاية.

يمكن عندها تخيل عالم كامل من أشباه اللاعبين، وأشباه الفنانين، وأشباه الشيوخ، وأشباه الأبطال في القصص المصورة. فالإنسان لم يعد فائضا على الحاجة فقط، بل صار قابلا للاستنساخ رمزيا، ويمكن أن يوجد منه عدد غير محدود من النسخ.

تبدو هذه الفكرة شديدة الاتصال بالمدينة المعاصرة التي تصفها الرواية من خلال حي حلوان، أو ضاحية حلوان جنوب القاهرة. المنطقة التي يعيش سكانها في فضاءين في اللحظة نفسها، فضاء مادي مكون من الشوارع ومحطات المترو والشقق والمصانع، وفضاء إلكتروني تصنعه الصور و"الهاشتاغات" و"الريلز" والبث الحي. وما يحدث في أحدهما يستطيع أن ينتقل إلى الآخر بسرعة يصعب معها معرفة أيهما الأصل.

REUTERS/Mohamed Abd El Ghany
رجل يلتقط صورة سيلفي مع باسم رؤوف، البالغ من العمر 28 عاما، والمتنكر بزي شخصية باتمان، أثناء توزيعه الكمامات على سكان حيه لمناسبة عيد الميلاد، وسط جائحة كورونا، في القاهرة، 17 ديسمبر 2020

من هنا تصبح حلوان و"غوثام" مدينتين متداخلتين. غوثام ليست مرجعا طريفا مستعارا من عالم باتمان، وحلوان ليست مجرد مكان مصري جرى إسقاط عالم "الكوميكس" عليه. كل واحدة منهما تعمل مرآة للأخرى. المدينة الخيالية تمنح الواقع المصري لغة يستطيع أن يرى نفسه من خلالها، والضاحية المصرية تعيد إنتاج الخيال في صورة أكثر سخرية وقسوة.

حتى الأمكنة الصغيرة تحمل الوظيفة نفسها: محطة المترو، الشقق السكنية، مدينة الملاهي، مصنع حلوان للكيماويات، ومقبرة السيارات. المكان هنا يتجاوز وظيفته الجغرافية ويتحول إلى مجاز. ولعل مقبرة السيارات أوضح هذه الأمكنة، فهي تمثل الفضاء الهائل الذي تتراكم فيه سيارات المجرمين والمحكومين، وتشرف عليه شخصية "الكل"، ضابط الشرطة ووالد سيلينا.

وسط الشرور الموزعة في الرواية، من الجوكر إلى البطريق، يحتل "الكل" مكانة مختلفة. شر الآخرين ينتمي بطريقة أو بأخرى إلى عالم الجريمة أو الفوضى أو التنكر، أما هو فيملك قدرة البطش باسم النظام. وهذه مفارقة مهمة في رواية منشغلة منذ البداية بالسؤال عن الحقيقي والزائف "الشبيه". الأشرار المعروفون بوصفهم أشرارا يملكون سلطة محدودة، بينما الشخصية التي تمثل النظام تستطيع ممارسة القوة من داخل شرعيتها.

يصعب التعامل مع "باتمان حلوان" كرواية أبطال خارقين، حتى على سبيل المحاكاة الساخرة. الأبطال الخارقون هنا فقدوا البطولة أصلا

يزداد هذا المجاز وضوحا مع شخصية "الولد"، ذلك الكائن الذي يكاد اسمه يكون امتناعا عن التسمية، والذي يدفن حيا في مقبرة السيارات. لا تحسم الرواية أبوته لـ"الكل"، لكنها تترك ما يكفي من الإشارات كي يصبح السؤال نفسه ذا دلالة. الأب المحتمل هو السلطة، والابن بلا اسم. ويمكن قراءة "الولد" عندها كواحد من أكثر المجازات قسوة في الرواية، والذي يمثل الإنسان العادي، الذي لا يمتلك اسما كبيرا ولا قناعا ولا بطولة خارقة، والذي ينتهي مدفونا تحت مخلفات عالم يملكه الآخرون.

لهذا يصعب التعامل مع "باتمان حلوان" كرواية أبطال خارقين، حتى على سبيل المحاكاة الساخرة. الأبطال الخارقون هنا فقدوا البطولة أصلا. القناع لا يخفي هوية سرية بقدر ما يكشف أزمة الهوية نفسها.

"الليالي"

وهذا ما يجعل استدعاء "ألف ليلة وليلة" مهما إلى جانب "الكوميكس". يستخدم إمام مقاطع من "الليالي"، ويشير إليها بعلامة يوضح دلالتها منذ البداية، فيضع نصا قديما يقوم على الحكايات التي تتوالد من بعضها، بجانب أحد أكثر أشكال الحكي الحديث اعتمادا على السلاسل والحلقات والشخصيات المتكررة. بين شهرزاد وباتمان مسافة تاريخية هائلة، لكن كليهما ينتمي إلى عالم لا تنتهي فيه الحكاية بانتهاء الحكاية، ثمة دائما حكاية أخرى، أو عدد جديد، أو حلقة تالية.

 KHALED DESOUKI / AFP
موظف مصري يرتب نسخا من كتاب "ألف ليلة وليلة" على رف في إحدى مكتبات القاهرة، 5 مايو 2010

الرواية نفسها مبنية على أربعة مجلدات، وعشرين "حلقة". والتسمية ليست بريئة. الحلقة تستدعي المسلسل و"الكوميكس" والثقافة البصرية أكثر مما تستدعي الفصل الروائي التقليدي. ثم تأتي عناوين هذه الحلقات لتقوم بدور يكاد يكون تفسيريا: "الزمن الخارجي والداخلي"، "اللغة والعالم"، "اللغة والمعنى"، "الهوية والمحاكاة"، "الواقع والتخييل"، "السجين والسجان"، وصولا إلى "الخالق والخليقة".

هذه العناوين أشبه بخريطة سرية وضعتها الرواية للقارئ وسط الفوضى. ومن دون الانتباه إليها يمكن أن يبدو العمل كتلة هائلة من الحكايات والإحالات والشخصيات والوثائق والصور. لكنها تكشف أن الفوضى مدبرة بعناية، وأن الرواية تعرف الأسئلة التي تدور حولها حتى عندما تتظاهر بأنها تفقد الطريق.

يبقى "الكوميكس" أكثر رهاناتها البصرية وضوحا. السؤال ليس إن كان إدخال "الكوميكس" إلى الرواية جديدا في ذاته، وإنما، هل يحتاج النص إليه فعلا؟ هل يمكن قراءة "باتمان حلوان" بعد حذف صفحات "الكوميكس"؟ وهل تستطيع صفحات "الكوميكس"، في المقابل، أن تعيش منفردة خارج الرواية؟

تكمن أهمية التجربة في أن الإجابة لا تبدو محسومة. "الكوميكس" لا يظهر كحلية طباعية، وفي الوقت نفسه لا يذوب كليا في السرد. يحتفظ بدرجة من استقلاله، كما تحتفظ الرواية بقدرتها على استيعابه. نحن أمام نوعين فنيين يتجاوران ويتدخل كل منهما مع الآخر دون أن يفقد أحدهما ذاكرته الخاصة. الصورة لا تشرح الكلام، والسرد لا يقوم مقام الصورة دائما.

 FRANCOIS GUILLOT / AFP
طفل يقرأ كتابا مصورا بجوار صورة ضخمة لشخصية باتمان، خلال معرض كتب وصحافة الشباب في مدينة مونتروي بضواحي باريس، 28 نوفمبر 2012

وربما لهذا تصل الرواية أحيانا إلى حافة الإفراط. فالتجريب حين يفتح أبوابه كلها في الوقت نفسه يخاطر بأن يتحول إلى ضوضاء. ثمة لحظات يشعر فيها القارئ أن الرواية تستطيع الاستمرار إلى ما لا نهاية، حكاية تفتح حكاية، وشخصية تستدعي شبيها، ونص يستحضر نصا، وصورة تحيل على صورة. ويمكن هذا التراكم أن يصل أحيانا إلى تخوم اللامعنى.

غير أن هذه المخاطرة جزء من عقد الرواية مع قارئها. فهي لا تقدم معنى ينتظر في النهاية كي يعثر عليه الجميع بالطريقة نفسها. يحتاج القارئ إلى صناعة هارموني خاص به من هذه الكتل المتنافرة، وأن يقرر بنفسه أي الخيوط سيجمع، وأي المرايا سيضع أمام بعضها.

ربما لهذا تصل الرواية أحيانا إلى حافة الإفراط. فالتجريب حين يفتح أبوابه كلها في الوقت نفسه يخاطر بأن يتحول إلى ضوضاء

هنا تظهر المفارقة الأخيرة والأكثر إثارة في "باتمان حلوان". فرواية الأشباه تريد هي الأخرى أن تصبح شبيهة. فكما يوجد أكثر من باتمان، وأكثر من سيلينا، وأكثر من صورة للمدينة، يمكن أن توجد أكثر من رواية. كل قارئ يعيد ترتيب الرواية التي قرأها، ويصنع منها نسخة مختلفة عن نسخة القارئ الآخر. المعنى نفسه يدخل في قانون الشبيه الذي يحكم الشخصيات والأمكنة واللغة.

ربما لهذا لا تكمن مغامرة طارق إمام الأساس في أنه أدخل "الكوميكس" إلى الرواية، أو استدعى "ألف ليلة وليلة"، أو مزج الوثيقة بالخيال، أو حوّل حلوان إلى "غوثام". المغامرة الأبعد أنه حاول بناء رواية تتصرف بالطريقة نفسها التي يتصرف بها العالم الذي ترويه.

font change