اليمن ومشروع الكتلة الثالثة

اليمن ومشروع الكتلة الثالثة

استمع إلى المقال دقيقة

تمثل حلقة الإعلامي عبد الله المديفر مع الفقيه والباحث اليمني محمد يحيى عزان حلقة مهمة في فهم طبيعة مكنون الأزمة اليمنية وشكل ووجه الصراع مع جماعة الحوثي، ذلك أن مضمونها كان مختلفا عن السائد الذي سمعناه لأكثر من عقد ونصف، وهو ما يجعل المتابع يعيد التفكير في مساق وسياق خطه التحريري أيضا. وأجد كمتخصص أن الباحث عزان قد أعاد تدوير بيادق الشطرنج وفق مدلولها المنهجي بما يسمح بانتهاء الجولة، أو الخروج بحلول مرضية وفق قواعد الاشتباك المنهجية.

هذا السياق لم يُعجب كثيرا من المستفيدين من بقاء بيادق الشطرنج متخالفة في مواضعها وأدوارها، فكان أن عبروا عن انزعاجهم الشديد مما قاله، وأفصحوا عن معارضتهم له واتهامه بمختلف التهم. وأتصور أن ما طرحه من آراء جدلية حول طبيعة الأزمة اليمنية وتطور الصراع مع جماعة الحوثي، مهم ليتم الالتفات له بنظرة تحليلية، لاسيما وأن السردية التي عمل عليها خصومه طوال عقد ونصف، بل وأكثر من ذلك، لم تقدم أو تؤخر، كما لم تؤثر في تغيير طبيعة الواقع الحياتي في الداخل اليمني، وهو ما يصب في منهج الباحث عزان الاستدلالي، المنطلق من قيمة وأهمية دقة المعلومة وصوابها حول الخصم، إذ لا فائدة من حشو الساحة بمعلومات خاطئة، كما أنها لن تهزمه بقدر ما تجعله أكثر مناعة في بيئته الحاضنة.

أشير إلى أن ما تعرض له عزان قد سبق وتعرض له الكاتب ضياء خالد السعيدي الذي قدم سردية مختلفة عبر لقائه بإذاعة "ثمانية" قبل فترة من الزمن، فكان أن تمت مهاجمته من قبل كثير من الإعلاميين الذين عملوا على بناء رواية غير دقيقة مذهبيا واجتماعيا وتاريخيا، مع عدم إدراكهم حجم الأثر السلبي حال مخالفة ما يقدمونه من رواية لطبيعة الواقع والسياق التاريخي من جهة، وعدم تنبههم إلى أنها هي ذات السردية التي عمل عليها النظام السابق على عهد الرئيس علي عبد الله صالح، والتي لم تحقق أي نتيجة مهمة، كما لم تُغير شيئا في السياق المجتمعي اليمني، وبالتالي فمن العبث إعادة ضخ أبجديات تلك السردية مرة أخرى في ظل احتدام الصراع القائم حاليا.

من هنا يبرز ما أشار إليه الفقيه محمد عزان في لقائه ببرنامج "في الصورة"، ومن هنا أيضا يخطر في بالي حاجة اليمن اليوم في ظل استطالة الحرب المدمرة، إلى تأسيس "كتلة وطنية ثالثة" مُشكلة من وجهاء قبليين وسياسيين مستقلين، وعلماء معتدلين، وشخصيات بارزة من مختلف أرجاء اليمن، شريطة أن يكونوا ممن تميزوا بمواقفهم المعتدلة، ومنطقهم المنهجي، بعيدا عن الغلو والفُجر في الخصومة. ويكون من أول واجباتهم العمل على وقف كل أعمال الاقتتال البيني، وتقريب المسافات بين الفرقاء المتحاربين بضمانة ووجاهة أعضاء كتلتهم الثالثة المدعومة وطنيا وإقليميا ودوليا، والتي تعمل على إعادة الحوار البيني الإيجابي وفقا للأسس المتفق عليها في مؤتمر الحوار الوطني الشامل 2014، بغية الوصول إلى اليمن المرجو سواء كان لامركزيا سياسيا أو لامركزيا إداريا، بالأقاليم أو المحافظات المتفق عليها، مع إقرار حل المسألة الجنوبية بالتوافق، وبما يقرره أهله بالدرجة الرئيسة مجتمعين.

يحتاج اليمن إلى مساعدة وسيط لتشكيل الكتلة الوطنية الثالثة، ولا شك ليس أفضل من السعودية وسلطنة عمان. وعلى الصعيد الدولي ليس أفضل من "منظمة التعاون الإسلامي" وأمينها الحالي إسماعيل ولد الشيخ أحمد

في هذا السياق، يحتاج اليمن إلى مساعدة وسيط لتشكيل الكتلة الوطنية الثالثة ابتداء، ثم تدبير مساعيها وخطواتها لتحقيق الغاية منها، ولا شك فليس أفضل من المملكة العربية السعودية التي لم تتردد في دعم الشعب اليمني واحتضان أبنائه، وكذلك سلطنة عمان التي بحكم جوارها الجغرافي وعلاقاتها الوطيدة بالحدث اليمني، فإنها وشقيقتها السعودية أفضل حاضنين إقليميين للكتلة الوطنية الثالثة؛ وعلى الصعيد الدولي فليس أفضل من "منظمة التعاون الإسلامي" لتكون راعية للكتلة الثالثة وداعمة لها دوليا، لاسيما في عهد أمينها الحالي إسماعيل ولد الشيخ أحمد الذي شغل من قبل منصب المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن في الفترة من مايو/أيار 2015 إلى فبراير/شباط 2018، وهو ما يجعله على الصعيد الشخصي والمؤسسي على اطلاع كثيف بطبيعة القضية اليمنية وتداخلاتها، كما أن وظيفته الحالية تسمح له بإجراء حوار بناء مع مختلف الدول المتقاطعة مع أزمة اليمن على الصعيد الإقليمي كإيران والإمارات العربية المتحدة، وعلى الصعيد الدولي أيضا.

أخيرا، لقد عاش اليمن ظروفا صعبة منذ بدء تكوينه الحديث، فمن ثورة الدستور ضد الإمام يحيى عام 1948، إلى ثورة 1955، ثم إعلان الثورة اليمنية الكبرى عام 1962، واندلاع حرب أهلية انتهت بحكومة وحدة وطنية مشكلة من الملكيين والجمهوريين عام 1970. وفي الجنوب تمكن القوميون من إعلان الاستقلال عام 1967، وقيام دولتهم التي لم تسلم من الصراعات الدموية والتي شكلت أحداث يناير/كانون الثاني 1986 ذروتها، ليدخل اليمنان بعدها بسنوات بسيطة في وحدة اندماجية مايو/أيار 1990، ثم ليتفجر الوضع في حرب دموية عُرفت بحرب الانفصال 1994، ويتعرض الجنوب إلى إقصاء منهجي أدى إلى اندلاع مظاهرات الحراك الجنوبي السلمي، وصولا إلى أحداث الربيع العربي فبراير/شباط 2011 وبدء انهيار منظومة الدولة، وانتهاءً بما هو عليه من مختلف التطورات العسكرية والسياسية الجارية اليوم. كل هذا يستدعي من الفرقاء اليمنيين أن ينهوا حلقة الصراع الدائمة ليعيش اليمن في سلام، وينعم إنسانه بخيره وخير جواره.

font change