المشهد من أنقرة... أزمات متشابكة وتحالفات متبدلة

تواجه تركيا مشهدا إقليميا تتشابك فيه هجمات الحوثيين والتحالفات الدفاعية والتوترات مع إسرائيل وأذربيجان، فيما تحقق مكسبا في ليبيا، وسط تساؤلات حول الدور الأميركي

أ ف ب
أ ف ب
مروحية «سي هوك إس-70 بي» تابعة للبحرية التركية وأخرى هجومية من طراز «تي-129 أتاك» تشاركان في استعراض خلال مناورات «ذئب البحر-1/2026» في شرق المتوسط، قبالة سواحل أكساز بولاية موغلا التركية، في 24 سبتمبر/أيلول 2026.

المشهد من أنقرة... أزمات متشابكة وتحالفات متبدلة

تنتقل بؤرة القتال، في الوقت الراهن، إلى اليمن ويشن الحوثيون بدعم من إيران اعتداءات على المطارات والمدن والمنشآت النفطية والبنية التحتية في السعودية، حيث تسعى إيران إلى تعطيل تدفقات الطاقة وإرباك الأسواق العالمية.

وتسعى الأطراف الرئيسة المعنية بالأزمة إلى إيجاد مخرج يتيح احتواء التصعيد والسيطرة على الأوضاع، في ظل تشابك عوامل كثيرة يتعين أخذها في الحسبان. وفي الولايات المتحدة، يجد الرئيس دونالد ترمب نفسه في موقف حرج قبل أسابيع قليلة من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، وسط مؤشرات لا تبشر بنتائج مواتية له.

ورغم انسحاب القوات الأميركية من العراق وسوريا، لم يتمكن ترمب من النأي ببلاده عن صراعات الشرق الأوسط. فالولايات المتحدة تخوض حربا بالفعل، وتواجه خطر الانجرار إلى حروب أخرى. ورغم إعلانه تحقيق النصر، فإن إيران، على ما تلقته من ضربات قاسية، لا تزال تعلن عدم قبول الهزيمة.

وقد وصف ترمب سلوك الحوثيين بأنه سيئ للغاية، مؤكدا أنه لن ينسى هجماتهم على السعودية، لكنه أحجم حتى الآن عن إرسال قوات أميركية أو إشراكها في عمليات عسكرية لدعم المملكة. وأشار إلى احتمال أن يطلب من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان التدخل لمساندة السعودية، من دون أن يصدر أي رد علني من أنقرة.

ومن شأن سياسات ترمب هذه أن تعمّق انعدام الثقة في الولايات المتحدة وتقوض الثقة بها.

تحالفات جديدة... و"اتفاق مكة"

تفضي التوترات والتطورات المتلاحقة في المنطقة إلى نشوء تحالفات جديدة أو صيغ مختلفة من التعاون، وإن ظلت آليات عملها وحدود دورها غير متبلورة حتى الآن.

وقد استقطب "اتفاق مكة"، الذي وقّعته تركيا والسعودية وباكستان في 7 أغسطس/آب، اهتماما واسعا، خصوصا لاحتوائه على بند يشبه المادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وينص على اعتبار أي اعتداء على إحدى الدول الثلاث اعتداء عليها جميعا.

تحضر إسرائيل في مختلف جوانب المشهد الإقليمي، وتتداخل حساباتها مع معظم الملفات والأزمات المطروحة

وأثار الاتفاق في تركيا تساؤلات بشأن أهدافه والجهات التي يستهدفها وبطبيعته والتهديدات التي يسعى إلى مواجهتها.

وأُحيل "اتفاق مكة للدفاع المشترك" يوم الثلاثاء 20 أكتوبر/تشرين الأول إلى البرلمان التركي للتصديق عليه، بعدما كان وزير الخارجية هاكان فيدان قد أعلن أن الاستعدادات لهذه الخطوة شارفت على الاكتمال.

وفي محاولة لتوضيح الموقف، أكد فيدان أن الاتفاق ذو طبيعة دفاعية ولا ينطوي على أهداف هجومية، لكن تصريحاته لم تبدد المخاوف أو تضع حدا للانتقادات.

رويترز
وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان ووزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان خلال اجتماع اللجنة المنبثقة عن "اتفاق مكة للدفاع المشترك"، في إسطنبول، 31 أغسطس/آب 2026

وترجح مصادر وثيقة الصلة بالدوائر الحكومية أن يقتصر الدور التركي على تقديم دعم دفاعي. وتفيد معلومات متداولة بأن بعض العسكريين والمعدات التركية نُشروا بالفعل لهذا الغرض.

مستقبل نتنياهو السياسي والعلاقات التركية-الإسرائيلية

تحضر إسرائيل في مختلف جوانب المشهد الإقليمي، وتتداخل حساباتها مع معظم الملفات والأزمات المطروحة.

وتشير استطلاعات الرأي إلى تقارب شديد بين المتنافسين قبيل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول. ويخوض بنيامين نتنياهو حملته مقدما نفسه باعتباره الزعيم الأقدر على حماية إسرائيل من جميع التهديدات، وسط توقعات بأن يلجأ إلى كل ما في وسعه لضمان الفوز. وقد حذر رئيس سابق لجهاز الشاباك، في مقابلة صحافية، من احتمال أن يتعمد نتنياهو تصعيد التوتر على إحدى الجبهات الأمنية الإسرائيلية عشية الانتخابات.

ولا تخفى رغبة إسرائيل القديمة في إقامة علاقات دبلوماسية مع السعودية، في حين تتمسك المملكة بالشروط التي حددتها مبادرة السلام العربية.

وقد دفعت هجمات الحوثيين، الولايات المتحدة والسعودية وتركيا ومصر، إلى جانب أطراف أخرى، نحو التقارب في المواقف من هذه الهجمات. فقد أدانتها جميعا، وأعربت، كل على طريقتها، عن دعمها للسعودية.

ألقى قانون أقرته أذربيجان أخيرا بشأن قواعد اللباس في المؤسسات التعليمية بظلاله على علاقاتها مع تركيا، إذ يحظر على الطلاب والمعلمين دخول المدارس بملابس تتعارض مع الطابع العلماني للتعليم

وفي الوقت نفسه، ترى إسرائيل وأطراف أخرى في التطورات الراهنة فرصة لتحقيق أهداف تتصل بعلاقاتها الثنائية وحساباتها السياسية الإقليمية.

وتحتل العلاقات التركية-الإسرائيلية مكانة مهمة في هذا السياق. فتركيا من أشد منتقدي سياسات نتنياهو التي تصفها بأنها تنطوي على إبادة جماعية، فيما وصف نتنياهو الرئيس أردوغان بأنه معاد للسامية وطاغية، واتهمه باستضافة قادة حركة "حماس" الذين يصفهم بالإرهابيين.

وتثير حدة التوتر بين البلدين مخاوف من انزلاقهما إلى مواجهة مباشرة، وإن ظل هذا الاحتمال بعيدا في الوقت الراهن. ويبدو أن الطرفين يفضلان مواصلة الضغط المتبادل عبر الوسائل الدبلوماسية والاقتصادية وغيرها، مع تجنب الصدام العسكري المباشر.

وفي ظل الظروف الراهنة، يبدو أي انفراج قريب في العلاقات التركية-الإسرائيلية مستبعدا. وحتى مجرد تخفيف حدة التوتر بينهما يظل صعب المنال، ناهيك عن مصافحة تجمع قيادتي البلدين.

توتر في العلاقات التركية-الأذربيجانية

ألقى قانون أقرته أذربيجان أخيرا بشأن قواعد اللباس في المؤسسات التعليمية بظلاله على علاقاتها مع تركيا، إذ يحظر على الطلاب والمعلمين دخول المدارس بملابس تتعارض مع الطابع العلماني للتعليم.

أ ب
الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف (يمينا) ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان قبيل محادثاتهما على هامش مؤتمر التفاعل وإجراءات بناء الثقة في آسيا «سيكا»، في باكو، أذربيجان، الخميس 15 أكتوبر/تشرين الأول 2026

وتبرز قضية أخرى تزيد العلاقات حساسية، تتعلق بموقف أذربيجان من إسرائيل. فقد امتنعت باكو عن انتقاد السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين وغيرهم، وواصلت في الوقت نفسه توثيق علاقاتها مع إسرائيل.

وتستند العلاقات الوثيقة بين البلدين، في المقام الأول، إلى الدعم الذي قدمته إسرائيل لأذربيجان خلال حربها لاستعادة أراضيها المحتلة، فضلا عن انعدام الثقة المشترك بإيران، وتقارب مواقفهما إزاء ما تعتبرانه تهديدات مرتبطة بـ"التطرف".

وأثارت مشاركة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ في القمة السابعة لمؤتمر التفاعل وإجراءات بناء الثقة في آسيا، التي استضافتها باكو الأسبوع الماضي، موجة جديدة من التوتر. فقد غادرت وفود عدة، بينها وفود تركيا والسعودية ومصر، قاعة الاجتماع احتجاجا عندما بدأ هرتسوغ إلقاء كلمته.

من شأن نتائج الانتخابات المرتقبة في الولايات المتحدة وإسرائيل أن تترك آثارا مباشرة على مسار الأحداث في الشرق الأوسط، سواء أسهمت في تهدئة الأوضاع أو زادت المنطقة اضطرابا

كما أثارت الاحتجاجات التي نظمتها جماعات محافظة أمام البعثات الدبلوماسية الأذربيجانية في إسطنبول، إلى جانب تصريحات بعض المسؤولين الأتراك، استياء في باكو، التي قابلت هذه المواقف بردود مماثلة.

وتسعى أنقرة حاليا إلى احتواء الأزمة وتهدئة التوتر مع أذربيجان.

ومن المقرر أن تستضيف العاصمة التركية اجتماعا لمنظمة الدول التركية في أواخر أكتوبر. وستكون مشاركة الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف في الاجتماع، أو غيابه عنه، مؤشرا مهماً إلى الاتجاه الذي قد تسلكه العلاقات بين البلدين.

اختراق تركي في ليبيا

في 20 أكتوبر، صدّق مجلس النواب الليبي في طبرق على اتفاق ترسيم المناطق البحرية الذي وقعته تركيا وليبيا عام 2019، في تطور يمثل مكسبا مهماً لأنقرة ونفوذها الإقليمي.

فتركيا، التي وقفت حتى وقت قريب إلى جانب طرابلس في مواجهة طبرق، وأدت دورا مهماً في تشكيل المشهد الليبي الراهن، طورت أخيرا علاقاتها مع طبرق أيضا، واستضافت في أنقرة ممثلين عن الطرفين معا.

ويُعد تصديق البرلمان الليبي على الاتفاق تطورا غير مواتٍ لإسرائيل واليونان وقبرص، التي شكلت جبهة في مواجهة أنقرة. ولن يكون مستغربا أن تتخذ هذه الدول الثلاث خطوات ردا على هذا التطور، بما ينذر بتوترات جديدة في شرق البحر المتوسط، ويضيف ملفا آخر إلى التحديات التي يتعين على تركيا التعامل معها.

وأثار تصديق البرلمان الليبي على مذكرة التفاهم البحرية مع تركيا اعتراض مصر، إذ أعلنت وزارة الخارجية المصرية رفضها المصادقة، ووصفت المذكرة بأنها "باطلة ومعدومة الأثر القانوني"، معتبرة أنها تخالف القانون الدولي وتمس حقوق مصر السيادية. وأكدت رفضها أي إجراءات تتعارض مع حدودها البحرية المعلنة، مشددة على أن المذكرة لا ترتب أي آثار قانونية بالنسبة لمصر.

أ ف ب
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (يسارا) يصافح نظيره الإيراني عباس عراقجي على هامش الدورة الـ52 لمجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي في بغداد، في 17 أكتوبر/تشرين الأول 2026.

وحسب المشهد من أنقرة، تتشابك الصراعات المشتعلة في أنحاء الشرق الأوسط وتتداخل خيوطها، بحيث باتت التحالفات والخصومات أكثر تعقيدا مما توحي به المواقف المعلنة. وقد تجد دول متخاصمة نفسها في خندق واحد إزاء قضية معينة، فيما تقف دول حليفة على طرفي نقيض في قضايا أخرى.

وتقدم التطورات الأخيرة في منطقة الخليج، والتوترات التي شهدتها العلاقات التركية-الأذربيجانية، مثالين بارزين على هذه المفارقات.

ومن شأن نتائج الانتخابات المرتقبة في الولايات المتحدة وإسرائيل أن تترك آثارا مباشرة على مسار الأحداث في الشرق الأوسط، سواء أسهمت في تهدئة الأوضاع أو زادت المنطقة اضطرابا.

وفي جميع الأحوال، تبدو مراجعة المقاربات السائدة وأنماط التفكير التي تحكم التعامل مع أزمات المنطقة ضرورة لا غنى عنها إذا أريد إحلال السلام والاستقرار.

أما إذا واصلت إسرائيل سياساتها العدوانية، واستمرت إيران في توسيع رقعة الصراع عبر وكلائها، ومضت الولايات المتحدة في انتهاج سياسات مترددة وملتبسة، فستبقى المنطقة مهددة بالفوضى، مع احتمال كبير لاندلاع صراعات جديدة تضاف إلى النزاعات القائمة.

font change

مقالات ذات صلة