مهرداد أخلاقي... وزير دفاع من خارج المؤسسة العسكرية الإيرانيةhttps://www.majalla.com/node/333753/%D8%A8%D8%B1%D9%88%D9%81%D8%A7%D9%8A%D9%84/%D9%85%D9%87%D8%B1%D8%AF%D8%A7%D8%AF-%D8%A3%D8%AE%D9%84%D8%A7%D9%82%D9%8A-%D9%88%D8%B2%D9%8A%D8%B1-%D8%AF%D9%81%D8%A7%D8%B9-%D9%85%D9%86-%D8%AE%D8%A7%D8%B1%D8%AC-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A4%D8%B3%D8%B3%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B3%D9%83%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9
عين الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان مهرداد أخلاقي وزيرا للدفاع في أكتوبر/تشرين الأول 2026، في اختيار غير مألوف، إذ يفتقر الوزير الجديد إلى الخلفية العسكرية النظامية التي تميز معظم أسلافه. ويأتي تعيينه في ما قد يكون أشد المراحل حساسية في تاريخ الجمهورية الإسلامية. فأخلاقي من المخضرمين في المجمع الصناعي العسكري الإيراني، وترتبط مسيرته على وجه الخصوص بتطوير الصواريخ وإنتاجها، ولهذا الاختيار دلالته. فبقاء النظام الإيراني بات يعتمد إلى حد بعيد على حجم ترسانته الصاروخية ونوعية ما تضمه من أسلحة. وقد تولى أخلاقي منصبه في وقت تواجه فيه طهران احتمال اندلاع حرب جديدة وشيكة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، فيما أصبحت إعادة بناء ترسانتها العسكرية، التي أنهكتها الضربات، أولوية وطنية ملحة.
شخصية معروفة لدى الاستخبارات
ولد أخلاقي عام 1958 في مدينة رشت شمال إيران، بالقرب من بحر قزوين. ورغم أنه غير معروف على نطاق واسع لدى الرأي العام الإيراني، فقد ظل موضع اهتمام أجهزة الاستخبارات الغربية طوال عقدين على الأقل. ففي مارس/آذار 2007، فرض عليه مجلس الأمن الدولي عقوبات لدوره في برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، وكان آنذاك يرأس مجموعة شهيد باقري الصناعية، إحدى الركائز الأساسية لصناعة الصواريخ في البلاد. ثم فرضت عليه الولايات المتحدة عقوباتها الخاصة، وتبعها الاتحاد الأوروبي وبريطانيا. وهكذا، أخرج تعيينه إلى دائرة الضوء شخصية عملت طويلا خلف الكواليس.
في الجمهورية الإسلامية، لا تكفي الكفاءة التقنية والخبرة الإدارية لبلوغ المراتب العليا في السلطة؛ فلا بد أيضا من غطاء سياسي
درس أخلاقي الهندسة الكيميائية في جامعة أمير كبير للتكنولوجيا، ثم حصل على درجة الماجستير في الإدارة الاستراتيجية من جامعة مالك الأشتر، المرتبطة بالمؤسسة الدفاعية الإيرانية. ويقول إنه التحق بقطاع الصناعات الدفاعية عام 1984، بعد أربع سنوات من اندلاع الحرب الدامية بين إيران وعراق صدام حسين، حين جعلت العزلة الدولية تطوير الإنتاج العسكري المحلي أولوية قصوى. وبحلول منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كان قد وصل إلى منصب رفيع في صناعة الصواريخ الإيرانية.
ولم تنته القيود المفروضة على وصول إيران إلى أسواق السلاح العالمية بانتهاء حربها مع العراق عام 1988. فقد سعت طهران إلى تعويض ضعف قواتها الجوية والبحرية التقليدية باستثمارات ضخمة في تطوير الصواريخ، ثم الطائرات المسيرة لاحقا. وأدت مؤسسات مثل "مجموعة شهيد باقري الصناعية" دورا محوريا في هذه الجهود. وتنسب تقارير إيرانية إلى أخلاقي دورا في دعم تطوير الصواريخ العاملة بالوقود الصلب، ومنها عائلة صواريخ "فاتح 110"، كما تربط مراحل لاحقة من مسيرته الإدارية بتطوير صواريخ "سجيل" و"ذو الفقار" الباليستية.
ويصعب تحديد حجم مساهمته الشخصية في تطوير كل منظومة من هذه المنظومات بدقة. لكن المؤكد أنه شغل مناصب قيادية في مؤسسات كان لها دور أساسي في توسيع الترسانة الصاروخية الإيرانية.
العلاقات السياسية
في الجمهورية الإسلامية، لا تكفي الكفاءة التقنية والخبرة الإدارية لبلوغ المراتب العليا في السلطة؛ فلا بد أيضا من غطاء سياسي. ويبدو أن علاقات وزير الدفاع الجديد السابقة أسهمت في صعوده. فقد حرص بيزشكيان، خلال دفاعه عن ترشيح أخلاقي أمام مجلس الشورى، على ذكر ثلاثة من زملائه السابقين بالاسم: حسن طهراني مقدم، ومحسن فخري زاده، وأمير علي حاجي زاده. ولم يكن اختياره لهذه الأسماء اعتباطيا.
وزير الدفاع الإيراني الجديد مهرداد أخلاقي كتابجي يتحدث في طهران، إيران، 18 أكتوبر، 2026
فالثلاث شخصيات بارزة في المؤسسة العسكرية الاستراتيجية الإيرانية. كان فخري زاده من أبرز المسؤولين عن البرنامج النووي الإيراني، وقُتل في عملية نُسبت إللى الموساد عام 2020. أما حاجي زاده، الذي قاد القوات الجوفضائية لـ"الحرس الثوري"، فقُتل في غارة جوية إسرائيلية خلال حرب يونيو/حزيران 2025. وقُتل طهراني مقدم، الذي يُعتقد أنه كان مرشدا لأخلاقي ويُعرف بلقب "أبو البرنامج الصاروخي الإيراني"، في انفجار عام 2011، تنسب بعض الروايات تدبيره إلى إسرائيل. وفي النظام السياسي الإيراني، قلّما يضاهي شيءٌ ما تمنحه الصلة الوثيقة برجال يحظون رسميا بمكانة تكاد تبلغ حد التقديس، من رصيد سياسي ومكانة داخل المؤسسة الحاكمة.
وقد وضعته علاقاته المفترضة بهؤلاء الرجال في موقع يصل بين الجهاز الصناعي لوزارة الدفاع وبعض أشد البرامج العسكرية الإيرانية حساسية. ورغم أن طبيعة تعاونه مع كل منهم لا تزال غير واضحة، فإن إبراز بيزشكيان لهذه العلاقات كان مقصودا، إذ قدم أخلاقي باعتباره أحد الباقين من جيل أسهم في بناء قدرات الردع الاستراتيجي الإيراني.
علاقات أخلاقي وضعته في موقع يصل بين الجهاز الصناعي لوزارة الدفاع وبعض أشد البرامج العسكرية الإيرانية حساسية
وجاءت أهم ترقية في مسيرة أخلاقي في نوفمبر/تشرين الثاني 2014، حين عينه وزير الدفاع حسين دهقان رئيسا لمنظمة الصناعات الجوفضائية، مشيدا بخبرته الإدارية وتدرجه في مناصبها. وكان ذلك في عهد الرئيس حسن روحاني، بينما كانت إيران تتفاوض مع القوى الدولية بشأن الاتفاق النووي. وقد كشف التعيين عن سمة راسخة في السياسة الإيرانية: فمهما اختلفت الحكومات المنتخبة في مواقفها الدبلوماسية، ظل تطوير القدرات العسكرية الاستراتيجية يحظى باستمرارية مؤسسية كبيرة، ويسير في مسار مستقل لا يخضع إلا لمكتب "المرشد الأعلى".
وانتقل أخلاقي لاحقا إلى مناصب إدارية عليا في منظمة الصناعات الدفاعية، حيث أشرف على نطاق أوسع من الإنتاج العسكري، مع احتفاظه بموقع بعيد عن الأضواء. وبحسب وسائل إعلام إيرانية، كان العثور حتى على صورة له أمرا صعبا قبل ترشيحه في أكتوبر/تشرين الأول 2026. وأظهرت أولى صوره التي انتشرت على نطاق واسع رجلا يرتدي نظارة طبية وبدلة مدنية، يمثل أمام لجان برلمانية محاطا بضباط يرتدون الزي العسكري.
مرحلة بالغة الحساسية
جاء تعيين أخلاقي في ظروف استثنائية. فقد قُتل سلفه عزيز نصير زاده في الضربات الأميركية الإسرائيلية الأولى يوم 28 فبراير/شباط 2026. وتولى ماجد ابن رضا إدارة الوزارة بالوكالة طوال ما يقرب من ثمانية أشهر، قبل أن يرشح بيزشكيان أخلاقي في مطلع أكتوبر/تشرين الأول. وفي 18 من الشهر نفسه، وافق البرلمان على تعيينه بأغلبية 237 صوتا مقابل 15 صوتا معارضا. وجرت عملية التصويت عن بُعد، في مؤشر إلى الاحتياطات الأمنية التي تفرضها على المؤسسات الإيرانية التهديدات المستمرة بشن ضربات عسكرية.
عناصر من الشرطة الإيرانية وعدد من المواطنين يحملون صورة ونعش حسن طهراني مقدم، وهو قائد في الحرس الثوري قُتل في انفجار وقع داخل قاعدة عسكرية، في طهران 14 نوفمبر 2011
وإذا كانت مؤهلات أخلاقي المهنية واضحة، فإن مصادر دعمه السياسي أقل وضوحا. فلا توجد أدلة مقنعة على انتمائه إلى تيار سياسي محدد، أو على أن أكثر أجنحة النظام تشددا فرضت تعيينه على بيزشكيان. فقد امتدت مسيرته عبر عهود حكومات عدة، ويبدو أن اختياره حظي بتأييد شخصيات بارزة في "الحرس الثوري" والجيش النظامي، المعروف باسم "أرتش". وقد رحب بتعيينه كل من أحمد وحيدي، قائد "الحرس الثوري"، وأمير حاتمي، قائد الجيش.
وقال أخلاقي إنه أعد خططه لوزارة الدفاع بالتشاور مع قيادة القوات المسلحة، وهي مسألة أساسية لنجاحه. فوزير الدفاع الإيراني مسؤول عن تلبية احتياجات "الحرس الثوري" والقوات المسلحة النظامية على السواء، فيما يحتفظ "المرشد الأعلى"، مجتبى خامنئي، بالسلطة النهائية على الشؤون العسكرية. ومن هذا المنطلق، يرجح أن يكون اختيار أخلاقي قد حظي بتوافق داخل المؤسسات المعنية، وإن ظلت هوية الجهة التي طرحت اسمه ودعمت ترشيحه في البداية مجهولة.
غير أن هذا التوافق لم يحظ بإجماع الجميع. فقد شكك النائب المتشدد محمد تقي نقد علي في سجل أخلاقي، واتهمه بضعف الحماسة وسوء الإدارة والإخفاق في إنجاز مشاريع دفاعية مهمة. وانتقد افتقاره إلى الخبرة القتالية خلال الحرب الإيرانية العراقية، معتبرا أن أسلوب حياته وعاداته المهنية لا ينسجمان مع الروح الثورية المطلوبة من وزير دفاع في زمن الحرب. ورأى نائب آخر، هو حامد يزديان، أن برنامج أخلاقي تقليدي أكثر مما ينبغي، ولا يمنح الالتزام الأيديولوجي والابتكار التقني ومتطلبات الحرب الهجينة ما تستحقه من اهتمام.
وتكشف هذه الاعتراضات عن بعض التحفظات داخل المؤسسة الحاكمة، وإن ظل تأثيرها محدودا. فهي توحي بأن أبرز مواطن ضعف أخلاقي قد لا يتعلق بكفاءته التقنية، وإنما بعدم مطابقته صورة القائد العسكري الثوري التي تفضلها بعض الأوساط المتشددة. ومع ذلك، دافع عنه بيزشكيان بقوة، مؤكدا أن خبرته العلمية والإدارية ومشاركته الطويلة في تطوير الأسلحة هي المؤهلات التي تحتاجها إيران في هذه المرحلة تحديدا.
وهنا يبرز سؤال: هل يمثل تعيين أخلاقي تنازلا سياسيا قدمه بيزشكيان للمتشددين، أم استجابة عملية للمأزق العسكري الذي تواجهه إيران؟
يصر أخلاقي على توسيع نطاق إسناد الإنتاج الدفاعي إلى جهات خارج وزارة الدفاع، مستهدفا رفع حصتها إلى أكثر من 85 في المئة بحلول عام 2027
ترجح المعطيات المتاحة الاحتمال الثاني. فأخلاقي ينتمي إلى صميم المؤسسة الأمنية للجمهورية الإسلامية، لكن لا يبدو أنه يمثل تياراً أيديولوجياً بعينه. وتكمن ميزته الأساسية في معرفته العميقة بالمنظومة الصناعية المسؤولة عن إنتاج الأسلحة الإيرانية. وبعد الدمار الذي خلفته الحروب المتعاقبة، بات التحدي الملح أمام طهران يتمثل في تصنيع صواريخ بكميات كافية، وحماية منشآت الإنتاج، وتعويض المخزونات المستنزفة، إلى جانب تطوير منظومات صاروخية جديدة.
وتعكس خطط أخلاقي هذا الإلحاح. فقد دعا إلى توسيع نطاق إسناد الإنتاج الدفاعي إلى جهات خارج وزارة الدفاع، مستهدفا رفع حصتها إلى أكثر من 85 في المئة بحلول عام 2027. كما يدعو إلى توزيع منشآت الإنتاج على مواقع متعددة، وتعزيز حماية المصانع الحساسة، وزيادة الاعتماد على الجامعات وشركات التكنولوجيا الخاصة. ويقول مسؤولون إيرانيون إن إنتاج الأسلحة ارتفع بصورة كبيرة منذ الحرب، وإن كان من الصعب التحقق من هذه الأرقام بصورة مستقلة. وتعهد أخلاقي أيضا بإيلاء الدفاع الجوي اهتماما أكبر، بعدما كشفت الهجمات الأميركية والإسرائيلية في عامي 2025 و2026 عن أوجه قصور كبيرة في هذه المنظومة.
وهكذا، سيتوقف مستقبل أخلاقي السياسي، في نهاية المطاف، على قدرته على تلبية احتياجات الأجنحة المختلفة داخل النظام أكثر من قدرته على إرضائها سياسيا. فالجميع يحتاج إلى صناعة دفاعية قادرة على الصمود أمام هجمات جديدة، وتوفير الأسلحة اللازمة لمواجهات أخرى محتملة. وقد تختلف القيادة الإيرانية حول كيفية إدارة الصراع مع واشنطن، لكنها تبدو أكثر اتفاقا على ضرورة إعادة بناء القدرات العسكرية للبلاد.