كانوا يرفعون صوت التلفزيون عندما يريدون خفض صوتهم. في البيوت، كان لأي انتقاد طقس يسبقه. يرتفع صوت المذيع أو المسلسل، ثم يضع المتحدث فمه في أذن ضيفه. وحتى أولئك الذين يملكون سلطة، كانوا يتحسبون من جدران الخوف. بعضهم يعرف كيف تُزرع أجهزة التنصت وبعضهم الآخر زرعها، وآخرون يخشون أن يكون زملاؤهم سبقوهم إليها.
بعد نحو سنتين من سقوط النظام السوري، لا يزال خيط القصص لا ينقطع. كان التلفزيون يتكلم كي يستطيعوا الكلام. وقد يعلو منه مديح "السيد الرئيس"، فيما يحاول الجالسون أمامه تمرير ملاحظة أو تنهيدة. لكن الهاتف لا يتيح دائماً مثل هذا الاحتياط. للهاتف خطط أخرى. هناك ملايين القصص. قصة جميل حسن وعلي مملوك واحدة منها، حسب رواة. كان الأول قد فقد منصبه على رأس المخابرات الجوية، فيما بقي الثاني في موقعه مديرا لمكتب الأمن الوطني. ثم جاء دوره. في اليوم الذي أزاحه بشار الأسد، اتصل به حسن وبدأ يسأل عن قرار إبعاده. ربما ظن أن خسارة المنصب تتيح للضابطين حديثاً تعذر عليهما سابقا. غير أن مملوك مخترع الأفخاخ، استعجل القول: "ارفع صوتك. لا أسمعك... التليفون يخشخش"، ثم أغلق الهاتف. كان يحاول حذف اسمه من تقرير يُكتب من عنصر مهمته تسجيل الاتصالات.
خرج الاثنان من منصبيهما وهما الآن في ثلاجة موسكو بانتظار المحاسبة، ولم يخرج المنصب منهما. بقيت عاداته، ومعرفتهما بما يمكن أن تصير إليه الكلمات والإشارات. حسن يتساءل عن قرار مسّ رفيقه وخصمه، ومملوك يتحسب من رفيقه وخصمه لأن يُسجَّل عليه أنه سمع ولم يعترض، أو صمت. لم يكن انقطاع السلطة كافياً لعودة الصوت. ومملوك، الذي أمضى سنوات في معرفة ما يقوله الآخرون، بدا كأنه يحاول النجاة مما يُقال له.
لهذه المكالمة وجه آخر. عندما هرب حسن ليلة سقوط النظام نهاية 2024، ترك في مكتبه "سجلا ذهبيا" يكيل فيه قصائد المديح لبشار وماهر الأسد. ولهذه التذللات حديث آخر. عبارات يضيق بها المديح. ضابط واسع النفوذ والفظائع لأجل النظام، يضع قوته في طقوس الولاء. اليد التي توغل بالسوريين هي نفسها التي ترتكب كلمات الخضوع. كان يعرف من أين تأتي سطوته، ومَن يستطيع سحبها. يمنحه المنصب سلطة واسعة على الناس والمساجين في الزنازين، ويبقيه محتاجاً إلى رضا مَن فوقه. الإفراط في المديح تجديد للعهد وتأخير الاتصال الهاتفي الأخير ولحظة الجلوس في البيت.
وكانت بين الضابطين قصة أخرى، حسب إحدى الشهادات. ذات يوم، بعث حسن إلى مملوك باقة ورد في ذكرى ميلاد حزب "البعث". حملت الباقة ألوان عَلَم الحزب، لكن مملوك استغربها لأنه يكره "البعث" الحاكم في النظام الذي هو "أحد أركانه". باقة صغيرة تكشف مسافة كبيرة بين واجهة النظام وحقيقته. رجل في قمة جهاز الأمن يكره الحزب الذي يفترض أنه "يقود الدولة والمجتمع". ولا تمنعه هذه الكراهية من البقاء في قلب النظام، ما دام ولاؤه يستقر عند صاحبه.
هل يمكن تخيل مسؤول أمني بهذا الوزن في كوريا الشمالية أو الاتحاد السوفياتي أو نظام شمولي آخر، يرفض رمز الحزب الحاكم ويعلن كراهيته له. المقارنة تفتح سؤالاً عن وظيفة الحزب في سوريا. كم بقي منه عقيدة، وكم صار ستاراً لسلطة تُدار بعلاقات أخرى. كان ممكناً أن تكره "البعث" وتخدم الأسد. الحزب يملأ الشوارع بالشعارات، فيما تُوزن المواقع بدرجة القرب من "السيد الرئيس" الذي هو أيضا "الأمين القطري". العقيدة للجمهور، والثقة الشخصية لمن يدخلون الغرف المغلقة. هناك يعرف الرفاق أن بطاقة الحزب لا تفتح الأبواب التي تفتحها إشارة أو "توجيه". وعلي دوبا كان يعرف وزن الإشارة.
يروي آخر أنه في عهد حافظ الأسد، كان الاجتماع الدوري لمكتب الأمن القومي يُعقد برئاسة عبد الرؤوف الكسم، ويضم مسؤولين من الأجهزة والحزب والحكومة. كان علي دوبا مدير المخابرات العسكرية. لم يكن الأعلى مرتبة بين الحاضرين، لكنه كان الأقوى بحكم التوجيه والطائفة، ولذلك لم يكن الاجتماع يبدأ قبل وصوله. يتأخر، فينتظرون. رئيس الاجتماع وأعضاؤه يملكون مقاعدهم، ودوبا يصادر وقتهم. لا يحتاج إلى الجلوس في رأس طاولة الاجتماع كي يعرف الجميع أين يستقر ثقلها.
مواعيد اللقاءات، وترتيب الدخول، ونبرة التحية، والانتظار الذي يطول أو يُلغى. تفاصيل يتعلم أصحاب المناصب قراءتها، لأن ما لا يُكتب فيها قد يكون أهم مما يرد في القرارات الرسمية
ذات يوم وصل دوبا متأخرا، فوجد الاجتماع قد بدأ. عرف أن شيئاً تغير. لم يكن أحد في القاعة ليقرر وحده إنهاء امتياز الانتظار. ما جرى قبل دخوله كان رسالة إليه، وما رآه الآخرون في غيابه كان إذناً لهم بأن يفهموا حدود قوته الجديدة. لم يتغير لقبه في تلك اللحظة. ما تغير، المسافة بينه وبين "المعلم". وصار يستطيع قياسها بالدقائق التي تحدث فيها الآخرون من دونه. جلس وتابع الحضور في دوره الجديد.
مواعيد اللقاءات، وترتيب الدخول، ونبرة التحية، والانتظار الذي يطول أو يُلغى. تفاصيل يتعلم أصحاب المناصب قراءتها، لأن ما لا يُكتب فيها قد يكون أهم مما يرد في القرارات والبيانات في قاموس "جمهورية الخوف". ومع ذلك، لم يكن دوبا، بكل قوته، خارج دائرة المتابعة. كان مكلفا بالتقارير عن منافسيه. وكان رفاقه في الأجهزة مكلفين بكتابة تقارير إلى الأسد عن تحركاته وسفراته ومقامراته داخل البلاد وخارجها.
هكذا يصعب رسم خطوط للخوف وحدود للولاء. يبدأ من الزنزانة، ويمر بالمكتب، ويتسلل إلى بيوت أصحاب السلطة
تتنوع التقارير بين الأجهزة، وتلتقي في القصر. يعرف كل واحد شيئاً عن رفيقه، ولا يعرف كل منهم ما يعرفه رفيقه عنه. يبقى "المعلم" مرجعهم في تفسير الشك، ومصدر حمايتهم منه. وكلما اتسعت الفجوة بينهم، ازدادت حاجتهم إليه.
هكذا يصعب رسم خطوط للخوف وحدود للولاء. يبدأ من الزنزانة، ويمر بالمكتب، ويتسلل إلى بيوت أصحاب السلطة ويتمدد في عروق الاتصالات ويصدأ على الجدران. تختلف المواقع والأثمان، وتبقى القدرة على الاطمئنان بعيدة حتى عن الذين يصادرون الاطمئنان ويزرعون الخوف في صدور الآخرين.
في دار للمسنين في دمشق، كان ضابط متقاعد وحيدا لأنه وهب حياته للنظام، يبالغ في إعلان موالاته خشية أن لا يُصدَّق. مضى العمر وتلاشى المنصب، ولم ينتهِ امتحان الولاء. يحتاج إلى عبارة إضافية، وحماسة أعلى، ودليل جديد على أنه لا يزال كما ينبغي أن يكون. حمل معه إلى آخر العمر رقيباً يتفقد صوته. كان قد زرعه في صدور الآخرين فأقام في صدره. لا يحتاج إلى أحد يطلب منه المزيد؛ يطلبه من نفسه، ويخشى أن يكون ما قدمه أقل من المطلوب. يخاف من نفسه. قال لأحد زواره: "أخاف أن لا يصدقوني".
الكشف عن قلق الجلاد لا يعفيه من مسؤوليته؛ يوضح كيف ساهم، ببطشه وخضوعه معاً، في استمرار النظام وأكوام الجماجم وأنهار العذابات
في "مزرعة الحيوان" لجورج أورويل، تتبدل الوصايا لتتسع لامتيازات الحكام. وفي سوريا، بقيت كلمات كثيرة معلقة في مكانها، فيما تغيرت الحياة تحتها. جمهورية انتقلت بالوراثة. حزب يكرهه بعض كبار حراس حكمه. مؤسسات ينتظر أصحابها رجلاً لا يرأس اجتماعهم. ودولة يصعب فصل مواردها وأجهزتها عن شؤون العائلة.
لم يخترع الأسد الخوف، لكنه زرعه عميقا في تربة البلاد وأقام له شبكة واسعة في صدور العباد. منح رجاله النفوذ، وأبقى المفاتيح عنده. يستطيع أحدهم أن يفتح أبواب السجون لآلاف السوريين أو ينهي حياتهم، ويعجز عن ضمان بقاء باب مكتبه مفتوحاً له.
لا تتساوى خشية الضابط على موقعه مع خوف المعتقل على حياته، ولا إغلاق الهاتف مع إغلاق روح الحياة، ولا الخوف من جدران الرفاق مع إلقاء بريء في زنزانة. والكشف عن قلق الجلاد لا يعفيه من مسؤوليته؛ يوضح كيف ساهم، ببطشه وخضوعه، في استمرار وصفة النظام وتكديس أكوام الجماجم وحفر أنهار العذابات.