إديت بياف... "العصفورة الصغيرة" التي صارت صوت فرنسا

صوتها أكبر من جسدها وعمرها أقصر من أسطورتها

AFP
AFP
المغنية الفرنسية إديت بياف تحيي حفلا على خشبة مسرح الأولمبيا في باريس، 30 ديسمبر 1960

إديت بياف... "العصفورة الصغيرة" التي صارت صوت فرنسا

في أكتوبر/ تشرين الأول 1963 توقفت باريس توقفا يوازي ما عرفته المدينة مع نهاية الحرب العالمية الثانية، فقد غصت الشوارع المؤدية إلى مقبرة "بير لاشيز" بما يزيد على مئة ألف إنسان، وشهد شارل أزنافور أن حركة السير في باريس بأكملها جمدت خلال تلك الساعات. في هذه الأثناء صعد صوت المغنية المشيعة من نافذة مقهى قريب وجهاز مذياع في بيت مجاور، متحررا من الجسد المسجى في التابوت ومحتفظا بكامل حضوره. هذا الحشد الهائل رآه كثيرون صورة مكثفة لفرنسا الشعبية التي عرفوها، فرنسا الخارجة من حربين وتغني رغم كل شيء، مشهدا يفوق وداع مغنية راحلة.

بلغ طولها 142 سنتيمترا وبدت في آخر صورها أقرب إلى عجوز في السبعين منها إلى كهلة في السابعة والأربعين، مع ذلك وقفت طوال ربع قرن على أكبر مسارح باريس ونيويورك وملأت بصوتها العاتي الصادر من جسدها النحيل القاعة بأكملها، فينسى المستمع أنه يصغي إلى امرأة بالكاد تظهر فوق الحاجز الخشبي للمسرح. وقد وصفها نقاد تلك الحقبة بأن صوتها يشغل المسرح بأكمله فور صعودها إليه، ونسبوا ذاك الصدى الهائل إلى جسد آخر أكبر بكثير وأشد متانة من جسدها الحقيقي.

كثيرون اليوم لا يزالون يحتفظون بهذا الصوت في هواتفهم أو على أقراص مدمجة، وذلك على شكل تسجيلات رقمية تنتمي إلى مستقبل بعيد عما عرفته حنجرة إديت بياف حين أطلقت لها العنان في ملهى صغير بباريس. هذا الصوت أيضا تقترحه خوارزميات الاستماع الرقمي في "يوتيوب" أو ما يشبهه على آذان ربما تسمع باسمها للمرة الأولى، تماما كما اقترحه المذياع يوما على آذان عرفت صوتها وحده دون وجهها. يعبر الصوت السنوات محتفظا بنضارته الأولى، في حين تشيخ الصور الفوتوغرافية وتصفر، وتذبل ذاكرة من عرفوها عن قرب واحدا تلو الآخر، وبين ما يبلى من الإنسان وما يبقى محفوظا من أثره لا بد من وقفة طويلة قبل أن نظن أنه في وسعنا الفصل بسهولة بين القوة التي أسمعتنا إياها والهشاشة التي أخفتها عنا.

صوت يكبر جسدها

طوال تاريخ الغناء وإلى ما قبل القرن العشرين، ارتبط الصوت بجسده ارتباطا وثيقا، ففي كل مسرح وملهى كان المستمع يرى العنق التي تصدر النغمة والرئة التي تدفعها، فتتشكل القوة أو الضعف من التقاء الاثنين معا. هذه المعادلة غيّرها المذياع تغييرا جذريا في العقود الأولى من القرن حين بدأ صوت واحد يبلغ آلاف البيوت دفعة واحدة متجردا من جسد يرافقه أو وجه يفسره. مع هذا التحول خسر المستمع قدرته على قراءة التعب في نفس متقطع أو ارتعاشة في حنجرة، لكنه في المقابل ربح صوتا باتت إمكاناته أوسع من حدود أي جسد بعينه.

كثيرون لا يزالون يحتفظون بهذا الصوت على شكل تسجيلات رقمية تنتمي إلى مستقبل بعيد عما عرفته حنجرة إديت بياف حين أطلقت لها العنان في ملهى صغير بباريس

هذا الانفصال يحمل اسما صاغه الباحث الفرنسي بيار شيفر وهو "الصوت اللامتجسد" (L'acousmatique)، واستعار الكلمة من تلاميذ فيثاغورس القدامى الذين كانوا يتلقون دروسهم من خلف ستارة تخفي شخصه ويسمعون صوته المجرد من غير أن يروا الجسد الناطق به. يرى شيفر أن بلوغ الصوت الأذن مجردا من مصدره المرئي يمنحه سلطة تفوق ما يملكه صاحبه في الواقع، فتزداد هيبته بقدر ما يغيب الجسد المنتج له. لاحقا طوّر الباحث السينمائي ميشال شيون في كتابه "صوت السينما" (La Voix au cinéma) هذه الفكرة في دراسته للصوت السينمائي ليثبت أن القاعدة تتجاوز الأثير إلى كل وسيط يفصل الصدى عن مصدره، بدءا من ستارة فيثاغورس وصولا إلى موجات المذياع.

إن أثر الجسد الذي ظل يحمله هذا الصوت رغم انفصاله عنه، هو ما سماه الناقد الفرنسي رولان بارت "حبيبات الصوت"، حين ميز بين صوت يخدم اللحن خدمة محضة وآخر تترك فيه حنجرة المغني بصمة جسده المادية، وبذلك لا ينحصر الغناء في التقنية الصرفة. تحمل حنجرة بياف من هذه الحبيبات ما يكفي لتمييز صوتها من بين آلاف الأصوات التي أذاعها المذياع نفسه، مما غيب صورة جسدها عن العين لكنه ظل حاضرا بأثره الخشن في الأذن.

 AFP
إديت بياف تستمتع بلحظة استراحة وتدخن سيكارة في غرفة ملابسها، إلى جانب صورة للمغني والممثل الفرنسي موريس شوفالييه، خلال جولة فنية في سبتمبر 1946

بلغت صاحبة Sous le ciel de Paris شهرة عابرة للقارات خلال أشهر قليلة من اكتشافها، وكفتها أسطوانات قليلة لتبلغ آذانا بعيدة عن كل مدينة وطئتها قدماها، في حين بنى مغنو الأجيال السابقة سمعتهم عبر سنوات من الجولات الحية في المسارح والصالات. هذا الانفصال امتد إلى ما بعد زمن المذياع والأسطوانة، ونرى تجلياته في زماننا هذا حين تقترح خوارزمية استماع رقمية أغنيتها على مستمع يجهلها جهلا تاما فيصغي إلى الصدى وحده على النحو الذي وصفه شيون بالضبط. بلغ صدى أغنيتها Padam Padam حدا صار عنوانها وحده كفيلا باستحضار اسمها، وظهر ذلك حين أصدرت المغنية الأوسترالية كايلي مينوغ أغنية بالعنوان نفسه عام 2023، مما حدا بكثير من وسائل الإعلام إلى افتراض صلة مباشرة بأغنية بياف رغم تأكيد كاتبة كلمات أغنية مينوغ أن التشابه جاء من قبيل المصادفة، وهكذا كفى صدى الكلمتين وحده لاستحضار جسد غائب منذ عقود من غير قصد.

على أن السينما في حياة بياف جاءت استثناء من هذه القاعدة حين ظهر جسدها إلى جانب صوتها في أفلام قليلة لعل أشهرها "باريس تغني دائما" (Paris chante toujours - 1951) الذي غنت فيه أغنيتها Plus bleu que tes yeux و "تسعة صبية وقلب واحد" (Neuf garçons, un cœur - 1948) الذي غنت فيه أغنيتها الأشهر على الإطلاق La vie en rose. السبب في ذلك واضح تماما وهو أن الفيلم يحتاج صالة وتذكرة وموعدا محددا تلتقي عنده الأجساد جميعها في وقت واحد، على عكس الأسطوانة التي تكفيها غرفة وجهاز استماع في أي وقت. غير أن الوسيط الأخف (أي الأسطوانة) انتصر على الأثقل (أي السينما)، وبقي الوسيط الأخير محدود الانتشار قياسا بالأول لتحافظ صورتها السائدة على هويتها الأولى: صوت بلا جسد.

بلغ صوتها الفلاح في الريف الفرنسي، والمهاجر في ضواحي المدن والعامل في أحياء نيويورك، قبل أن يبلغهم وجهها أو قامتها

امتد حضور جسد إديت بياف إلى اسمها الفني حين لقبها مكتشفها لوي لوبليه "العصفورة الصغيرة"، مستوحيا اللقب من قصر قامتها وارتباكها أمام الجمهور. بعد ذلك بلغ صوتها الفلاح في الريف الفرنسي، والمهاجر في ضواحي المدن والعامل في أحياء نيويورك، قبل أن يبلغهم وجهها أو قامتها، ونستشهد هنا بشهرتها الكبيرة في الولايات المتحدة التي بلغتها قبل أن تطأ قدماها خشبة مسرح كارنيغي، حيث عرف جمهورها هناك صوتها قبل أن يرى صاحبته على المسرح.

 AFP
المغنية إديث بياف تستمتع بلحظة استراحة وتدخن سيجارة في غرفة ملابسها، إلى جانب صورة للمغني والممثل الفرنسي موريس شوفالييه، خلال جولة فنية في سبتمبر 1946

مع مرور الزمن تدهور هذا الجسد بصمت خفي على الجميع، في الوقت الذي اتسع فيه الصوت وهيمن على الأثير. ففي العام الذي أصيبت فيه بحادث سيارة أورثها إدمان المورفين والكحول، سجلت Padam Padam إحدى أشهر أغنياتها الخالدة وواصلت الغناء على أكبر المسارح وهي تصارع المرض والإدمان معا، فسجلت أغنيتي Milord و Non, je ne regrette rien بصوت نجا وحده من التآكل الذي أصاب كل ما عداه.

أسطورة بأيد كثيرة

حين اغتيل لوبليه مكتشف بياف الأول في فضيحة كادت تنهي مسيرتها في مهدها، أعاد ريمون آسو بناء صورتها العامة من الصفر لتحمل من بصمته ما لا يقل شأنا عن بصمتها هي، قبل أن يتراجع اسمه إلى الهامش مفسحا المجال أمام اسمها ليتقدم إلى صدارة الذاكرة الجماعية، وهو ما أدى مع اكتمال الأسطورة إلى ابتلاع أسماء من ساهموا في صناعتها. غالبا ما تتشكل الشخصية العامة على هذا النحو، من تداخل أصوات متعددة لا يعرف أي منها وحده أنه يشارك في بناء أسطورة لن تحتفظ له بعد اكتمالها بأي حصة من مجدها.

هذه الكتابة الجماعية شاركت بياف نفسها فيها، وتحديدا في كتاب مذكراتها "في حفلة الحظ" (Au bal de la chance) المنشور عام 1958، الذي انتقت فيه من طفولتها ما يخدم صورة العصفورة الصامدة وأسكتت ما سواه.

كذلك امتدت هذه المشاركة إلى أغانيها نفسها، فصحيح أن واحدة من أشهر أغانيها Non, je ne regrette rien قد كتبها ميشال فوكير ولحنها شارل دومون، غير أنها أدتها على أنها اعترافها الشخصي. في المقابل كتبت بنفسها كلمات La vie en rose، في حين حملت واحدة من أكثر أغانيها التصاقا بصورتها الباريسية La Foule أصلا أرجنتينيا بيروفيا أعاد الشاعر الفرنسي ميشال ريفغوش كتابة كلماته، مما أظهرها حين غنتها على أنها ابنة باريس الخالصة وليست أغنية عابرة للقارات ولدت في الأنديز.

ترسخت في الذاكرة الشعبية حكاية شفائها من عمى أصابها في طفولتها بمعجزة منسوبة إلى القديسة تيريز، وهي حكاية مصدرها الوحيد مذكرات بياف نفسها

أما أغنية Hymne à l'amour التي كتبتها كإعلان حب للملاكم مارسيل سيردان فتحولت بعد مقتله في حادث طائرة إلى أنشودة رثاء، محتفظة بكل كلمة فيها على حالها الأولى، ليكتب القدر نفسه فصلا من هذه الأسطورة بمعزل عن إرادة أي إنسان. هذه الأغنية نفسها غنتها سيلين ديون فوق برج إيفل في افتتاح أولمبياد باريس صيف عام 2024 (عائدة إلى الظهور العلني بعد سنوات من الغياب القسري)، ومن خلال هذه البادرة استعارت الأسطورة جسدا مختلفا كل الاختلاف عن جسد بياف لتروي الحكاية القديمة نفسها أمام جمهور عالمي جديد.

 AFP
المغنية الفرنسية إديت بياف تتلقى قبلة من زوجها تيو سارابو عقب حفلها على مسرح بوبينو في باريس، 22 فبراير 1963

في سيرة روائية من تأليفها حملت عنوان "بياف" (Piaf) وصدرت عام 1969، ادعت رفيقة عمرها سيمون برتو أن صاحبة السيرة هي أختها غير الشقيقة، وفي هذه السيرة نفسها ترسخت في الذاكرة الشعبية حكاية شفائها من عمى أصابها في طفولتها بمعجزة منسوبة إلى القديسة تيريز، وهي حكاية مصدرها الوحيد مذكرات بياف نفسها. أيضا دخلت ظروف رحيل بياف في كتابة هذا الميراث، بدءا من رفض الكنيسة إقامة قداس لها بسبب زواجها الثاني بعد الطلاق (في مفارقة واضحة مع أغنيتها Mon Dieu التي تتوسل فيها إلى الله أن يبقي حبيبها إلى جانبها بعض الوقت)، إلى ما يروى عن نقل المقربين منها جثمانها ليلا إلى باريس حرصا على أن يظن جمهورها أنها ماتت في مدينتها لا بعيدا عنها.

ERIC CABANIS / AFP
شبان من حركة الشباب الاشتراكي الفرنسية يضعون ملصقا انتخابيا لمرشحة الحزب الاشتراكي للرئاسة سيغولين روايال على موقف للحافلات، فوق إعلان لفيلم "La Môme " يتناول حياة إديت بياف

بعدها بعقود، تابع صناع السينما الكتابة نيابة عنها، ولعل أبرز مثل على ذلك هو فيلم أوليفييه داهان، "لا موم" (La Môme - 2007) الذي جسدت في الممثلة ماريون كوتيار حياتها بأداء نال جائزة أوسكار، ومن خلال هذا الفيلم عرف كثيرون اسم بياف للمرة الأولى. هذا بالضبط ما درسه عالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران في كتابه "النجوم" (Les Stars) حين وصف ما أسماه صناعة النجم قائلا إن نجم العصر الحديث كائن تصنعه صناعة الترفيه ووسائل الاعلام والجمهور معا في تضافر أقرب إلى صناعة الآلهة القديمة منه إلى اختيار شخصي حر. يفرق موران هنا بين الشهرة العابرة التي تكفيها الموهبة والحظ من أجل صناعتها، وبين الأسطورة التي تستلزم جهدا جماعيا متواصلا من صحافة وسيرة وصورة سينمائية تتضافر جميعها على تثبيت اسم واحد في الذاكرة العامة، وهذا الفارق ينطبق بقدر كبير على مغنية صار اسمها بعد رحيلها ملكا لكل من كتب عنها، أو غنى كلماتها أو أقام لها قداسا رفضته الكنيسة يوما.

حولت بياف ألمها إلى مادة فنية من غير أن تقدم نفسها ضحية أو نموذجا جاهزا للقوة فظل جمهورها يستشف هشاشتها من الصوت وحده

يتجدد هذا النموذج اليوم بأدوات جديدة كليا عندما تفرض منصات التواصل على الفنان المعاصر عرض ذاته أمام جمهور يراقبه لحظة بلحظة، فتغادر الهشاشة حدود العمل الفني لتستقر في صلب الصورة العامة، ولا غرابة أن تتحول إلى علامة تجارية قابلة للتسويق. حولت بياف ألمها إلى مادة فنية من غير أن تقدم نفسها ضحية أو نموذجا جاهزا للقوة فظل جمهورها يستشف هشاشتها من الصوت وحده، وحافظ غموضها على مسافة بين الإنسانة والأسطورة تبتلعها اليوم الشفافية المفروضة على الفنان. خلافا لها، تصرح المغنية الفرنسية آيا ناكامورا بأن إظهار هشاشتها جزء أساس من فنها، وبحسب كتاب فرنسيين قارنوا بينهما، يجمع بين ناكامورا وبياف أصل مهاجر ولغة شعبية رفضها النقاد قبل أن تتحول صوت فرنسا الشعبية، فما كانت بياف تخفيه وتحيله أغنية، تعلنه ناكامورا تصريحا ومنشورا أمام كاميرا لا تنطفئ.

font change

مقالات ذات صلة