المساحة الشاغرة في السرد

المساحة الشاغرة في السرد

استمع إلى المقال دقيقة

حين أعلن الفيلسوف الأميركي آرثر سي. دانتو "نهاية الفن" في مقالته الشهيرة المنشورة عام 1984، كان يشير إلى انتهاء سردية تاريخية طويلة، ظل الفن خلالها يتقدم وفق تصورات متعاقبة عما ينبغي أن يكون عليه. ومنذ ذلك الحين، صار من الممكن التفكير في الفن خارج فكرة التقدم الخطي، وخارج الاعتقاد بأن كل مرحلة فنية مطالبة بتجاوز سابقتها وفق معيار ثابت.

تبدو لي هذه الفكرة صالحة لاستئناف سؤال مختلف قليلا، يتعلق بمستقبل السرد، وتحديدا الرواية، فما المساحة التي لا تزال شاغرة أمام الروائي المعاصر؟ وأين يمكن أن تقع الإضافة الأدبية الحقيقية، بعدما راكم الأدب الإنساني، طوال قرون، تراثا هائلا من التأملات الأخلاقية والوجودية، وبعدما قطعت المعرفة الإنسانية أشواطا بعيدة في فهم الإنسان والعالم؟

لوقت طويل، كانت القيمة الإنسانية تتقدم على القيمة الفنية في استقبال كثير من الأعمال الأدبية. كانت الرواية العظيمة، في نظر قرائها ونقادها، تلك التي تستطيع الكشف عن ظلم اجتماعي، أو الانتصار لقيمة أخلاقية، أو اقتراح تصور أكثر عدالة للعلاقات الإنسانية. وقد منحت هذه الوظيفة الأدب مكانة استثنائية، وجعلت من الروائي شاهدا على عصره، وأحيانا ضميرا أخلاقيا لمجتمعه، ومساهما ربما في تغييره نحو الأفضل.

كان لهذا التصور ما يبرره تاريخيا. ففي عالم لم تكن المعرفة فيه متاحة بالقدر الذي نعرفه اليوم، استطاعت الرواية أن تكشف عن مناطق معتمة في التجربة الإنسانية. وقدمت أعمال ديكنز ودوستويفسكي وتولستوي على سبيل المثال لا الحصر، معرفة بالإنسان والمجتمع تجاوزت حدود المتعة الأدبية، وأسهمت في تشكيل الحساسية الأخلاقية لأجيال من القراء.

لكن ماذا يتبقى من هذه الوظيفة في عالم أصبحت فيه الأفكار الكبرى عن الحرية والعدالة والمساواة والكرامة الإنسانية جزءا من المعرفة العامة؟ وما الذي يستطيع الروائي أن يضيفه إلى هذه القيم، بعدما أصبحت موضوعا يوميا للفلسفة والعلوم الإنسانية والإعلام والخطاب الحقوقي، وبعدما بلغ الوعي بها درجة من الانتشار لم يعرفها الإنسان من قبل؟

لهذا، ربما تواجه الرواية المعاصرة مأزقا خفيا. فكلما حاول بعض الروائيين استعادة الوظيفة الأخلاقية القديمة للأدب، انتهوا إلى إنتاج أعمال تحمل أفكارا نبيلة، لكنها مألوفة إلى درجة تثير الشفقة أحيانا. تبدو الرواية حينئذ كأنها تبذل جهدا هائلا لإقناع القارئ بأن الظلم سيئ، وأن الحرب مأساة، وأن الإنسان يستحق الحرية، وأن التعصب يقود إلى الخراب. وهي أفكار لا تحتاج اليوم إلى عبقرية روائية كي نكتشفها، مهما ظل الواقع عاجزا عن الوفاء بها.

كلما حاول بعض الروائيين استعادة الوظيفة الأخلاقية القديمة للأدب، انتهوا إلى إنتاج أعمال تحمل أفكارا نبيلة، لكنها مألوفة إلى درجة تثير الشفقة

ثمة فارق ينبغي الانتباه إليه بين اكتشاف القيمة الأخلاقية وبين تحويلها إلى واقع. فقد يعرف الإنسان المعاصر الكثير عن العدالة، ثم يمارس الظلم، وقد يمتلك معرفة واسعة عن الحروب ومآسيها، ثم يواصل إنتاجها. غير أن هذا التناقض، على أهميته، لا يمنح الأدب تلقائيا قيمة فنية كلما أعاد التذكير به. لذلك فإن المعرفة الأخلاقية المتقدمة لا تعني بالضرورة إنسانا أكثر أخلاقية، لكنها تجعل مجرد الإعلان عن القيم الإنسانية أقل قدرة على إدهاش المتلقي، أو تغيير مواقفه.

من هنا يمكن أن نتصور أن المساحة الشاغرة في الأدب اليوم تقع إلى حد بعيد في الجانب الفني والتقني. ففي الوقت الذي تبدو فيه الأفكار الإنسانية الكبرى وقد تعرضت لاستكشاف واسع، لا تزال طرائق تمثيل التجربة الإنسانية قابلة لاكتشافات يصعب التنبؤ بحدودها. يستطيع الروائي أن يعيد النظر في الزمن السردي، وفي طبيعة الراوي، وفي العلاقة بين اللغة والإدراك، وفي بناء الشخصية أو خلقها في المسافة بين الواقع والتخييل. ويمكن لإضافة صغيرة في واحدة من هذه المناطق أو غيرها أن تكون أكثر أهمية، من الناحية الأدبية.

ولعل تاريخ الرواية الحديثة يؤيد هذا الاحتمال. فالأهمية التي اكتسبتها أعمال مارسيل بروست وجيمس جويس وويليام فوكنر لم تأت من اكتشاف قيم أخلاقية مجهولة، ولكن من قدرتها على ابتكار طرائق فنية جديدة لتمثيل الزمن والذاكرة والوعي. وكذلك فعل خوان رولفو وغارثيا ماركيز وغيرهما من كتاب أميركا اللاتينية، حين أدخلوا الواقعية السحرية إلى فن الرواية، لقد تغير السرد على أيدي هؤلاء لأنهم غيروا شيئا في طبيعة الفن نفسه.

وقد يبدو هذا التصور منحازا إلى الشكل على حساب المضمون، وهي تهمة قديمة في النقد الأدبي. لكن الفصل بينهما، في الأعمال العظيمة، يكاد يكون مستحيلا. فالتقنية السردية ليست مجرد وعاء لفكرة سابقة عليها، إنها بلا شك تشارك بفعالية كبيرة في إنتاج المعنى، وقد تتيح لنا إدراك التجربة الإنسانية على نحو لم يكن ممكنا قبل ابتكارها، فالطريقة التي تروى بها الحكاية اكتشاف معرفي بحد ذاتها.

لا يعني ذلك أن السرد فقد قدرته على مساءلة الإنسان، أو أن التجارب الإنسانية استنفدت أسرارها. فالحياة أكثر تعقيدا من أن تستنفدها المعرفة، وما زالت التحولات التقنية والسياسية والاجتماعية تنتج أشكالا جديدة من القلق والمعاناة. لكننا ومن خلال المراقبة نجد صعوبة متزايدة في تقبل فكرة أن عظمة العمل الأدبي يمكن أن تستمد من نبل قضيته، أو من شجاعة موقفه الأخلاقي، أو من قدرته على تذكيرنا بما نعرفه سلفا.

الحديث عن تقدم في إمكانات الفن، وفي قدرته على اختراع أشكال جديدة للتجربة والتعبير. وهذه الإمكانات، على خلاف المواعظ الأخلاقية، لا يبدو أنها اقتربت من نهايتها

وربما كان من المفيد أن نعيد التفكير في معنى التقدم الأدبي نفسه. فالتقدم في السرد لا يشبه التقدم في العلوم، ولا يمكن قياسه بمقدار ما يضيفه كل عمل سردي إلى رصيد الحقائق التي نمتلكها عن العالم. ومع ذلك، يمكن الحديث عن تقدم في إمكانات الفن، وفي قدرته على اختراع أشكال جديدة للتجربة والتعبير. وهذه الإمكانات، على خلاف المواعظ الأخلاقية، لا يبدو أنها اقتربت من نهايتها.

font change