بدعوة من "الإيسسكو" كمتحدث رئيس في الجلسة الرئيسة بعنوان "الدبلوماسية الحضارية والاستشراف الاستراتيجي: استباق التوترات وبناء مسارات شاملة نحو السلام"، والذي يأتي ضمن أعمال المنتدى العالمي السابع للحوار بين الثقافات المنعقد بالعاصمة الأذربيجانية باكو، خلال الأسبوع المنصرم، وحمل عنوانا مهماً وهو: الحوار من أجل مستقبل مشترك، تبلور حديثي حول طبيعة العلاقات بين الشعوب، مستشهدا بحالة السلام التي يمكن أن نراها في كثير من الأماكن الروحية أو السياحية العالمية، والتي يتقبل الناس فيها بعضهم البعض، مشيرا إلى أن الناس إذا تُركوا وشأنهم دون أي تدخل من أصحاب المصالح السياسية، أو الأيدولوجيات السياسية والدينية، علاوة على تجار السلاح والمنافع الأخرى، فإنهم سيعيشون بسلام أبدي، ولن تتعدى إشكالاتهم جوانب مختلفة يمكن حلها.
لكن ما نعيشه غير ذلك، إذ إن الشيطان تعهد لله بأن يُغوي خلقه، ويُثير الفتن بينهم، ويُبعدهم عن طريق الحق والعدل، وقد كان ذلك منذ الولادة الأولى للإنسان حين قتل الأخ أخاه، ونحن على هذا المنوال إلى اليوم وإلى غد، والعهدة تبقى مرهونة بوعي الناس وإدراكهم لحقيقة الخطر المحدق بهم إذا استكانوا للشيطان وقبيله من بني البشر.
في تلك الجلسة أبنت بأن الشيطان له صور متعددة، فيأتي بعمامة دينية تثير الفتنة بين الناس فتحكم بالكفر على هذا، والفسق والبدعة على ذاك، وكأن الجنة والنار بيدها، متناسية أن الحاكمية لله، وأن الناس مستخلفون على هذه الأرض لعمارتها وليس تدميرها؛ كما يمكن أن يأتي بزي من يتاجرون بالسلاح، ومن يتاجرون بالبشر، وغيرهم ممن يُخفون فسادهم ببدلة أنيقة، وألفاظ مُنمقة، ويتسترون وراء أحزاب سياسية، لكن دعواتهم لتأجيج الحرب تكشف خفاياهم، وتُظهر حقيقتهم الكاملة.
هذا ما نعيشه اليوم في تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران سواء الأولى 2025 والتي عرفت بحرب الاثني عشر يوما، أو الثانية 2026 التي عرفت بحرب التسعة والثلاثين يوما، والتي لا نزال في تبعاتها، وكان يمكن للحربين أن لا يكونا، وأن يستمر الضغط الاقتصادي الأميركي على إيران، ودعم الانتفاضات الداخلية فيها بشكل غير مباشر، وهو ما يؤدي إلى تغيير هوية النظام وسلوكه أيضا، لاسيما وأن جيلا جديدا بات على الساحة لا ينتمي فعليا لشعارات الثورة الأولى عام 1979، وباتت لهم تطلعاتهم المتجددة للحياة، يرافقهم جيل جديد من السياسيين المؤمنين بأن تكون إيران أولا، وهو ما يعني إيمانهم بوجوب تغيير سياستها الخارجية، وسلوكها مع دول الجوار بخاصة.
الحضارة من حيث بعدها المادي أو المعنوي بريئة من كل ما يجري التأجيج له، وهي في جوهرها ترتكز على السلام المؤدي للتعارف والوئام بين مختلف الشعوب
غير أن زَنّ نتنياهو على رأس الرئيس ترمب، ودفعه لإعلان الحرب، قد جعل الإيرانيين يتوحدون وراء قيادتهم الحالية بالرغم من اختلاف كثير منهم معها، لكنهم شعروا بأن إيران هي المستهدفة، وهو ما نلاحظه من موقف المفكر السياسي المعارض الأستاذ بجامعة كولومبيا بالولايات المتحدة حميد دباشي على سبيل المثال وغيره، وكان من جراء ذلك أن عمدت القيادة الحالية في إيران إلى توسيع دائرة الاستهداف جغرافياً، وهو ما أكده مؤخرا "المرشد الأعلى" مجتبى خامنئي في رسالته الأخيرة للإيرانيين بالأمس القريب، الأمر الذي ستكون له آثاره السلبية على المنطقة والإقليم، وسيؤدي إلى كارثة واسعة في حال لو تم، وحتما فذلك مرفوض كليا، وهو من الاعتداء المباشر الذي يدفع الآخر لمواجهته، وهكذا تتوسع الحرب ليس لسبب حضاري أو ثقافي، وإنما بسبب مصالح سياسية ودينية لا أساس أو مشروعية لها كليا.
أشير إلى أن الحضارة والثقافة هنا تصبح وقودا دافعا للصمود، وتتحول في لحظة ما إلى وسيلة للانقضاض من جانب طرف على آخر، حيث تبرز ألفاظ عدائية بغطاء ثقافي حضاري أو ديني في خطابات أولئك السياسيين المؤججين للحرب، وفي كلتا الحالتين فالحضارة من حيث بعدها المادي أو المعنوي بريئة من كل ما يجري التأجيج له، وهي في جوهرها ترتكز على السلام المؤدي للتعارف والوئام بين مختلف الشعوب.
أخيرا في هذا السياق، أحب أن أستشهد برواية شعبية يقول مضمونها: إن رجلا كان يمشي في الصحراء، فرأى شاخصا من بعيد، ظنه للوهلة الأولى وحشا، ولما اقترب منه أكثر تبين فيه ملامح إنسان، وحين اقترب أكثر وأكثر تبين له أنه أخوه. هكذا ما نحن عليه اليوم في تباعدنا، وما يجب أن نكون عليه في تقاربنا، وفي حينه سندرك بأن ما يجمعنا أكثر مما يُفرقنا، وسنعلم أن الناس كلهم من رَحم واحدة على اختلاف ألوانهم وأعراقهم، وعندها لن يكون لأي خطاب ديني متطرف أي قيمة وتأثير سواء كان خطابا إسلاميا أو مسيحيا أو يهوديا، علاوة على غيرها من الخطابات الدينية الأخرى.