إيزابيل مايو لـ"المجلة": الرواية خريطة لكل ما يعبرنا دون أن نراه

ترى في الفكاهة شكلا من أشكال التهذيب مع القارئ

@isamayault
@isamayault

إيزابيل مايو لـ"المجلة": الرواية خريطة لكل ما يعبرنا دون أن نراه

عادة ما تتيح الرواية الثالثة قراءة المسار الأدبي بوضوح أكبر، إذ تكون التجربة قد تجاوزت عتبة البدايات وبدأت تكشف عن ملامحها الخاصة. وبصدور روايتها الثالثة "كل بؤس العالم" (Toute la misère du monde) بلغت الكاتبة الفرنسية إيزابيل مايو (1986) هذه المرحلة وغدا في الإمكان النظر إلى أعمالها ضمن مسار روائي اكتسب ملامحه ومنطقه الداخلي. تجمع مايو في سيرتها المهنية بين الرواية والصحافة المستقلة والتحرير، ونشرت نصوصها بالفرنسية والإنكليزية في العديد من المجلات والصحف العالمية، ونالت روايتها الأولى "ليلة مكسيكية طويلة" (Une longue nuit mexicaine) جائزة يوليسيس للرواية الأولى عام 2019.

قبل روايتها الأولى أصدرت "أيام هادئة في القاهرة" (Jours tranquilles au Caire) عام 2015 وشاركت في تحرير "القاهرة غير المألوفة" (Uncommon Cairo)، ثم صدرت رواياتها الثلاث لدى "غاليمار": "ليلة مكسيكية طويلة" عام 2019، و"البومة الذهبية" (La Chouette d’or) عام 2023 و"كل بؤس العالم" (Toute la misère du monde) في 2026. هنا حوار "المجلة" معها.

كيف حولت الرواية ما منحتك إياه الصحافة من احتكاك بالعالم إلى طريق آخر للاقتراب من الحقيقة؟

حلمت منذ طفولتي بأن أصبح كاتبة، لكنني بدأت بكتابة الروايات ونشرها بعد سنوات أمضيتها في الصحافة. اخترت الصحافة لأنها بدت لي المهنة الأنسب، تتيح لي السفر وتترك لي متسعا للكتابة. نشأت في بيئة أحاطتني بقدر كبير من الحماية، وكنت أدرك حاجتي إلى خوض التجارب والاحتكاك بالحياة كي أجد ما يستحق أن أرويه. ومع الوقت اكتشفت أن الصحافة نفسها صارت مادة أساسية لكتابتي الروائية.

حملت معي من الصحافة حس الملاحظة والقدرة على اكتشاف الصلات بين أشياء تبدو متباعدة، وهما أداتان أساسيتان في التحقيق الصحافي والكتابة الروائية معا. غير أن الرواية تمنحني حرية هائلة وتترك للحدس مساحة أوسع كي يقود الكتابة. لعل هذه المساحة هي مصدر ذلك الإحساس بالحقيقة الذي تتركه الرواية فينا.

الأشياء الهامشية

كثيرا ما تحتل الأشياء الهامشية ظاهريا في البداية قلب الحكاية في رواياتك. قدرة هذه الأشياء على البقاء بعد أصحابها والاحتفاظ بآثارهم عبر الزمن، كيف تغذي كتابتك عن الذاكرة والنسيان؟

أظن أن ما يشدني إلى هذه الأشياء هو طول أعمارها، فهي تبقى بعدنا وتعبر الأجيال وتنتقل من يد إلى أخرى، فتتراكم فيها طبقات من المعنى مع مرور الزمن. قد تختفي أعواما ثم تظهر من جديد، فتدفعنا إلى إعادة النظر في الصورة التي كوناها عن الماضي. وقد تحتفظ بشيء من أثر أصحابها، من قصصهم وصمتهم وما خلفوه وراءهم، وهكذا تتحول من أشياء صغيرة تبدو هامشية إلى شواهد على زمن كامل.

الأشياء تمنح الذاكرة شكلا ملموسا بحفظها بعض ما يتركه البشر وراءهم، وتعيد إلى الحاضر تفاصيل نظن أن الزمن قد طواها

يخيفني النسيان كثيرا، وربما لهذا أجد نفسي أعود إلى هذه الأشياء في رواياتي. إنها تمنح الذاكرة شكلا ملموسا بحفظها بعض ما يتركه البشر وراءهم، وتعيد إلى الحاضر تفاصيل نظن أن الزمن قد طواها. وكلما ظهرت من جديد أتاحت لنا أن ننظر إلى الماضي بعين مختلفة، وهذه القدرة هي ما يجعلها مادة أدبية غنية بالنسبة إلي.

بين ما تفرضه المدينة وما تتيحه من إمكانات، تتغير شخصياتك وتعيد ابتكار نفسها. كيف تستمد المدينة من صراعاتها وأزمنتها المتراكمة قوتها الروائية وقدرتها على تغيير من يعبرها؟

لعلها طريقتي الباريسية في النظر إلى الأمور، فتاريخ المدن الكبرى حافل باللامساواة والهجرات والمتاريس والحصارات والصراعات وورش البناء. تتجاور فيها السلطة والتمرد وتظهر الحركات الطليعية وتتسع مساحة الحرية حتى يستطيع الإنسان أن يعيد ابتكار نفسه ويختار من يريد أن يكون. لهذا تغير المدينة من يعبرها بوضعه في تماس دائم مع الآخرين والتحولات وما خلفته الأزمنة السابقة في المكان.

أكثر ما يشدني في المدينة هو أننا نلمس فيها الزمن بطبقاته المتراكمة. نمشي في شارع واحد فتجاور الحاضر آثار عصور وأحداث وحيوات سبقتنا، وتظل تلك الطبقات حاضرة في الأبنية والأحياء والوجوه وطريقة العيش. من هذا التراكم تستمد المدينة قوتها الروائية، فهي تجمع أكثر من زمن وأكثر من حكاية وتمنح الشخصيات مجالا دائما للتحول وإعادة النظر في نفسها وفي المكان الذي تنتمي إليه.

غلاف "كل بؤس العالم"

الأحكام المسبقة

كيف تغذي تجربة العيش بين بلد الأصل والبلد المضيف كتابتك عن الأحكام المسبقة التي تحجب عنا رؤية الأمكنة بوضوح؟

أجد في الأحكام المسبقة مادة مثيرة للكتابة، فهي في الواقع تشكل أساس تفاعلاتنا. ربما يظهر ذلك بوضوح أكبر لدى الغربيين، إذ يتلقون تربية تجعلهم يشعرون بالتفوق على الآخرين وهم يجهلون كل شيء عن تاريخهم. الحكم المسبق رد فعل نحتمي به من تعقيد العالم، فنضع الجنسيات والأديان والمهن والأماكن في خانات واضحة ومفهومة كي نطمئن إلى العالم من حولنا. غير أنه يحجب عنا الرؤية ويمنعنا من "أن نرى ما نراه" على حد تعبير شارل بيغي.

الحكم المسبق رد فعل نحتمي به من تعقيد العالم، فنضع الجنسيات والأديان والمهن والأماكن في خانات واضحة ومفهومة كي نطمئن إلى العالم من حولنا

ينطبق ذلك على المنفيين أيضا، فنحن نميل إلى رؤية بلد الأصل في صورة مثالية من غير أن نشعر بالضرورة بأن لنا مكانا في البلد المضيف. قد يحدث العكس فنرفض بلدنا الأصلي ونمجد البلد المضيف، وذلك لأن التكيف يتطلب قدرا كبيرا من الجهد والتضحيات. وفي النهاية نفقد القدرة على رؤية أي من البلدين بوضوح.

غادرت فرنسا قبل عشرين عاما، ومنذ ذلك الحين يرافقني هذا الشعور بالانفصال كل يوم. قد يكون مزعجا أحيانا، لكنه في مقابل ذلك يمدني بمادة أدبية لا تنفد. كثيرا ما أتذكر حكاية داني لافيريير الذي أمضى عشر سنوات في ميامي، وهي مدينة لم يكن يحبها كثيرا. كان يقول إن من الجيد جدا للكاتب أن يعيش في مدينة لا يحبها، لأن هذا يضطره إلى ملازمة منزله والكتابة. لا أدري إن كان محقا.

في "كل بؤس العالم" يدخل طالب اللجوء المحكمة بذاكرة بعثرتها الصدمة، ثم يجد نفسه مطالبا بسرد تجربته بوضوح وترابط كي يصدق. ما الذي كشفه لك الاحتكاك بين لغة التجربة ولغة المؤسسة عن قدرة المحكمة على الإصغاء إلى طالب اللجوء وتصديق روايته؟

لفتني هذا التوتر منذ اليوم الأول الذي دخلت فيه المحكمة. بقيت صورة ذلك الممر عالقة في ذهني: أبواب قاعات الجلسات مفتوحة، وحكايات طالبي اللجوء تتسرب منها قبل أن تصطدم باللغة القانونية التي يستخدمها موظفو المحكمة. ولدت الرواية من هذا الاصطدام بين لغتين: لغة التجربة بما تحمله من خوف واضطراب وذاكرة مجروحة، ولغة المؤسسة التي تبحث عن الوقائع والتسلسل والدقة كي تصدر حكمها.

ثمة سؤالان متلازمان ظلا يلاحقانني: كيف يروي الإنسان قصته حين يصبح مصيره معلقا على أن يصدق؟ وكيف تتجاوز المؤسسة الارتياب الذي يحكم عملها كي تصغي حقا إلى الشخص الجالس أمامها؟ يتطلب الإصغاء هنا أكثر من سماع الوقائع، لأن الصدمة نفسها تؤثر في قدرة الإنسان على استعادتها وترتيبها وسردها في صورة متماسكة.

قرأت عددا من تقارير المحكمة المنشورة على موقعها الإلكتروني، ووجدت في بعض التعليلات قسوة واضحة. كثيرا ما توصف روايات طالبي اللجوء بأنها "غير مفصلة بما يكفي"، مع أن أصحابها يعانون صدمات نفسية شديدة تؤثر مباشرة في ذاكرتهم وقدرتهم على الكلام والاسترجاع. هنا يكمن التوتر الذي أثار اهتمامي أدبيا: تطلب المؤسسة رواية دقيقة ومنظمة من إنسان بعثرت الصدمة قدرته نفسها على التذكر والسرد.

أثر الإصغاء

ترافق حكايات طالبي اللجوء سايونارا بعد مغادرتها المحكمة فيتجاوز أثر الإصغاء حدود المهنة ويمس حياتها اليومية وأمومتها. ما الذي يفرضه الإصغاء إلى معاناة الآخرين على من يتلقى حكاياتهم في علاقته بهم وفي حياته الخاصة؟

عشت هذا بنفسي خلال عملي في الصحافة، ودائما ما كان يشغلني سؤال علاقتنا بمن نجري معهم المقابلات: كيف نحد قدر الإمكان من الهيمنة بيننا وبينهم؟ لا يملك الأشد هشاشة بينهم الوسائل التي تمكنهم من قراءة ما نكتبه عنهم، وفي الوقت نفسه يولد اهتمامنا بأوضاعهم أملا كبيرا في أن يغير المقال بعد نشره شيئا من واقعهم. غالبا ما يذهب هذا الأمل سدى. من حسن الحظ أن الحديث عن مخاطر بعض المهن على الصحة النفسية يزداد اليوم، ومنها الصحافة وجميع المهن القائمة على الرعاية والإصغاء. أصبح مفهوم "الصدمة بالإنابة" معروفا على نطاق أوسع، ويقصد به الصدمة التي تنشأ لدى من يساعد أشخاصا يعانون بدورهم من صدمات.

الكتابة عن الحمل وانقطاع الطمث لا تقل إلحاحا عن الكتابة عن الحرب أو صعود اليمين المتطرف

والدتي اختصاصية نفسية، وقد عملت سنوات طويلة في مستشفى للأمراض النفسية. كبرت وأنا أستمع إلى حكاياتها عنه، وكانت حكايات بالغة القسوة والتأثير عن حالات الانتحار والهلوسات ورفض الآخرين، وكل هذا في زمن الإيدز. أظن أنني استلهمت منها الكثير في بناء شخصية سايونارا. كيف توفق الأم بين كل ما تواجهه في عملها وبين أن تبقى قادرة على أداء دورها في المنزل؟ هذه المهن تترك حتما أثرها في حياتنا اليومية.

غلاف "ليلة مكسيكية طويلة"

ما الذي تغير في صوتك الروائي حين أصبح الجسد مفتاحا لكتابة تجارب النساء التي ظلت طويلا على هامش الأدب؟

احتجت إلى وقت كي أعثر على هذا المفتاح في كتابتي. في روايتي الأولى تفاديت الكتابة من منظور امرأة، باختيار راو رجل، وما زلت حتى اليوم عاجزة عن كتابة شخصية نسائية بضمير المتكلم. ربما يحدث ذلك يوما. ربما أكتب بصيغة الحاضر أيضا، لكنك محق، فقد بدأت هذه العلاقة بالجسد تتشكل في "ليلة مكسيكية طويلة" مع غريتا، ومع أوليفيا إلى حد ما. أما مع كلوديا في "البومة الذهبية" فشعرت أنني عثرت على صوتي: صوت امرأة تعيش الأشياء عبر حواسها، وتتبدل نظرتها إلى العالم باستمرار تبعا لحالة جسدها.

مع تقدمي في العمر أخذت أفهم من تجربتي الشخصية مقدار تأثير الإيقاع الدوري لجسدي في علاقتي بالزمن، وازدادت رغبتي في استكشاف ذلك من خلال راوياتي. ظللنا زمنا طويلا نعد كل ما يتصل بجسد المرأة شأنا ثانويا، ونرى أن علينا أن نخجل منه في حياتنا ونتجنب الكتابة عنه. من حسن الحظ أن هذه التصورات بدأت تتهاوى مع ظهور أجيال جديدة من الكاتبات، ومع ذلك ما زلنا بحاجة إلى كتابة حكايات كثيرة كي نتخلص من هذه الأفكار المسبقة. يبدو لي أن الكتابة عن الحمل وانقطاع الطمث لا تقل إلحاحا عن الكتابة عن الحرب أو صعود اليمين المتطرف.

مكان للضحك

ومع ذلك كله يبقى للضحك مكان في رواياتك. كيف منحك العثور على صوتك الساخر حرية الاقتراب من الموضوعات القاسية وترك مساحة للمتعة وسط التحفظ الذي تستقبل به الكتب المضحكة؟

هذه طريقتي في النظر إلى الأشياء منذ زمن طويل، لكنني احتجت إلى وقت كي أدرك أن من حقي أن أكتب كما أعبر عن نفسي في الحياة، أي بسخرية. سمحت لنفسي بذلك للمرة الأولى مع كلوديا في "البومة الذهبية"، وحين منحت هذا الجانب من شخصيتي مكانا في الكتابة شعرت بحرية أكبر بكثير، وانفتحت أمام صوتي الروائي إمكانات جديدة.

ومع ذلك كثيرا ما تقابل الكتب المضحكة بشيء من التحفظ، إذ ينظر أحيانا إلى الضحك على أنه ينتقص من جدية الأدب أو من قيمة الموضوع الذي يتناوله. قيل لي في "غاليمار" إن "كل بؤس العالم" لم يختر ضمن إصدارات الموسم الأدبي لأن "الكتب المضحكة لا تفوز بالجوائز الكبرى". لا أعرف إن كان هذا هو السبب الحقيقي، لكن قولا كهذا يظل لافتا لأنه يكشف عن تصور معين لما ينبغي أن يكون عليه الأدب الجاد.

لا تخفف الفكاهة من وطأة المأساة، إنما تمنحها إيقاعا أقرب إلى الحياة كما نعيشها فعلا

أرى في الفكاهة شكلا من أشكال التهذيب مع القارئ، فهي تتيح لي أن أكتب عن موضوعات بالغة القسوة، وتترك له في الوقت نفسه فسحة يلتقط فيها أنفاسه ويجد شيئا من المتعة. هذا هو إيقاع الحياة أيضا، فمشاعرنا تتبدل باستمرار، وقد يتجاور الحزن والضحك والخوف في اليوم نفسه، بل في اللحظة نفسها أحيانا. لذلك لا تخفف الفكاهة وطأة المأساة، إنما تمنحها إيقاعا أقرب إلى الحياة كما نعيشها فعلا.

غلاف "البومة الذهبية"

يبدأ البحث في "البومة الذهبية" ببومة مدفونة ثم يتسع حتى يغدو رهانا على إمكان العثور على معنى في العالم. كيف يربط اللغز في كتابتك بين ما يعبرنا من دون أن نراه وحاجتنا الوجودية إلى الاعتقاد بأن ثمة جوابا يمكن العثور عليه؟

تماما. فكرت في مرحلة ما أن أضع لرواية "البومة الذهبية" عنوانا هو "جغرافيا اللامرئي"، فالرواية عندي خريطة لكل ما يعبرنا من دون أن نراه: العواطف والأسرار والأشباح والصمت، والطاقة التي تخلفها مشاعرنا في الأمكنة والآخرين. يؤثر فينا هذا العالم الخفي بقدر ما تؤثر فينا الوقائع الملموسة، ولعل الرواية تمنحنا المساحة الأرحب للإصغاء إليه ومنحه شكلا.

أما اللغز فأرى وراءه سؤالا وجوديا عميقا، فالحقيقة تقول إن الباحثين عن البومة الذهبية يسعون إلى إجابة تتجاوز الشيء المدفون نفسه. إن السعي إلى حل لغز يعني الإيمان بوجود جواب في مكان ما، وبأن الفوضى يمكن أن تنتظم إذا واصلنا البحث طويلا بما يكفي. لعل هذا ما يمنح الألغاز قوتها في نظري، فهي تعدنا بجواب في نهاية الطريق، وبذلك تكاد تغدو تعويذة صغيرة في مواجهة الموت.

كثيرا ما تمر الحقيقة في رواياتك عبر شخصيات تقف على هامش الفعل: من يرث الحقيبة، من يسمع الشهادة، من يرى الشبح ومن يحمل الملف. كيف تعكس هذه الشخصيات تحول نظرتك إلى دور الكاتبة من الاعتقاد بأن الأثر يصنعه الفعل المباشر إلى إدراك قيمة "أن ترى ما تراه"؟

هذا دقيق جدا. أرى في ذلك صورة رمزية لدوري ككاتبة، فقد كان موقعي دائما أقرب إلى المراقبة والإصغاء والتقاط ما قد يمر من دون أن يلتفت إليه أحد، في حين يتجه آخرون إلى الفعل المباشر. احتجت وقتا طويلا كي أتقبل هذا الموقع وأدرك قيمته، فقد كنت أظن أن الفعل وحده هو ما يصنع أثرا حقيقيا.

القدرة على النظر بانتباه تنطوي على مسؤولية من نوع آخر، فأن ترى ما يحدث فعلا، وتحفظ أثر الأشخاص والتفاصيل والحكايات التي يهددها النسيان، ثم تمنحها مكانا في الكتابة، هو في حد ذاته فعل له قيمته

مع الوقت أدركت أن القدرة على النظر بانتباه تنطوي على مسؤولية من نوع آخر، فأن ترى ما يحدث فعلا، وتحفظ أثر الأشخاص والتفاصيل والحكايات التي يهددها النسيان، ثم تمنحها مكانا في الكتابة، هو في حد ذاته فعل له قيمته. لعل هذا ما يجعلني أميل في رواياتي إلى الشخصيات التي تقف قليلا على الهامش فترصد وتحفظ وتنقل ما رأته، وهي قريبة من موقعي أنا في الكتابة. في النهاية لدي هذه القدرة على "أن أرى ما أراه"، وقد تعلمت أنها جديرة بأن أتمسك بها.

font change