جاء فوز الروائي الفرنسي فيليب جانادا، أمس الثلاثاء، بجائزة غونكور لعام 2026 تتويجا لموسم أدبي استثنائي تداخلت فيه الاعتبارات الجمالية مع أسئلة شائكة حول مستقبل الكتابة وحدود التأليف البشري في عصر الذكاء الاصطناعي. فقد وجدت مؤسسة "غاليمار" الأدبية الفرنسية العريقة نفسها وسط جدال غير مسبوق، بعدما استبعدت رواية من قائمتها بسبب اتهامات باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والانتحال الأدبي. وإلى جانب ذلك، أثارت القائمة النهائية تساؤلات حول تركز القوة داخل صناعة النشر الفرنسية، بعدما وصلت إليها أربعة أعمال تنتمي جميعها إلى مجموعة نشر واحدة.
في هذا السياق، تبدو رواية «مجهولة رصيف جافيل"، الصادرة عن دار "فلاماريون"، اختيارا يحمل دلالات تتجاوز موضوعها البوليسي. فالعمل الذي يعيد فتح ملف جريمة قتل غامضة وقعت في باريس سنة 1949، يشتغل على علاقة الأدب بالذاكرة، وعلى قدرة الكتابة على استعادة حيوات محاها الزمن، وعلى المسافة الفاصلة بين الحقيقة التي تحفظها الوثائق والحقيقة التي يستطيع الخيال إعادة تركيبها. والمفارقة أن الرواية نفسها تستعين بالذكاء الاصطناعي في بعض مراحل البحث، ما يجعلها جزءا من النقاش الذي طبع هذه الدورة، لا مجرد عمل يقف على الضفة المقابلة منه.
امرأة منسية في مدينة لا تنسى
تبدأ الحكاية في السادس من سبتمبر/ أيلول 1949، عندما يعثر على جثة شابة على ضفاف نهر السين، عند رصيف جافيل، في الدائرة الخامسة عشرة من باريس. ويتبين أن الضحية تدعى لويز كانسو، امرأة بريتونية غادرت مسقط رأسها في سن مبكرة متجهة إلى العاصمة بحثا عن حياة مختلفة. وقد دخلت الأوساط الفنية الباريسية، وأصبحت من العارضات المعروفات لدى رسامي مونبارناس، قبل أن تنتهي حياتها مقتولة في ظروف غامضة.
لم ينجح التحقيق في تحديد المسؤول عن الجريمة. ظهرت أسماء مشتبه فيهم، وتقاطعت الشهادات والقرائن، لكن الملف أغلق من دون الوصول إلى نتيجة حاسمة. وهكذا بقيت لويز كانسو، التي كانت ذات يوم حاضرة في فضاءات الفن والحياة الباريسية، مجرد اسم في أرشيف قضية جنائية لم تجد طريقها إلى الحل.



