في وقت تواجه الاقتصادات الأوروبية ضغوطا متزايدة من ارتفاع تكاليف الاقتراض وتباطؤ النمو، تجد بريطانيا نفسها أمام معادلة مالية دقيقة. فهي تملك عملتها وبنكا مركزيا مستقلا، لكنها تواجه دينا عاما مرتفعا، وتكاليف متزايدة لخدمته، وهوامش محدودة للمناورة المالية. وقد عكست موازنة 28 أكتوبر/تشرين الأول 2026 هذه المفارقة بوضوح.
لكن السؤال يتجاوز أرقام الموازنة: هل تمنح استقلالية الجنيه بريطانيا قدرة أكبر على احتواء الأزمات مقارنة بفرنسا، أم أن ارتفاع عوائد السندات البريطانية يكشف أن السيادة النقدية لا تلغي قيود الأسواق؟ الإجابة تكمن في التمييز بين امتلاك أدوات السياسة الاقتصادية والقدرة الفعلية على استخدامها من دون زيادة التضخم أو إضعاف النمو أو تقويض الثقة بالمالية العامة.
الهامش المالي يتقلص تحت وطأة ارتفاع تكلفة الدين والطاقة
اختارت حكومة وزير الخزانة البريطاني جون هيلي استخدام جزء من الهامش المالي لامتصاص الصدمات الخارجية، بدلا من اللجوء إلى إجراءات واسعة لزيادة الضرائب أو خفض الإنفاق، مؤكدة أن ارتفاع تكاليف الاقتراض قلّص المساحة المتاحة أمامها للوفاء بقواعدها المالية. وبحسب مكتب مسؤولية الموازنة (OBR)، تقلص الهامش المتاح لتحقيق فائض في الموازنة الجارية إلى 15 مليار جنيه إسترليني في السنة المالية 2029-2030، مقابل نحو 24 مليار جنيه في تقديرات مارس/آذار، قبل أن يرتفع إلى 22 مليارا في 2030-2031.
ولا يمثل هذا الهامش مبلغا نقديا حرا، بل مساحة أمان تفصل التوقعات الحكومية عن الحد المطلوب للوفاء بالقاعدة المالية. وتكمن هشاشته في أن أي تراجع في النمو أو ارتفاع في تكاليف التمويل قد يقلصه سريعا. ويقدّر مكتب مسؤولية الموازنة احتمال الوفاء بقاعدة فائض الموازنة الجارية بنحو 56 في المئة فقط مقارنة بـ59 في المئة في موازنة 2025، وهو ما يعكس محدودية الثقة في تحقق المسار المالي المتوقع.





