قبل نائل...ظواهر تشي بتنام مقلق للعنصرية في فرنسا

حادثة الشاب نائل المرزوقي ليست الأولى من نوعها، بل هي سلوكيات متكررة

AFP/MAJALLA
AFP/MAJALLA

قبل نائل...ظواهر تشي بتنام مقلق للعنصرية في فرنسا

في تعقيب على أعمال الشغب التي اندلعت في فرنسا، طالبت الأمم المتحدة السلطات الفرنسية بمعالجة مشكلات العنصرية والتمييز في صفوف قوات الأمن. وقالت المتحدثة باسم "مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان" رافينيا شمداساني في تصريح يوم الجمعة الفائت: "حان الوقت ليعالج هذا البلد مشكلات العنصرية والتمييز المتجذّرة في صفوف قوات الأمن".

هذا التصريح الصادر عن أرفع منظمة إنسانية منبثقة عن المؤسسة التي كانت فرنسا من مؤسسيها، ولا تزال الى اليوم تتمتع بحق النقض فيها، يختصر الكثير. فهو يضع الإصبع على الجرح بالتركيز على تجذّر العنصرية، وأنها ليست سلوكاً طارئاً. لكنه في الوقت عينه يعتبر تصريحاً دبلوماسياً جداً لأنه يقصر هذا السلوك المشين على جهاز الشرطة فقط، في حين أن العنصرية صارت في السنوات الأخيرة ثقافة متجذرة لدى النخب السياسية الفرنسية. وهذه الثقافة لم تكن لتقوى وتسود لدى شرائح مجتمعية واسعة لولا أنها تنهل من منابع السياسة، وتعبر عن توجهات تلك النخب.

وحسب دراسة نشرها "المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية" في وثيقة بعنوان "المهاجرون وأحفاد المهاجرين في فرنسا"، فإن ما نسبته 10.3 % من سكان فرنسا عام 2021 مهاجرون، أي ما يوازي نحو 7 ملايين نسمة، مقارنة بنسبة 6.5 % عام 1968. وبينت الدراسة أيضاً أن المهاجرين في فرنسا هم أكثر ارتباطاً بالدين من بقية السكان، وأن الإسلام يحتل المرتبة الأولى في ذلك. كما بينت أيضاً أن النسبة الأكبر من المهاجرين هم المغرب العربي وشمال أفريقيا.

ويرتفع احتمال تعرض شاب يُنظر اليه على أنه أسود أو عربي الى تدقيق أمني بعشرين ضعفاً عن غيره، وذلك وفق تقرير صادر عن "هيئة المدافع عن الحقوق" الفرنسية عام 2017.

مقدّمات معبّرة

قبل أيام قليلة فقط، خرج وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمنان بتصريح قال فيه إن "الإرهاب السني هو أبرز تهديد لفرنسا وأوروبا"، فإذا كان رأس التشكيلات الأمنية كلها على اختلاف أدوارها ومسمياتها يتحدث هكذا، فلا يجب أن نستغرب سلوكيات عنصرية من أركان وأفراد منظومة الشرطة الفرنسية، لاسيما وأن حادثة الشاب نائل المرزوقي ليست الأولى من نوعها، بل هي سلوكيات متكررة. وفي كل مرة يجري التعامل مع ما يحصل من قبل القضاء الفرنسي بطريقة تنطوي على الكثير من الاستخفاف الممزوج بالموافقة الضمنية.

وظاهرة الإسلاموفوبيا التي تضخّمت بشدة عقب أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 في الولايات المتحدة الأميركية، هي التي أطلقت العنان لمشاعر الكراهية تجاه مجتمعات المهاجرين في فرنسا، والتي كانت خجولة أو مكبوتة الى حد بعيد. وكان قانون منع الرموز والملابس التي تعبّر بشكل ظاهر عن الانتماء الديني في المدارس والمعاهد الرسمية، الذي أقرّته الجمعية الوطنية مطلع عام 2004، هو المؤشر الأوضح على مدى نمو المشاعر العدائية تجاه المسلمين خاصة والمهاجرين بصفة عامة.

ومع أن هذا القانون أقرّ في عهد الرئيس جاك شيراك الذي كان يوصف بـ"صديق العرب والمسلمين"، إلا أن المحرّك الأبرز له كان الرجل القوي في اليمين الفرنسي الحاكم وزير الداخلية نيكولا ساركوزي، والذي كان يستعد للترشح لانتخابات رئاسة الجمهورية عام 2007، بشعارات يمينية متطرفة وخطاب شعبوي.

لذا لم يكن تفصيلاً تزامن تصاعد موجة العنصرية في فرنسا مع صعود نجم ساركوزي، وخطابه السياسي اليميني ذي النزعة المتطرفة والذي يركز على مكافحة ظاهرة الهجرة وصولاً الى اقتراحه إنشاء وزارة "الهجرة والهوية الوطنية" لحماية قيم الجمهورية الفرنسية.

لم يكن تفصيلاً تزامن تصاعد موجة العنصرية في فرنسا مع صعود نجم ساركوزي، وخطابه السياسي اليميني ذي النزعة المتطرفة والذي يركز على مكافحة ظاهرة الهجرة وصولاً الى اقتراحه إنشاء وزارة "الهجرة والهوية الوطنية" لحماية قيم الجمهورية


فكان أن انفجرت أزمة مجتمعات المهاجرين داخل فرنسا بشكل صاخب للمرة الأولى عام 2005، حينما كان ساركوزي لا يزال وزيراً للداخلية، وذلك غداة مقتل شابين من جذور أفريقية (أحدهما تونسي) صعقاً بالكهرباء أثناء فرارهما من الشرطة في ضاحية "كليشي سو بوا" شرق باريس. وكان لساركوزي في حينها تصريحات أسهمت في تأجيج غضب المهاجرين ورفع سعير موجات العنف والشغب، وذلك عندما وصف مثيري الشغب بـ"الحثالة"، وقوله إن العديد من الضواحي الفرنسية بحاجة الى "تنظيف صناعي"!

فكانت الحصيلة في النهاية 19 ليلة ساخنة، نتج عنها إحراق نحو 8700 سيارة، والعديد من المباني العامة والحكومية. والأهم من كل ذلك جرح غائر في صدر المجتمع الفرنسي لا يزال ينزف حتى يومنا هذا. بعد 10 سنوات على أحداث الشغب هذه، برأت محكمة فرنسية شرطيين كانا متهمين بعدم مساعدة الشابين المراهقين. وبذلك فإن القضاء الفرنسي شرعن من حيث يقصد أو لا يقصد تحول التمييز العنصري بحق المهاجرين الى ثقافة دولة ومجتمع. لتترى الأحداث العنصرية بعدها ولا سيما مع انتخاب ساركوزي رئيساً للجمهورية (2007-2012).

غياب المحاسبة

في نوفمبر/ تشرين الثاني 2009، توفي المهاجر من أصول مغربية محمد بوكرورو ببلدة فلاونتجيني الفرنسية داخل سيارة للشرطة بعد أن جرى اعتقاله غداة مشاحنة داخل إحدى الصيدليات. حينذاك قالت الشرطة الفرنسية أن الوفاة حصلت "نتيجة المعاناة من ضيق في التنفّس"، لكنّ مدعي عام الجمهورية في مونبليار الذي فتح تحقيقاً قضائياً بحثاً عن أسباب الوفاة أقر بأن بوكرورو لم يمت اختناقاً.

وقال شقيق الضحية في تصريحات صحافية إنه "أثناء تغسيل جثة أخيه لاحظت العائلة وجود كدمات على الوجه وتقرّحات حول الفم والخدين". فضلاً عن أن عدداً من الأشخاص الذين شهدوا الواقعة أكدوا أن عناصر الشرطة وجهوا ضربات غير قانونية للضحية وهو مكبل اليدين. وقد تبنّت تلك الحادثة عدد من المنظمات الإنسانية بينها "منظمة العفو الدولية" التي ذكرت في تقرير لها أن وفاة المهاجر المغربي "تعد بمثابة تنويه يشي بمدى تقاعس السلطات عن مقاضاة ضباط أجهزة إنفاذ القانون المتهمين بارتكاب انتهاكات حقوقية خطيرة". وتضمن التقرير أيضاً شهادة لشاهدة من عين المكان تذكر فيها أنها "رأت رجال الشرطة وهم يدوسون بوكرورو بأقدامهم ويركلونه ويضربونه".

منذ أكثر من عام، يقتل سائق سيارة على يد الشرطة الفرنسية كل شهر، في حين أنه في ألمانيا هناك فقط 3 حالات قتل تتعلق بعمليات تفتيش على جانب الطريق خلال 10 سنوات

بالمحصلة لم يحاسب أحد وطويت القضية رغم كل الضغوطات. ربما لو تمت محاسبة من تسببوا بوفاة المهاجر ذي الأصول المغربية لكان ذلك سيشكل رادعاً قانونياً وأخلاقياً لرجال الشرطة، ولم تكن فرنسا لتشهد اندلاع موجات شغب متكرّرة من قبل المهاجرين بين الحين والآخر.

وتشير مقارنة أجرتها صحيفة "ليبراسيون" الفرنسية غداة مقتل الشاب الجزائي نائل أنه منذ أكثر من عام، يقتل سائق سيارة على يد الشرطة الفرنسية كل شهر، في حين أنه في ألمانيا هناك فقط 3 حالات قتل تتعلق بعمليات تفتيش على جانب الطريق خلال 10 سنوات (2013-2023). وتستند الصحيفة في تقريرها على أرشيفات "مجلة برلين" المتخصصة في حقوق المواطنة والشرطة المعروفة اختصاراً بـ"CiLiP".

 

AFP
متظاهرون يحملون لافتة مكتوب عليها "العدالة لنائل" على هامش سباق فرنسا السنوي للدراجات

وتنقل الصحيفة عن عالم الاجتماع الفرنسي سيباستيان روشيه قوله "في ألمانيا، لم يكن هناك سوى إطلاق نار مميت واحد خلال 10 سنوات بسبب رفض الامثتال للأوامر، مقارنة بـ16 حالة في فرنسا خلال عام ونصف العام".

ظاهرة العنصرية عادت وخفتت نسبياً عقب انتخاب اليساري فرنسوا هولاند مرشح الحزب الاشتراكي رئيساً للجمهورية خلفاً لساركوزي. وذلك نابع من سياسة اليسار الفرنسي بالاهتمام باندماج المهاجرين في المجتمع الفرنسي منذ عهد الرئيس فرنسوا ميتران. والأخير قال في أحد خطاباته إن "المهاجرين لم يأتوا بمفردهم، وإنما تم جلبهم بالشاحنات والقوارب لأن فرنسا كانت في حاجة الى العمالة في المناجم وصناعة السيارات والأشغال العامة وجميع الصناعات الملوّثة التي يرفضها الفرنسيون".

وتبين فيرجين مارتن أستاذة العلوم السياسية وعلم الاجتماع في كلية "كيدج" للأعمال في تصريحات صحافية أن "بلديات المدن التي تقودها الحكومة اليسارية حاولت تصحيح الوضع في الضواحي المكتظّة بالمهاجرين من خلال سياسة ترابطية قوية وضوابط شرطة محلية". وتضرب مارتن مثلاً على ذلك بأن "ضباط الشرطة كانوا منسجمين مع أفراد المجتمع في مناطق وضواحي المهاجرين ويلعبون كرة القدم مع أطفال الأحياء. لكن اليمين الفرنسي وخاصة في عهد ساركوزي أنهى كل ذلك بين 2005 و2010، وفقدت همزة الوصل لنغرق في هوامش جغرافية واجتماعية واقتصادية وسياسية".

زادت الهجمات الإرهابية من شعبية اليمين المتطرف في فرنسا، بما يعكس حجم التغير لدى الناخب الفرنسي نفسه، وتأييد شريحة واسعة من المجتمع الفرنسي للشعارات العنصرية وخطاب الكراهية تجاه المهاجرين

نقطة التحول

بيد أن الأحداث الإرهابية التي شهدتها فرنسا عام 2015 أجّجت العنصرية بشكل أقسى وأقوى بكثير من ذي قبل. فمطلع ذاك العام تعرضت صحيفة "شارلي إيبدو" الساخرة الى هجوم إرهابي أدى الى مقتل 12 شخصاً، بينهم أغلب طاقم التحرير فيها، رداً على نشر الصحيفة كاريكاتير يسخر من النبي محمد (ص). العملية تبناها تنظيم "القاعدة في بلاد العرب"، وكذلك تنظيم داعش.

عقب هذه الهجمات أقرت الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان) إجراءات مشددة لمكافحة الإرهاب أهمها قانون المخابرات الذي واجه انتقادات واسعة بسبب ما وصف بتقييده للحريات العامة. وفي نوفمبر/ تشرين الثاني من العام نفسه شهدت فرنسا سلسلة هجمات إرهابية هي الأعنف منذ الحرب العالمية الثانية.

وقد تنوّعت هذه الهجمات ما بين 3 تفجيرات انتحارية في "استاد فرنسا" بضاحية سان دوني خلال مباراة ودية بين منتخبي فرنسا وألمانيا، والتي كان يحضرها الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند ووزير داخليته برنار كازنوف، ووزير خارجية ألمانيا فرانك فالتر شتاينماير، وهجوم مسلح على عدة مطاعم معروفة في شوارع مختلفة، واقتحام مسرح "باتاكلان" إبان حفلة موسيقية. أسفرت الهجمات عن مقتل 130 شخصاً، 89 منهم في المسرح، وجرح 368 شخصا. أغلب منفذي العمليات المذكورة كانوا فرنسيين من أصول مهاجرة، وعربية تحديداً.

وفي يوليو/ تموز 2016، انقض مهاجم بشاحنته على الحشود المتجمعة في مدينة نيس لمشاهدة عرض الألعاب النارية بمناسبة العيد الوطني لفرنسا مما أدى إلى مقتل 84 شخصاً. لم يؤدّ الاعتداء الأخير إلى تمديد حال الطوارئ فحسب، بل إلى تشديد قانون العقوبات الذي يجرّم تأسيس منظمات إجرامية، وتمرير مادة قانونية أخرى تسمح بإقفال أماكن العبادة في حال كانت الخطابات الدينية فيها تدعو الى العنف وتحث على الكراهية. وبالطبع فإن المقصود من هذه الإجراءات كانت المساجد والجمعيات الإسلامية.

قبل أيام قليلة فقط، خرج وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمنان بتصريح قال فيه إن "الإرهاب السني هو أبرز تهديد لفرنسا وأوروبا"، فإذا كان رأس التشكيلات الأمنية كلها على اختلاف أدوارها ومسمياتها يتحدث هكذا، فلا يجب أن نستغرب سلوكيات عنصرية من أركان وأفراد منظومة الشرطة الفرنسية

صعود اليمين المتطرف

وقبل أشهر قليلة من هجوم نيس حاول الرئيس الفرنسي هولاند تمرير قانون سحب الجنسية، والذي كان يستهدف المواطنين الفرنسيين الذين يحملون جنسية مزدوجة، المتهمين بارتكاب أعمال إرهابية. لكن مشروع القانون أثار زوبعة كبيرة من الانتقادات في الأوساط السياسية والإعلامية الفرنسية، ولدى المدافعين عن الحريات وحقوق الإنسان، مما أدى في النهاية الى التخلي عنه.

وإذا كان الإشتراكيون الذين سعوا لإدماج المهاجرين بالمجتمع الفرنسي وقيمه وثقافته هم من وضعوا مشاريع القوانين هذه وأسهموا في تمريرها في البرلمان، فما بالكم بقوى اليمين وخاصة المتطرفة منها؟

AFP
زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان

والحال أن اليمين المتطرف في فرنسا أخذت شعبيته في التصاعد على وقع ما حصل، بما يعكس حجم التغير لدى الناخب الفرنسي نفسه، وتأييد شريحة واسعة من المجتمع الفرنسي للشعارات العنصرية وخطاب الكراهية تجاه المهاجرين. ورغم انتخاب إيمانويل ماكرون رئيساً للجمهورية عام 2017، والذي يمثل يمين الوسط، إلا أن وضع المهاجرين عامة والمسلمين خاصة ازداد سوءاً، إذ راح الرئيس الشاب والشعبوي يزيد من حجم الضغوطات على الفئات المذكورة بصورة اتخذ معه رهاب الإسلام والعنصرية ضد المهاجرين طابع "سياسة الدولة"، ولا سيما عقب ذبح المدرس صامويل باتي في أكتوبر/ تشرين الأول 2020 على يد لاجئ شيشاني.

كان قانون منع الرموز والملابس التي تعبّر بشكل ظاهر عن الانتماء الديني في المدارس والمعاهد الرسمية، الذي أقرّته الجمعية الوطنية مطلع عام 2004، هو المؤشر الأوضح على مدى نمو المشاعر العدائية تجاه المسلمين خاصة والمهاجرين بصفة عامة

ووصل الأمر به إلى اقتراح مشروع قانون لتعزيز مبادئ الجمهورية لمحاربة ما وصفه بـ"الانعزالية" و"النزعات الانفصالية"، والذي أقره البرلمان الفرنسي مطلع عام 2021 بأغلبية كبيرة، مع أنه لا يوجد أي منظمة أو جماعة أو منطقة في فرنسا لديها مطالب انفصالية. هذا القانون اعتبر عدد كبير من المثقفين والأكاديميين والباحثين أنه خُيّط على مقاس المسلمين والمهاجرين، وسعى الى "وصمهم وتهميشهم".

فهو يعزز الرقابة على الجمعيات وتمويل الأنشطة الدينية، ويشدد الخناق على الحريات بفرضه رقابة على وسائل التواصل الاجتماعي لمنع نشر الكراهية. استتبع ذلك بقيام السلطات الفرنسية بحل عدد من الجمعيات التابعة للمسلمين، وتهميش دور "المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية" وهي هيئة رسمية تأسست عام 2003، وصولاً الى حلها بقرار من الرئيس الفرنسي ماكرون في فبراير/ شباط 2023. وكذلك إقفال 21 مسجداً وفق ما صرح به وزير الداخلية الفرنسي جيرار درامانان في أواخر عام 2021، وكشفه عن العمل على إغلاق مساجد أخرى، وعن تفتيش أكثر من 90 مسجداً.

AFP
بدأت الاحتجاجات العنيفة التي امتدت إلى أنحاء مختلفة في فرنسا بعد مقتل الشاب نائل برصاص شرطي

ما زاد الطين بلة هو استحكام الخلاف السياسي بين الرئيس الفرنسي ماكرون ونظيره التركي رجب طيب أردوغان، وانعكاس هذا الخلاف على طريقة تعامل الحكومة الفرنسية مع المهاجرين وخصوصاً المسلمين، حيث باتت تعتبرهم كلهم أتراكاً من مؤيدي أردوغان، علماً أن تعداد الجالية التركية في فرنسا يبلغ نحو 700 ألف نسمة، يحمل نصفهم الجنسية الفرنسية. وكأن ماكرون العاشق للثقافة والتاريخ يحاول إحياء موروث أوروبي قديم يعتبر كل مسلم هو تركي.

أقل من ثلث الفرنسيين.. عنصريون

ومن الطبيعي أن يكون لكل هذه التوجهات الحكومية آثار عميقة داخل الإدارة العامة ومنظمة الشرطة وحتى القطاع الخاص، حيث ارتفعت وتيرة الأعمال والسلوكيات العنصرية من رجال الشرطة والمعلمين وأساتذة الجامعات تجاه المهاجرين.

في 15 فبراير/ شباط 2022، نشر موقع "ميديابارت" الفرنسي تحقيقاً حول الظلم الشديد الذي لا يزال يشعر به أهالي الضحايا بعد سنتين من الهجوم الذي شنه متطرف فرنسي يبلغ من العمر 84 عاماً على مسجد "بايون" جنوب فرنسا، المسجد الوحيد على ساحل الباسك بكامله، بعد أن استبعدت السلطات بسرعة فرضية الإرهاب. وكان المتطرّف الفرنسي ينوي إحراق المسجد باستخدام البنزين، إلا أنه فوجئ بوجود شخصين في المسجد. وعندما حاول الأخيران الهروب أطلق النار عليهما، فأصاب أحدهما في رقبته، والآخر في جانبه وذراعه بثلاث رصاصات.

ظاهرة الإسلاموفوبيا التي تضخّمت بشدة عقب أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 في الولايات المتحدة الأميركية، هي التي أطلقت العنان لمشاعر الكراهية تجاه مجتمعات المهاجرين في فرنسا، والتي كانت خجولة أو مكبوتة الى حد بعيد

لم تبدِ الحكومة الفرنسية كما السلطات القضائية أدنى اهتمام بالحادثة، واعتبر مكتب المدعي العام الوطني لمكافحة الإرهاب أنه لا يوجد مبرر للنظر في القضية لأن مطلق النار يعاني من "ضعف جزئي في التمييز". والجاني كلود سينكي، الذي توفي في محبسه، كان ينتمي الى حزب "التجمع الوطني" اليميني المتطرف الذي تتزعمه مارين لوبان، وسبق أن ترشح الى الانتخابات البرلمانية.

لم يكن هذا الإهمال القضائي هو الأول من نوعه، بل سبقته عدة حوادث مشابهة. منها مقتل مسنة جزائرية (80 عاماً) في منزلها بمدينة مرسيليا جراء "طلق ناري على مستوى الوجه أطلقه أحد عناصر الشرطة" إبان احتجاجات حصلت في المدينة عام 2018. ورغم مطالبة "منظمة العفو الدولية" أكثر من مرة السلطات القضائية الفرنسية بالتحقيق بشكل جدي في القضية، إلا أن شيئاً من ذلك لم يحدث.

وفي 8 مارس/ آذار 2022، نشر الموقع نفسه تقريراً عن شكاوى قدمها 15 مهاجراً كانوا محتجزين في مراكز اعتقال إداري للمهاجرين غير النظاميين بمدينة نيس جنوب فرنسا، حول تعمد الشرطة بث أصوات إباحية عبر مكبرات الصوت أثناء قيام المعتقلين المسلمين بتأدية الصلاة. وقال بعضهم في شكاويهم أن الأصوات كانت تتكرّر بانتظام في أوقات الصلاة حصراً. واعتبر المحامي المكلف من نقابة المحامين في نيس متابعة القضية أن "الشرطة تتعمّد فعل ذلك لإظهار عدم احترامها لدين المعتقلين".

وكشف استطلاع رأي أجراه موقع "ستاتستا" المتخصص بالإحصاءات العالمية في يوليو/ تموز 2022 أن 23 % من الفرنسيين المشاركين في الدراسة قالوا إنهم عنصريون. علاوة على أن اللجنة الاستشارية الوطنية لحقوق الإنسان في فرنسا ذكرت في تقريرها السنوي حول مكافحة العنصرية ومعاداة السامية والأجانب والذي نشر في الشهر نفسه، أن النتائج لا تزال "مقلقة"، مشيرة الى استمرار "الظواهر التمييزية" بسبب الأصل أو الدين أو لون البشرة.

كما أشارت دراسة صادرة عن معهد "إيفوب" "IFOP" للإحصاء حول أعمال التمييز والعنصرية التي يتعرض لها مسلمو فرنسا بسبب دينهم لصالح مؤسسة "جان جوريس" في أغسطس/ آب 2019، أن 60 % من النساء المحجبات تعرضن للتمييز والعنصرية في فرنسا.

وكشف الاستطلاع أن 40 % من العينة المستطلعة كانوا ضحايا لسلوك عنصري، وأن 48 % تعرضوا لشكل من أشكال التمييز خلال عملية التعليم في المدارس، وأن 13 % أكدوا تعرضهم للتمييز من قبل الشرطة عند التحقيق معهم، و17 % تعرضوا للمعاملة نفسها عند البحث عن عمل، و14% تعرضوا للعنصرية والتمييز عند بحثهم عن مسكن.

حادثة الشاب نائل المرزوقي ليست الأولى من نوعها، بل هي سلوكيات متكررة. وفي كل مرة يجري التعامل مع ما يحصل من قبل القضاء الفرنسي بطريقة تنطوي على الكثير من الاستخفاف الممزوج بالموافقة الضمنية

عنصرية حتى داخل البرلمان

في أكتوبر/ تشرين الأول 2022، نشر موقع "ميديابارت" الفرنسي تقريراً عن تعرض 3 مهاجرين قصر لاعتداءات جسدية من ضباط وعناصر الشرطة أثناء ملاحقتهم لخرقهم حظر التجول إبان جائحة كوفيد19 عام 2019. وقدم واحد من الموقوفين شهادة تفيد بتعرضه للكم والصفع من قبل أحد الضباط الذي عاد وتبول عليه مع زميله، إلا أن الضابط نفى الواقعة تماماً.

وقامت منظمة الشرطة بحماية ضباطها وعناصرها حسب المحاضر الرسمية، لكن وجود شريط فيديو وثق الواقعة، وكذلك مهنة شقيق أحد الموقوفين الذي هو أحد عملاء لواء مكافحة الجريمة داخل الشرطة الوطنية، كانا كفيلين بإجراء تحقيق موسع خلص في النهاية الى فصل ضابطي شرطة، وسرعان ما عينا ضمن شرطة بلديات أخرى!

إحدى الحوادث التي تعكس مدى تغلغل العنصرية في مجتمع النخب الفرنسية تمثلت بتعرض النائب اليساري كارلوس مراتن، المولود في فرنسا من أصول أفريقية، الى موقف عنصري أثار جدلاً واسعاً في البلاد بعد أن قاطعه زميله اليميني المتطرف غريغوار دي فورناس وهو يتحدث في البرلمان في 3 نوفمبر/ تشرين الثاني 2022 قائلاً: "عودوا إلى أفريقيا".

واعتبر مراتن في تصريحات صحافية أن "الإعلام الفرنسي يأخذ وقته الكافي لتسويغ ما حدث كونه ليس جريمة، وأنه يمثل رأياً فقط". وأردف قائلاً: "حتى عندما نشغل أعلى المناصب في البلاد سنكون معرضين دائماً لسلوك عنصري، لأن السياسة هي انعكاس لشرور مجتمعاتنا". وبالفعل بعد أشهر قليلة، تجمع عشرات الشبان العنصريين خارج جامعة بوردو في 7 ديسمبر/ كانون الأول 2022 في محاولة للهجوم على النائب مراتن، قبل أن تتدخل الشرطة لإخراجه من الباب الخلفي لإنقاذ حياته.

نجوم كرة القدم أيضاً

حتى نجوم كرة القدم لم يسلموا من هذه السلوكيات، إذ تعرض الأسطورة الفرنسي ذي الأصول الجزائرية زين الدين زيدان الى تنمر فاضح من رئيس الاتحاد الفرنسي للعبة نويل لو غراي في حوار إذاعي، حينما قال إنه "لا يكترث لأمر زيدان ولا لمشواره التدريبي أبداً، ولو اتصل لن يرفع سماعة الهاتف للإجابة عليه".

وذلك رغم أن زيدان قاد المنتخب الفرنسي للفوز بأول بطولة لكأس العالم في تاريخه عام 1998، وأتبعها ببطولة أوروبا عام 2012، ويعد فخر فرنسا. لكن ردة فعل رواد شبكات التواصل الاجتماعي، والوسط الرياضي الفرنسي والعالمي، الشاجبة والمستنكرة لكلام لو غراي دفعته إلى الاعتذار، ثم الاستقالة من منصبه. وتردّدت حينها بعض فضائح لوغراي المشابهة، مثل تنمّره على المنتخب الفرنسي للسيدات بتصريحات وصفت بالذكورية والعنصرية في آن معاً.

كما وجهت اتهامات الى مدرب المنتخب الفرنسي ديدييه ديشامب بطرد أحد أبرز نجوم الفريق الوطني حامل الكرة الذهبية كأفضل لاعب في العالم كريم بنزيمة قبل انطلاق مونديال قطر بأيام قليلة لأسباب عنصرية محضة، وإن كان ديشامب نفى ذلك أكثر من مرة، لكنه أبدى ردة فعل غاضبة في كل مرة يُسأل فيها عن قضية بنزيمة.

AFP
اقترح ماكرون (وسط) مشروع قانون لتعزيز مبادئ الجمهورية لمحاربة ما وصفه بـ"الانعزالية" و"النزعات الانفصالية"، والذي أقره البرلمان الفرنسي مطلع عام 2021 بأغلبية كبيرة

علاوة على ذلك، فقد تعرض ثلاثي المنتخب الفرنسي أوريليان تشاوميني، وكينغسلي كومان، وراندال كولو مواني، وهم سمر البشرة ومن جذور أفريقية، الى إساءات عنصرية عقب خسارة المنتخب الفرنسي لنهائي كأس العالم في الدوحة أمام منتخب الأرجنتين. وبمجرد البحث عن أسماء هؤلاء اللاعبين عبر شبكات التواصل، كان يمكن ملاحظة أشكال تعبيرية مثل القردة، أو تعليقات عنصرية لبعض المتطرفين، بينهم بعض من ساسة اليمين المتطرف. بالإضافة الى الحوادث العنصرية على مدرجات ملاعب كرة القدم، وإصرار الاتحاد الفرنسي لكرة القدم على عدم السماح للاعبين المسلمين بالحصول على استراحة إفطار لثوان قليلة في شهر الصيام أسوة بما يحصل في العديد من البطولات ومنها الدوري الإنكليزي، مقابل فرضه عقوبات على اللاعبين الفرنسيين من أصول أفريقية لرفضهم ارتداء شعارات المثلية.

هذا الضغط بدأ يدفع بالكثير من المهاجرين والمسلمين الى البحث عن سبل للهروب من جحيم العنصرية الذي يلاحقهم في المدارس والمعاهد والجامعات ووسائل النقل العامة

هروب المهاجرين

هذا الضغط بدأ يدفع بالكثير من المهاجرين والمسلمين الى البحث عن سبل للهروب من جحيم العنصرية الذي يلاحقهم في المدارس والمعاهد والجامعات ووسائل النقل العامة.

في فبراير/ شباط 2022 نشرت صحيفة "ليبراسيون" الفرنسية تقريراً يتحدث عن هجرة مسلمين فرنسيين الى تركيا هرباً من ممارسات الإسلاموفوبيا. وأوضحت أن أغلب المسلمين ممن تركوا فرنسا واستقروا في تركيا "يغلب عليهم التدين والابتكار". في حين أن العديد من الشباب المسلم من أصول شمال أفريقية استقروا في دول الخليج العربي. وذكر التقرير تأسيس مجموعات على وسائل التواصل الاجتماعي ولا سيما فيسبوك لتسهيل الهجرة الى تركيا وأن إحداها تضم نحو 2000 عضو ولا يزال المشرف عليها يتلقى العديد من الرسائل لفرنسيين يريدون الهجرة.

في 28 نيسان/ أبريل 2023، كشف موقع "ميديابارت" الفرنسي في تحقيق خاص أن عدد الهجمات الموثقة والمعلنة ضد مساجد في فرنسا منذ عام 2019 بلغ العشرات. ونقل الموقع عن رئيس "مرصد الإسلاموفوبيا" في "المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية" عبد الله زكري أنهم لا يتقدمون بشكاوى ضد الاعتداءات التي يتعرضون لها، مشيراً الى تعرضهم عام 2021 الى نحو 70 تهديداً فضلوا عدم التبليغ عنها لأنهم يعرفون أن القضية ستحفظ في نهاية المطاف، وتصنف ضد مجهول.

وفي مطلع مايو/ أيار الماضي، وجهت الأمم المتحدة انتقادات الى باريس على خلفية هجمات ضد مهاجرين وتنميط عنصري وأعمال عنف تمارسها الشرطة، وذلك خلال اجتماع عقده "مجلس حقوق الإنسان" في الهيئة الأممية للنظر في سجل فرنسا. وقد سلطت وفود عدة دول، بينها السويد والنرويج والدانمارك، الضوء على عنف الشرطة الفرنسية خلال عمليات حفظ الأمن وخاصة أثناء المظاهرات.

ومنذ أيام قليلة فقط، أثير جدل واسع على شبكات التواصل الاجتماعي في فرنسا، بسبب اعتزام قصر الإليزيه تكريم هنري دانسلم وآخرين تدخلوا خلال هجوم قام به لاجئ سوري موتور في مدينة دانسي شرق فرنسا، ومنحه في احتفال يقام في الشهر الجاري "وسام جوقة الشرف"، الذي يمثل أعلى تكريم رسمي في فرنسا. واستهجن الناشطون استثناء بطل آخر يدعى طارق البرنوصي، وهو فرنسي من جذور عربية شمال أفريقية، كان قد أسهم في إنقاذ عدد من الأرواح من خلال تصديه الشجاع لهجوم بساطور في متجر "ليدل" شمال فرنسا، مما أدى الى بتر اثنين من أصابع يده. واعتبر عدد من الناشطين أن استثناء طارق هو عمل مقصود بذاته، وأن السبب في ذلك أنه مهاجر من أصول عربية.

ما سبق ذكره هو غيض من فيض الحوادث التي تنم عن عنصرية فاقعة باتت منتشرة في المجتمع الفرنسي وليس داخل منظومة الشرطة الفرنسية فقط. فالشرطيون عناصر وضباطاً ما هم في النهاية إلا مواطنين فرنسيين يتأثرون بما يتأثر به عموم المجتمع من ظواهر.

ورغم أن خطاب الكراهية، والمشاعر العدائية ضد المهاجرين، وصعود قوى اليمين المتطرف ليست حكراً على فرنسا بقدر ما هي ظواهر تتطوّر بشدة في الدول والمجتمعات الأوروبية، إلا أن فرنسا تختلف عن الآخرين في أن العنصرية أصبحت "سياسة دولة". ولذلك انفجر الشغب عقب مقتل الشاب نائل، وسيخمد ثم سيعود الى الاشتعال مرات ومرات ما دامت الدولة الفرنسية تواظب على تطبيق السياسات نفسها.

font change

مقالات ذات صلة