تونسيّ في شارع الحمراء البيروتي… وغرامه بلبنانية

عن رواية الطاهر لبيب "في انتظار خبر إن"

Richard Sammour
Richard Sammour
الباحث التونسي الطاهر لبيب

تونسيّ في شارع الحمراء البيروتي… وغرامه بلبنانية

بلغة عربية كتابية أنيقة، كلاسيكية محدثة، وتتجنّب الإنشاء الأدبي العربي الدراج؛ وبذائقة معرفية أنثروبولوجية تلابس فن السرد، يكتب الباحث التونسي الطاهر لبيب (1942- ...) روايته الصادرة حديثا (بعد منتصف 2023) لدى "دار محمد علي الحامي" في تونس، و"منتدى المعارف" في بيروت. ولغة السرد هذه غريبة عما ساد من لغات كرسها فيضان الرواية وطغيانها السيّال على المشهد الثقافي العربي منذ أكثر من 15 سنة. والسيولة، والأحرى السهولة، أفقرت الرواية العربية وأغرقتها في الكلام الشفوي السائل والمفصّح، من دون أن يغادر بنيته الشفهية التي تفتقد فن الكتابة والهوية الكتابية.

وقد يكون تكوّن الطاهر لبيب البحثي في اجتماعيات الثقافة والأدب، وصلته بالثقافة الفرنكوفونية، السوسيولوجية والأنثروبولوجية والأدبية، وكذلك بالتراث العربي الكلاسيكي، جنّباه تلك اللغة الروائية الشفوية الدارجة التي لا تنطوي على شخصية كتابية وثقافية خاصة ومحدّدة. فلبيب كان قد بدأ مساره الثقافي والبحثي في باريس بدراسة عن "سوسيولوجيا الغزل العربي: الشعر العذري نموذجا" لنيل شهادة دكتوراه. وصدر بحثه هذا باللغة الفرنسية سنة 1972، قبل ترجمته إلى العربية مرات عدة، الأخيرة من ترجمة الكاتب نفسه.

في "في انتظار خبر إن" - وهي روايته الأولى - يسجل لبيب تجربته الحياتية والذهنية في مدينة بيروت العقد الأول من الألفية الثالثة (2000- 2011) بوصفه مثقفا وباحثا ومترجما ومشرفا على "المنظمة العربية للترجمة". وهو في طيات السرد يحاور بيروت وصورها، إضافة إلى محاورته نفسه ومخزونه الثقافي في مرايا المدينة، وتحديدا رأس بيروت وشارع الحمراء ومقاهيه الكثيرة، حيث أقام وأنشأ صداقات متنوعة في الوسط الثقافي البيروتي، ومنها علاقاته الغرامية.

ونعلم في سياق السرد أن الراوي شرع في تدوين يومياته، انطباعاته وملاحظاته الحسّية والذهنية وملاحظاته عن المدينة - الشارع (الحمراء) ومقاهيه التي يرتادها مرات في يومه. وهو كان قد دخل بيروت مزودا بصورها الكثيرة: "أرصفة وأناقات تستنسخ باريس السنوات المجنونة". أي سنوات الستينات والسبعينات من القرن العشرين. "إعلان من بداية السبعينات (البيروتية) عن فيلم قطط شارع الحمراء" الشهير آنذاك. وهذه الصور وسواها طالعته على جدران غرفة الفندق الذي نزل فيه ليلة وصوله إلى بيروت سنة 2000. ولا بد من التذكير هنا بأن تلك الصور البيروتية كانت قد صارت فائتة أو مفوتة منذ عقد التسعينات الذي تلا سنوات الحروب الأهلية في لبنان (1975- 1990).

تكوّن الطاهر لبيب البحثي في اجتماعيات الثقافة والأدب، وصلته بالثقافة الفرنكوفونية، وكذلك بالتراث العربي الكلاسيكي، جنّباه تلك اللغة الروائية الشفوية الدارجة التي لا تنطوي على شخصية كتابية وثقافية خاصة ومحدّدة

 

وتداخلت هذه الصور بأخرى أقدم منها زمنا، ومصدرها المخيلة الأدبية اللبنانية الشائعة في دنيا العرب عن لبنان وبيروت: "نصوص الرحالة (الأجانب أو الأوروبيين عن) جمال الطبيعة اللبنانية. "أرواح جبران" خليل جبران في ما يسمى "الأدب الجبراني" المنسي تقريبا والفائت في لبنان الحروب وما بعدها، إلا في المناهج المدرسية. وهذا إضافة إلى "همسات ميخائيل نعيمة" الخالي أدبه إلا من المواعظ الأخلاقية الإنشائية، والأكثر نسيانا وفواتا من الجبرانيات. وهناك أيضا "حنين المهجر" وجالياته اللبنانية وراء البحار إلى لبنان. وهو حنين يعود إلى حقبة ما بين الحربين العالميتين وما تلاها في الخمسينات والستينات، وكان من موضوعات الأدب اللبناني والأغنية اللبنانية في زمن ما قبل الحرب الأهلية. وربما "صوت فيروز" وحده، أكثر من سواه من الأصوات الغنائية في لبنان، صمد في حقبة الحروب وما بعدها.

ويلاحظ راوي "في انتظار خبر إن" أن "بيروت أغلبها من الشعر، من تغزّل الشعراء بها". وقد "أنثوها"، والأحرى أنّثوا لبنان المذكر أصلا. ويضيف الراوي: "لهم شغف بها (بيروت) وعتب وخوف عليها، ولهم غضب منها". وهذا المركب وليد نظرة المثقفين والكتّاب العرب إلى بيروت ولبنان منذ بدايات القرن العشرين. والنظرة هذه وصورها بلغت ذروتها القصوى في الربع الثالث من القرن الفائت (1950- 1975). وقد داخلت هذه الصورة عوامل وعناصر أخرى في أزمنة الحروب الأهلية، حينما صارت بيروت "هانوي عربية ثورية" بعد احتضانها الثورة الفلسطينية عقب هزيمة العرب في يونيو/ حزيران 1967.

وبيروت الشعر والشعراء "مدينة البدايات"، "عهرٌ، طهر، فجر"، "ورقة توت"، "خيمة أخيرة، نجمة أخيرة". وكذلك "شطرنج كلام"، "هندسة خراب"، "ست الدنيا"... وهذه كلها صفات استلّها راوي "في انتظار خبر إن" بتصرّف من قصائد وأغانيَ كثيرة في بيروت. وهو يعلّق بحساسيته المعرفية: "جمال الصور من نيّة الإغراء بالمفقود". وهنا لا بد أن تحضر جملة من نزار قباني في "قارئة الفنجان" التي غناها عبد الحليم حافظ: "الحب عليك هو المكتوب... يا ولدي".

AFP
بيروت، شارع الحمرا

 

ولا يفوت الراوي، مدوّن يومياته البيروتية، أن يستحضر تأويلاته الثقافية والفكرية، فيكتب في سياق السرد: "لا مدخل إلى مدينة من دون هوامات". وفي ليلته البيروتية الأولى سرعان ما يدخل في حوار ليلي مع شخص التقاه مصادفة في حانة الفندق. فإذا به أوروبي من الذين وقعوا في غرام بيروت وأدمنوه. "أنا سجينها منذ ربع قرن"، يقول الشخص الأوروبي الذي سرعان ما نعلم أنه واحد من الرهائن الأوروبيين الذين اختطفتهم ميليشيات الإسلام الخميني في بدايات نشأتها السرية في بيروت وضاحيتها الجنوبية في عشيات اجتياح الجيش الإسرائيلي لبنان صيف 1982 وبعده.

 

مقاهي الحمراء بعد الحرب

افتتح الراوي مدوناته البيروتية، قبل أن تصير رواية. فيخبر عن ندوة دُعي إليها في آخر أيامه في المدينة، أي في خريف 2011، و"عنوانها سؤال: العرب إلى أين؟". فيكتب "لم أتوقع أني ذاهب إلى سماع أطول جملة غير مكتملة سمعتها في حياتي". وفي مقهى بيروتي، سبق ذهابه إلى الندوة، سمع من كلام "أربعة أو خمسة رجال (...) تحلقوا حول طاولة (...) حصى يضرب زجاجا". وبعد هذا المفتتح تروح أحاديث مقاهي المثقفين في بيروت تتوالى مهذارة، كما في الندوات الثقافية والفكرية التي تعقد في المدينة، ويصف الراوي وصفا ساخرا نماذج المشاركين فيها في قاعاتٍ إحداها: "لا شيء يتحرك (فيها) غير رقاص في ساعة على حائط". لك أن تتخيل فيها ما تشاء: عرسا أو مرقصا أو مأتما أو مخبأ لترويج المخدرات، (...) مسلخا. لقد أراد القبح أن يكون جمالا لا يطاق".

وتروح تتكرر جلسات ولقاءات المقاهي في شارع الحمراء، والتي تسمّى بأسمائها المعروفة: "كافيه يونس"، ما كان "الهورس شو" وصار "كوستا"، "ليناس"، "مودكا"، "ويمبي"، "سيتي كافيه"... الخ. ولقاء عابر بامرأة "سوار العاج المزخرف في معصمها" تصطحب الراوي في جولة في المدينة، وتعرّف بنفسها على النحو التالي: "لبنانية نمطية. ميلادي في لبنان، طفولتي في إفريقيا الغربية. دراستي العليا في باريس، نضالي وطني، زواجي إيديولوجي (...) أهاجر لأعود وأعود لأهاجر. أحب صوت فيروز وألحان (ابنها) زياد. أحب بذرة الجنون في كل شيء".

وفي نهاراته وأمسياته يذرع الراوي شارع الحمراء متنقلا بين مقاهيه، مستعيدا هوية كل منها وطابعه ومميزاته في زمن مضى. ثم يصف وضعه الراهن ونوع روّاده. وبعد شهر في بيروت "تلح صور(ها) لأجد امتدادا لمدلولاتها القديمة، كمن في يديه صورة مفقودٍ يبحث له عن أثر"، يكتب الراوي في مدوناته، ويضيف: "كانت بيروت فكرة أكثر مما كانت مدينة". ومن دكان كتب عتيقة إلى محل "ساعاتي يكره الساعات"، ومن "انفراد في الغرفة" إلى "ضجر المقاهي"، ثم من الشقة السكنية في "شارع بلس" إلى مقر عمله، يكتب الراوي: "مشيتُ أكثر مما مشيت في أي شارع طوال حياتي". وهذا يذكر بما كتبه مرة الشاعر السوري محمد الماغوط حين كان متشردا في بيروت الستينات: "من بلس إلى جندارك/ ومن جندارك إلى بلس/ مشيتُ آلاف الكيلومترات". أما الراوي الذي جلس في مقاهي الحمراء كلها، فصار لديه انطباع بعد شهره الأول في بيروت أنه "صادق أغلب مثقفيها". و"استحضر خليطا من أوضاع العرب واختار من الصيغ ما يجعلها مأساة".

في نهاراته وأمسياته يذرع الراوي شارع الحمراء متنقلا بين مقاهيه، مستعيدا هوية كل منها وطابعه ومميزاته في زمن مضى. ثم يصف وضعه الراهن ونوع روّاده. وبعد شهر في بيروت

 

ثم تدخل إلى مقهى "ليناس امرأة تُعلِّق طلتُها فنجانَ "القهوة في يدي"، يكتب الراوي في مستهل الفصل 13 من الرواية التي تنعطف إلى سرد علاقته الغرامية بها، بعد ما سماها "عباد الشمس"، وأرّخ طلتها: 10/1/2004، قبل أن يلتقيها مصادفة في "مكتبة أنطوان" فإذا بها تبحث عن "مراجع لبحث عن حقوق المرأة"، وتنعقد القصة الغرامية في "المقهى الذي على سطح (فندق) ألبرغو" في حي "التباريس".

وتتوالى فصول الرواية، فتوسّع العلاقة الغرامية مساحة المدينة والسرد، وتتكاثر الحوادث في بيروت: حرب يوليو/ تموز 2006، الاغتيالات السياسية قبلها وبعدها، صعوبة اللقاء بين الراوي وامرأة "عباد الشمس" التي "جسدت - يكتب الراوي - ما انبنى في ذهني من صورة المرأة اللولبية في لبنان، تلك التي إن تأنق جمالها خفَّ جسدها فمشت، تدور حول ذاتها (...) تتصاعد فيبدو لك أن حركاتها لا تتكرر".

وتدخل بيروت في متاهة خلل كبير، تتلاحق فصوله حتى ثورة 17 أكتوبر/ تشرين الأول 2019، فالانهيار الكبير، فانفجار مرفأ بيروت. وكان للراوي محطته في تونس مع ثورتها في 2011. أما العلاقة الغرامية فيروح يشوبها الشك وشعور "المعشوقة" بشيء من الخيانة، فتقول: "صعب على المحبّ أن يصبح شبيها بعد أن كان فريدا". ويتراءى للراوي سؤال: "لماذا أنا في بيروت؟"، فيجيب: "أتى بي إليها عمل معرفي زُرعت فكرته في موجة متراجعة من موجات ما سمي المدّ القومي (...) بقيت شعاراتها كما تبقى الأسماء في دكاكين أغلقت وأُهملت".

 

العلم والتمائم والرواية

قد تكون أكثر فصول "في انتظار خبر إن" روائية، هي تلك التي يستعيد فيها الراوي طفولته في تونس، حين يكتب في مستهل الفصل الثاني: "أراني أنتظر الحافلة (...) وعمري ست سنوات (...) والحافلة توقيتها غبارها". وكان انتظار مرورها لتأخذ الطفل إلى مدرسة بعيدة، فيما والده "يعدّد (له) مزايا التعليم". وفجأة "ظهر بغل عليه رجل في لباس أبيض، هو شيخ التراب". ولما علم الرجل أن والد الطفل يرسلُ ابنه إلى المدرسة، قال لوالده: "ألا ترى أن كل الذين فارقوا هذه الأرض، طلبا للعلم، هاموا بعيدا عنها، يكتبون التمائم، أو يعلّمون مثلك القرآن في ظل حائط؟ (...) أترك الصبي بين أهله وأجِّل غربته إلى حين يكبر". لكن الصبي أخذته الحافلة بعيدا إلى المدرسة... ثم إلى باريس، فبيروت، حيث أنشأ من مدوناته فيها (هل هي تمائم من أخذهم العلم بعيدا؟) رواية سماها "في انتظار خبر إن".

وفي مناسبة صدور روايته زار الطاهر لبيب بيروت فقرأ في أحد مقاهيها مقتطفات من تمائمه الروائية.

font change

مقالات ذات صلة