النضال النسوي الفلسطيني... بين جزرة التمويل وعصا الاحتلال

كيف انتقل النشاط المدني من الشارع إلى المؤسسات؟

AFP
AFP
لوحة جدارية كتب عليها "اتحدي حالك" شوهدت في مدينة غزة في 8 مارس/ آذار 2023 خلال اليوم العالمي للمرأة.

النضال النسوي الفلسطيني... بين جزرة التمويل وعصا الاحتلال

فلسطين: تباين النضال النسوي الفلسطيني، تبعا للوجود تحت الحكم الإسرائيلي، ثم ضمن مشروع الدولة الفلسطينية. فأثناء العيش تحت الحكم العسكري تركز النضال النسوي في الدرجة الأولى على الحضور في الشارع كحيّز للنضال قام على الصمود والبقاء، لنجد لاحقا أن هذا الحضور قد انتزع ضمن بناء الدولة الفلسطينية وحوصر في النضال ضمن البنية المؤسساتية، فكيف حدث ذلك، وكيف يمكن فهم سياقاته؟

يمكن أن نفهم بنية المؤسسة والشارع والنضال في داخلهما، من خلال فهم عملية التحديث التي قام بها الاستعمار في المغرب والتي طرحها الباحث في علم الاجتماع قسطاني بن محمد في كتابه "واحة غريس والاستعمار: آليات التحول وأشكال المقاومة"، الصادر عام 2018. فقد أدرك الاستعمار أنه لا يستطيع التحكم بـ"واحة غريس"، وهي واحة بدوية تجسد نظام البداوة في التحديث المديني، ولا يستطيع أن يفرض الهيمنة عليها. لذلك عمل على محاولة دمجها في المدينة، انطلاقا من أن المدينة تخلق نمطا من الانحصار في المكان، فضمن حدودها تقع أدوات الرقابة، وهناك الأسوار التي تحيط بها، وهناك الوجود العسكري...الخ، وهذا ما لا يمكن فرضه على الأماكن البدوية، لذلك قرّر الاستعمار في المغرب أن البداوة "ينبغي أن تختفي لأنها خارج المراقبة".

من هنا أحاول أن أفهم أن الوجود النسوي في الشارع الفلسطيني كان خارج منظومة الرقابة على غرار نظام البداوة، لذلك قرّرت شبكة الفاعلين (إسرائيل والمانحون الدوليون والسلطة الفلسطينية) دمج الوجود النسوي في المدينة. وتمثل المدينة في النضال النسوي البنية المؤسساتية التي تسجن الأفراد وتحاصرهم في داخلها ثم تفرض عليهم إجراءات بيروقراطية وشروطا تمويلية تجبر الأفراد على تحقيق الأهداف التي يحدّدها الآخرون لهم.

تمارس الرقابة في البنية المؤسساتية لعمل المنظمات النسوية من خلال رصد أنشطة هذه المؤسسات، ورفع عصا التهديد في وجهها عبر سياسة التمويل، في حين تمارس المراقبة المدينية بالكاميرات والأسلاك

هؤلاء الآخرون (السلطة واسرائيل والمانحون الدوليون) باتوا يمتلكون أدوات الرقابة على هذه المؤسسات التي تعمل في مجملها ضمن إطار مؤسسات المجتمع المدني. هذا يعني أن الرقابة في البنية المؤسساتية لعمل المنظمات النسوية تمارس من خلال رصد أنشطة هذه المؤسسات، ورفع عصا التهديد في وجهها عبر سياسة التمويل، في حين تمارس المراقبة المدينية بالكاميرات والأسلاك... الخ.

 

شروط مسبقة

ورد في بيان الحملة الوطنية الفلسطينية لرفض التمويل المشروط، أن الحملات الإسرائيلية والصهيونية تصاعدت خلال السنوات الأخيرة وتضمّنت التمويلات شروطا قاومتها المؤسسات الوطنية، مثل منع المؤسسات من الانخراط في حملة مقاطعة اسرائيل وسحب الاستثمارات منها ومعاقبتها ومنعها من الترويج لحق العودة،ومن العمل. وبلغت تلك الشروط حدا لا يمكن القبول به، باشتراط توقيع بنود ما يسمّى "وثيقة محاربة الإرهاب" التي تنال من تاريخ الشعب الفلسطيني ونضاله. ووصلت ذورة ذلك، حين اعتبر الاتحاد الأوروبي وعدد من المؤسسات الأوروبية المانحة توقيعَ هذه الوثيقة شرطا مسبقا للحصول على التمويل.

في ظل عالم المانحين وضغوط إسرائيل، بدأت تطفو على السطح شروط تمويلية مرتبطة بما تعرّفه الدول الغربية بـ"الإرهاب". تتحدث الدكتورة نفوز مسلماني عن هذه الإشكالية في مقابلة شخصية مع كاتبة هذه المقالة عام 2021، من خلال ربط الحصول على تمويل بتوقيع "وثيقة محاربة الإرهاب": "منذ مدة أراد طبيب في أميركا أن يتبرع لمركز دنيا لأورام السرطان بعشرة آلاف دولار، فلم يسمح له تحت ذريعة الإرهاب. وعند التعمق في تفاصيل هذه الوثيقة تشعر بأن نضالنا إرهاب، نحن في المؤسسة نرفض التوقيع، وبالتالي فقد انخفض كثيرا الدعم المقدم لنا، نحن جزء من هذا الشعب، ولا نعمل في السياسة، ومستعدون كإطار صحي تزويد المانح كل التفاصيل والتقارير الطبية، لكنني لا أستطيع أن أفصل موظفا عندي في المركز إذا اعتقلته إسرائيل، فإذا كنت فلسطينيا جيدا ضمن البنية المؤسساتية المهيمن عليها من المانحين الدوليين وشبكاتهم القيادية، فإنك سوف تحصل على تمويل، ثم سوف يكون هناك تدخل في طريقة صرف هذا التمويل، أما إذا كنت فلسطينيا غير جيد فإنك لن تحصل على تمويل".

AFP
أميرة خضر، المديرة الإبداعية الفلسطينية لعلامة الأزياء النسوية "BabyFist" التي تساهم في تمكين المرأة لمواجهة المجتمع الذكوري.

لعل الفترة الأكثر وضوحا للنضال النسوي بعيدا من سياسات التمويل كانت أثناء خضوع الضفة الغربية للحكم العسكري، فالنضال كان يأخذ اعتبارات صمودية مرتكزة على الناس الذين مارسوا العصيان المدني والتضامن اليومي لسدّ احتياجاتهم. هذا ما يمكن أن نفهمه حين أسس الفلسطينيون الجمعيات التعاونية وحين ناضلت هؤلاء النساء في الشارع وتضامنّ مع الأشخاص الذين هدمت إسرائيل بيوتهم، أو استشهد أحد أفراد عائلاتهم، خصوصا أثناء الانتفاضة الأولى. إذ يرى أستاذ علم الاجتماع آصف بيات في كتابه "الحياة السياسية: كيف يغير بسطاء الناس  الشرق الأوسط" الصادرة ترجمته إلى العربية عام 2013، أنالانتفاضة الفلسطينية الأولى (1987-1989) واحدة من أهم الحركات الشعبية فى الشرق الأوسط في القرن الماضي. بدأت تلك الانتفاضة على إثر حادثة مأسوية تسبب فيها سائق شاحنة إسرائيلي، وشارك فيها كل السكان الفلسطينيين تقريبا ممن عاشوا تحت وطأة الاحتلال، ولجأ هؤلاء إلى أساليب سلمية فى مقاومة الاحتلال مثل العصيان المدنى والإضرابات والاعتصامات ورفض دفع الضرائب ومقاطعة السلع. واعتمدت الحركة على اللجان الشعبية (التي تشكلت من نساء وأطباء تطوّعوا للعمل) للحفاظ على استمراريتها، وكانوا يعيشون هذا النضال كممارسة حياتية لحظية تركزت على وجودهم اليومي في الشارع للاحتجاج والاعتراض.

 

حيز حيويّ

إن الشارع، كما يصفه آصف بيات، لا يزال هو المكان الأكثر حيوية للتعبير عن المشاعر الجمعية، ما دامت النظم المحلية أو القوى العالمية تهمل الآراء ووجهات النظر الشعبية. فالناس يمتلكون روحا تجعلهم يحسون ويفكرون ويتحركون بطريقة مختلفة تماما عن الطريقة التي كان سيحس بها ويفكر ويتحرك كل فرد منهم لو كان معزولا".

إذا كنت فلسطينيا "جيدا" ضمن البنية المؤسساتية المهيمن عليها من المانحين الدوليين وشبكاتهم القيادية، فإنك سوف تحصل على تمويل، ثم سوف يكون هناك تدخل في طريقة صرف هذا التمويل، أما إذا كنت فلسطينيا "غير جيد" فإنك لن تحصل على تمويل

في هذا الجانب يصف الباحث نبيل علقم عمل السيدة سميحة خليل رئيسة جميعة إنعاش الأسرة، التي وجدت بين الناس وتظاهرت في الشارع، في مقابلة شخصية أجرتها معه كاتبة هذه المقابلة:

"سميحة خليل شخصية قيادية، وهناك فرق بين القيادي المسؤول الذي يمتلك منهجا ورؤية ويعرف طريقه جيدا، وبين من يسعون إلى المركز والسلطة. أسست جمعية النساء الفلسطينيات بين عامي 1955-1956 وانتقلت الى غزة مع زوجها واضطرت إلى ترك الاتحاد النسائي، وحين عادت أسست جميعة إنعاش الأسرة واستقبلت الكثير من القادمين من عمواس ويالو وبيت نوبا، والذين هدم الاحتلال بيوتهم في الأيام الأولى من حرب 1967، كثير من العائلات هاجرت إلى رام الله، فبدأت سميحة خليل تعمل على مساعدة تلك الأسر، وكانت وموظفات الجمعية يقدن التظاهرات".

AFP
الناشطة الفلسطينية سميحة خليل، 73 عاما

حدثت تحولات على هذا النمط من النضال بعد مشروع الدولة الفلسطينية، إذ تضمن الخطاب بناء المؤسسات كنواة لهذه الدولة. وهذا التحول كان له أثر سلبي على نضال المؤسسات النسوية التي دمجت ضمن سياسات بناء هذه المؤسسات وسياسات التمويل، عبر خلق واقع مقيد من الحراك يوقعه الأفراد ذاتهم فيمارسون الرقابة الذاتية، وينسلخون عن مفاهيم الناس الأقرب إلى وعيهم، تلك المفاهيم التي تلامس همومهم اليومية والتي ترتبط بشكل أساس بوجود إسرائيل في حياتهم اليومية، فارتكزت بالتالي المشاريع المطبقة على إلزام هذه المؤسسات النسوية التوجه نحو فلسفة محددة في مشاريعها، فلسفة "الحوكمة، الشفافية، المساءلة، بناء الثقة، حل الصراع الخ"، والتي تمت بشكل أساس عبر ورش العمل واللقاءات التوعوية والتقارير والموازناتفي الفنادق الفخمة، دون أن يلمس الفلسطيني تأثيرا لهذه النشاطات على الأرض، وتغييرا في الهيمنة على حياته اليومية من قبل إسرائيل.

 

معوقات

أثناء ذلك، وبحسب الباحث إياد رياحي في مقالته "المال والسياسة وتشكل الخطاب الوطني" الصادرة العام 2010، يجري تصوير معوقات التنمية ذات العلاقة بوجود إسرائيل، على أنها معوقات فنية. ضمن هذا المستوى تراوح خطاب التنمية في دائرة "العيش يوما بيوم" بفعل الاعتماد الكلي على التمويل الخارجي، في الوقت الذي تمثل كل ما قدم للفلسطينيين ضمن هذه التنمية في هيئة اقتصاد من "الصدقات" لمنع شبح المجاعة عن الفلسطينيين، ولم يتم العمل أبدا على إحداث تنمية حقيقية.

ساهم هذا المفهوم السائد للتنمية بحسب ليندا طبر وعمر سلامانكا في مقالة "نحو اقتصاد سياسي للتحرر: قراءات نقدية للتنمية في السياق الفلسطيني" تأليف بعد أوسلو العام 2013، في عزل المنظمات النسوية وغيرها من الحركات الاجتماعية عن حركة النضال الوطني، وحدث ذلك عبر إعادة هيكلة مفاهيم التحرر ضمن مشروع، من نضال وطني وحركة تحرر وطني تشابكت في نضالها مع حركات التحرر في العالم الثالث. هذا أدى بدوره، كما ترى أشجان العجور في كتابها "تمثلات السلطة والمعرفة في الخطاب النسوي الليبيرالي" الصادر العام 2014، إلى تمييع الحركة النسوية، حيث تراجع الدور الوطني والسياسي،كما حدث ذلك من خلال إعادة إنتاج النضال ومفاهيم التحرر القائمة على الصمود اليومي الطويل، إلى العيش يوما بيوم، بفعل الأنشطة التمويلية التي تعتمد على الموازنات القصيرة، فتحولت النساء الفلسطينيات فيها من فاعلات في هذا الصمود عبر التضامن اليومي ونظام المقايضة  والتعاونيات، إلى "مستفيدات" ضمن ورش عمل يحاضر فيها خبراء فلسطينيون ودوليون، من دون ممارسة نضال ميداني حقيقي، ومن دون تفكيك السياق الذي تعيشه فلسطين.

هوجم الشارع الفلسطيني، كمكان للرفض، من خلال مصادرة الوجود فيه؛ الوجود بين الناس وهمومهم. أدى الانتقال نحو بنية مؤسساتية بيروقراطية متراتبة تحت مبرر "التحديث"، في داخل هذه البنية المؤسساتية، إلى خلق ديكتاتورية صوتية، مارستها القيادات النسوية تجاه أصوات الأعضاء الآخرين، بدعوى القيادة. فبعدما كانت مسؤولية القيادة مسؤولية تشاركية في هذه المؤسسات تحت الحكم العسكري، تحولت إلى ديكتاتورية صوتية تمتلكها المسؤولة العليا في المؤسسة، وعلى الآخرين الانصياع لآرائها دونما نقاش حقيقي، وهذا يعني أن الشعارات الكثيرة لا تحدّد أفعال هذه المؤسسات بقدر ما يحدّدها السياق الذي تعمل به هذه المؤسسات.

قام السياق النسوي تحت الحكم العسكري على مبدأ ممارسة التحرر والاعتماد على الذات ونظام التكافل الاجتماعي والصمود اليومي للبقاء، في حين نجد أن هذا السياق استند، بعد قيام السلطة الفلسطينية، على دخول فاعلين جدد حملوا بأيديهم عصا التمويل.

 

تحوّل

تستند أميرة سلمي في مقالتها "المنظمات غير الحكومية أداة للتنمية: مراجعة مفاهيمية"، في كتاب "وهم التنمية" الصادر عام 2010، على توضيح ريما حمامي للتحول الذي وقع على الحركة السياسية المحلية والتنظيمات الجماهيرية بعد إقامة السلطة الوطنية الفلسطينية. فقد حولت شروط التمويل الخارجي هذه الجماعات إلى منظمات للنخب المهنية، مع وجود خطاب حول الكفاءة والخبرة، فيما عمل هذا الترتيب الجديد على خلق مسافة بين المنظمات غير الحكومية وعامة الناس، ومن ثم أصبحت النشاطية السياسية للمنظمة غير الحكومية نشاطية القادة لا نشاطية ملايين من الشعب المستهدف. فهذه المنظمات غير الحكومية تخدم بشكل أكبر موظفيها والمستفيدين المستهدفين منها، وأثناء ذلك نجد أن التنظيم أصبح مفهوما رماديّا ارتبط إما بالبنية المؤسساتية أو بوجود الفصائل الفلسطينية، وغاب، أو ضعف، في وعي الفلسطينيين، أن التنظيم إطار جماهيري مكانه الشارع.

إن إعادة امتلاك الشارع، بكل ما يحتويه هذا الشارع من هموم يومية، واتخاذه مكانا للاحتجاج، هو تحقيق الفاعلية وإعلاء الصوت الذي يبتعد عن صيغة التقارير وأكوام الأوراق المتناقلة عبر الإنترنت

فالتنظيم يعني ممارسة النضال كعمل قائم على التراكمية والتكاملية، لا على التشرذم والتفتت، ومن هنا يمكن أن نفهم كيف أننا حتى اليوم لم نستطع أن نخلق عملا تنظيميا قائما على التراكمية، في ظل غياب تلك الأيديولوجيا التي تحفظ تماسكه، إذ أصبحت تغرس في ورش العمل أيديولوجيا "تعمية" قائمة على مصطلحات تركز على النوع الاجتماعي، وحل الصراع وتجنيد الأموال والديبلوماسية، وضعفت المفاهيم ذات العلاقة بالتحرر الوطني والحق في الحرية والحياة وتعريفهما بالاستناد الى السياق الفلسطيني الذي يعيش تحت استعمار اسرائيلي استيطاني يستهدف هذه الأجساد بإماتة يومية عبر التحكم بوصولهم للعلاج، وحصولهم على عمل، ووضعهم في معسكرات الاعتقال.

مكان التنظيم وفعله هو "الشارع"، ففي الشارع تكمن نضالات الناس اليومية، لكن هذه النضالات اليوم تحولت إلى نضالات مشرذمة بفعل كثير من العوامل، من أهمها مصادرته ضمن البنية المؤسساتية.

إن إعادة امتلاك الشارع، بكل ما يحتويه هذا الشارع من هموم يومية، واتخاذه مكانا للاحتجاج، هو تحقيق الفاعلية وإعلاء الصوت الذي يبتعد عن صيغة التقارير وأكوام الأوراق المتناقلة عبر الإنترنت، ممارسا بذلك هيمنة مضادة على الأنظمة السلطوية التي تسعى لإعادة إنتاج النضال عبر تفريغه من أمكنته ومحتواه.

إن تفكيك هذه الممارسات ما بين المؤسساتية والشارع، من شأنه تفكيك ممارسات الهيمنة اليومية على نضالات النساء الفلسطينيات ضمن شبكة كاملة (الاستعمار الاسرائيلي، عالم الخبراء، نظام السلطة)، وذلك من خلال شبكة مضادة معرفية تقوم على إنتاج الأفكار ونقاشها من الداخل، وذلك لإعادة النظر إلى الشارع كحيّز للاحتجاج قادر على جمع الأصوات الكثيرة في صوت واحد، الصوت الجماعي ضد كل البنى المتعدّدة التي تصادر الأصوات بشكل يوميضمن صوت قيادي واحد، الصوت المؤسساتي، وضمن رؤية الآخرين للعمل النسوي في فلسطين.

font change

مقالات ذات صلة