الذكاء الاصطناعي والفلسفة: كيف نفكّر في الوعي والمشاعر والذاكرة؟

من هاكسلي وديكارت إلى تشومسكي دريفوس

 Nicola Ferrarese
Nicola Ferrarese

الذكاء الاصطناعي والفلسفة: كيف نفكّر في الوعي والمشاعر والذاكرة؟

لا ينحصر الحديث عن الذكاء الاصطناعي في فكرة الآلة التي لا يمكن تمييزها مظهريا عنا والتي تهدّد بالسطو على وظائفنا. فالذكاء الاصطناعي يرتبط بكل خصائص الدماغ كوسيلة للاندماج في هذا العالم واستخلاص المعارف به. الحديث عن الذكاء الاصطناعي هو في الحقيقة حديث عن العقل الإنساني والوعي والذاكرة، وبالسؤال الفلسفي الأبدي: هل نعيش حلما في حياة حقيقية، أم أننا نركض في كابوس شخص آخر؟

في عام 1997 هزم الكومبيوتر بطل العالم في لعبة الشطرنج غاري كاسباروف في ثلاث نقلات. هذا صدم العلماء في حينه، لأنه أشار إلى ولادة كائن أفضل من الإنسان، وسرعان ما سرى القلق عند انتقال الحديث عن استيلاء الكومبيوتر على وظائف البشر.

لكن تحسّن أداء الذكاء الاصطناعي لن يغير في الأمر شيئا، لا يمكن للكمبيوتر أن يفعل شيئا من وراء ما بُرمج للقيام به. هو يفعل، لكنه غير واعٍ بفعله. الحديث عن آلة تشبه الإنسان، قديم في الأدب، ولا سيما في روايات الخيال العلمي. في أفلام من مثل "بلايد رانر" و"ماتريكس" نرى هذا النموذج، ونتساءل: هل يمكن الذكاء الاصطناعي (الإنسان الآلي) مع حركة العلم وتطوره، أن يكون إنسانا حقيقيا؟ هل يمكن أن يكون أفضل من الإنسان؟

في"بلايد رانر" يظهر الإنسان الآلي أكثر إنسانية وحيوية من الإنسان، بشغفه وحبه للحياة ورغبته في عمر أطول، في مقابل الإنسان الذي يبدو تعيسا وذا ذاكرة مرهقة بالكدر. في نهاية القصة نجد الرجل الآلي ينقذ حياة عدوّه الإنسان الذي سعى إلى تصفيته، لأنه أحبّ الحياة لذاتها، ولو كانت حياة عدوّه.

شخصية رايتشل في الفيلم، وهي الطرز الأحدث، قد زُرعت لها ذاكرة، بحيث تتصوّر طفولة لم تكن وذكريات لم تقع. كلّ النسخ الآلية الأخرى، طوّرت ما يشبه المشاعر الإنسانية من حب وكره وحسد ورغبات. إنهم كلهم يكادون يكونون بشرا.

بقدر ما تطرح هذه الأفكار الطموحة السؤال حول قدرة الآلة على التفكير والشعور والحب والكره، فإنها أيضا تطرح تساؤلات كبرى عن عقل الإنسان وهل هو مجرد كومبيوتر يمكن اصطناعه

لكن أكثر شخصيات الفيلم قوة ووضوحا هي شخصية روي، الذي تسلّل إلى مسكن الإنسان الذي صمّمه وصنعه، مطالبا إياه بمزيد من العُمر. إنها المشكلة الإنسانية الخالدة، الرغبة في البقاء لفترة أطول، أو هي الرغبة في الخلود في هذه الحياة، على ما فيها.

في مقابل هذا، نجد أن الإنسان الحقيقي في القصة يظهر تعيسا ساخرا يعيش حياة وحيدة حزينة، في العالم المستقبلي الذي أخذت فيه الآلات كثيرا من أعمال البشر. يبدو أقل إنسانية من الآلة.

 

معنى الإنسان

شخصية الرجل الآلي روي، تتطوّر عبر القصة ليصل إلى فهم عميق للبشر، أي: ما معنى أن تكون إنسانا؟ ما الذي يميزك عني؟ فما الذي كان ناقصا لكي يكون إنسانا حقيقيا؟ لا شك أنه الوعي الذي لا نجده بهذه الصورة عند الحيوانات، لا عند غيرها. ثم تنتهي حياته، والفيلم كذلك، بعبارة شعرية خالدة إلى اليوم "كل اللحظات الجميلة سوف تضيع في الزمان، كالدموع في المطر".

Warner Bros
روتغر هاور في دور روي باتي

لقد اختبر الموت، موت أحبائه وموته الشخصي، مثلما يختبره الإنسان.

في "بلايد رانر" كان البشر يستعبدون الآليين فتثور الآلات عليهم وتتمرّد، أما في "ماتريكس" الذي يفترض أن تقع أحداثه بعد 200 سنة من عصرنا الحالي، فيصبح البشر هم العبيد والآلات تحكمهم وتستخدمهم كبطاريات، في حين يناضل البشر لنيل حريتهم والانتصار على الآلة. كأن القصة الأخيرة امتداد لقصة صراع الطرفين بحيث يجوز لنا أن نتحدّث عن تاريخ للخيال العلمي، يتطور.

بقدر ما تطرح هذه الأفكار الطموحة السؤال حول قدرة الآلة على التفكير والشعور والحب والكره، فإنها تطرح أيضا تساؤلات كبرى عن عقل الإنسان وهل هو مجرد كومبيوتر يمكن اصطناعه؟ هناك حديث فلسفي يمتدّ إلى آلاف السنين عن الوعي والعمليات العقلية، كخصائص إنسانية لا تملكها الكائنات الأخرى.

الذكاء الاصطناعي، هو العلم الذي يدرس إمكان زراعة الصفة العقلية في الآلة. أي أنه العلم الذي يدرس أفعال الآلة التي تتطلّب عقلا أو ذكاء Intelligence، وكيف يمكن للآلة أن تكتسب الحالات العقلية، وهل يمكن للآلة أن تكون ذات "قصديّة"؟

موضوع الذكاء الاصطناعي ليس جديدا بالمرّة، فلطالما اختلف أصحاب المذهب الطبيعي مع أصحاب المذهب العقلي حول الإنسان، فالفريق الأول يرى أن الطبيعة وقوانينها هي المبدأ الأول وأن الإنسان لا يخرج عن هذا النظام باعتباره مادة. في حين يرى الفريق الثاني أن الإنسان يختلف لأنه يملك الوعي الذي يميّزه.

لكن ما هو الوعي؟ كيف يوجد العالم الحسّي بما فيه من ذرّات مادية تخضع لقوانين الفيزياء والكيمياء والأحياء، ومن ضمنها الإنسان، ثم يوجد من هذا الجسد المادي شيء غير مادي نسمّيه الوعي؟ هذا لغز محيّر فعلا.

 

مشكلة الوعي

الوعي هو أخصّ خصائص العقل، وهو فجوة في الصورة الطبيعية للعقل. ولطالما كانت هناك محاولات لردم هذه الفجوة، ابتداء من منتصف القرن العشرين، وهناك من لم يقبل بكلّ تلك الردميات باعتبارها ناقصة. في عالم الطبيعة، لا توجد مفاهيم من مثل النقص، وفي عالم الطبيعة لا يوجد شيء اسمه "عدل"، فالطبيعة كاملة وعادلة كما هي. الإنسان يخضع لعالم الطبيعة، لكن هل هذا الخضوع كامل، بمعنى أنه لا يختلف في أي شيء؟ هذه هي معركة اللغز الأخير، أي الوعي.

Getty Images
توماس هاكسلي

من أوائل من تنبّهوا إلى مشكلة الوعي، العالم الإنكليزي توماس هاكسلي، الذي طرح السؤال: الشمس مثلا عند تعرّضنا لها، تثير النسيج العصبي، فتنتقل هذه الإثارة إلى الدماغ فتصبح مادة للوعي، فنعرف أن اليوم حار. يقول هاكسلي "الوعي بهذه الحقيقة يظهر فجأة كخروج الجنّي من مصباح علاء الدين".

وكان الفيلسوف الإنكليزي أنتوني كيني يتحاشى استخدام كلمة Consciousness لأنه يرفض الوعي الذي وصفه ديكارت بالكوجيتو الشهير: "أنا أفكر، إذا أنا موجود"، كما أنه يرفض تفسير الوعي على أنه مجرد الإدراك الحسّي، فإدراكنا الحسّي موجود عند كل الحيوانات، وليس فيه أي مزية للعقل البشري.

وقفت أستاذة الفلسفة الكندية باتريشيا تشرتشلاند مع دانيال دينيت، موقف الوضعية من الميتافيزيقا، فقالا إن مفردة "وعي" مجرّد مفهوم فلسفي لا وجود له ولا فائدة من دراسته.

واصلت المدرسة السلوكية التي نشأت في 1913 السير في الاتجاه الآلي، وأرجعت الظواهر النفسية إلى ردود فعل الكائن العضوي، ووحّدت بين الوعي والسلوك على أساس العلاقة بين المنبّه والاستجابة

يعدّ جون سيرل من أكثر العلماء المعاصرين اهتماما بالوعي، في كتبه "إعادة اكتشاف العقل" و"لغز الوعي" و"الوعي واللغة" و"العقل: مقدّمة موجزة"، يرفض ثنائية ديكارت التي تفصل الجسد عن العقل ولا تحسن وصف العلاقة بينهما، كما يرفض التفسير المادّي للوعي لأنه حاول ردّ الوعي إلى البيولوجيا. أما سيرل فيرى أن الوعي ذاتي وأنه بيولوجي في الوقت نفسه. الذاتية تتعارض مع العلم الذي يطالب بالموضوعية، في حين أن الذاتي هو شعور خاص قد لا يصل إلى الجميع. ينطوي موقف سيرل في حقيقة الأمر على شيء من الغرابة والفرادة، فهو يؤمن بوجود ما سمّاه "الوعي المتطبّع" أي المتوافق مع الطبيعة لكنه ينطق فقط بضمير المتكلم (أنا) ولا يصح أن نشير إليه بضمير الغائب كما يحدث في وصفنا للعالم الطبيعي. هل يمكن للإنسان الآلي (الذكاء الاصطناعي) أن يصل إلى هذا المستوى؟ يجيب سيرل بأنه لا يرى مانعا من تحقق ذلك.

 

الاتجاه الردّي

الوعي عند سيرل ذاتي وليس موضوعيا، بمعنى أنه لن يشعر بألمك على الحقيقة سواك، لكنه في ذاتيته لا يخرج عن نظام الطبيعة. هذا الوعي يتّصف بالوحدة، بمعنى أنه ليس وعيا بشيء واحد محدّد، بل هو وعي كلّي، بكل ما يدخل في دائرة إدراكنا، وهو وعي له مركز وهامش.

في دراسات الوعي، هناك اتجاه يسمّى "الاتجاه الردّي"، ذلك الذي يردّ الوعي إلى شيء خارج عنه لصعوبة تصوّره كما هو، فالسلوكية تردّه إلى سلوكنا الخارجي وتغفل العمليات الداخلية. والنزعة الفيزيائية تردّه إلى حالات الدماغ. والوظيفية تردّه إلى مجرد عمليات حسابية. أما سيرل فيرفض نظرية ردّ الوعي ويعتبره ظاهرة حقيقية لا تقبل الردّ.

Franks Valli
جون سيرل

واصلت المدرسة السلوكية التي نشأت في 1913 السير في الاتجاه الآلي، وأرجعت الظواهر النفسية إلى ردود فعل الكائن العضوي، ووحّدت بين الوعي والسلوك على أساس العلاقة بين المنبّه والاستجابة. المعرفة مجرّد ردود أفعال مشروطة للكائنات العضوية، والعقل ليس سوى سلوك.

أصبحت السلوكية النفسية سلوكية فلسفية مع فيلسوف الوضعية المنطقية رودلف كارناب الذي تبنّى التفسير السلوكي لتفسير الحياة العقلية والنفسية، أي أن القضايا التي تعبّر عن العمليات العقلية تكون مكافئة منطقيا للقضايا المعبّرة عن السلوك الخارجي للفرد، أي أنّ كل هذه القضايا لها معنى واحد. هذا الرأي معناه أنّ هناك تطابقا بين حياتنا الشعورية والتغيرات الفيزيولوجية في الدماغ أو حركات الجسد الظاهرة. رأيٌ فيه تطرّف، لذلك عدّله جيلبرت رايل بتبنيه سلوكية ترى أن الحياة النفسية ليست سوى نماذج معينة من السلوك دون أن يعني ذلك السلوك الراهن للشخص فقط، وإنما هو استعداد للسلوك.

في مقابل السلوكية، هناك المدرسة "الوظيفية" ومن أهم أقسامها "وظيفية الآلة" التي تنسب إلى هيلاري بوتنام، وهي تتمسّك بالقول إن ما يجعل الحالة الباطنية حالة عقلية، ليس صفة جوهرية للحالة، وإنما علاقتها بالمثير الحسّي.

هناك أيضا "المذهب الفيزيائي" الذي قرّر أنّ الحالات العقلية هي مجرّد حالات للدماغ، فالألم الذي تشعر به هو نتيجة لإثارة وقعت على ألياف المخ. وهذا معناه إرجاع الخصائص العقلية إلى خصائص فيزيائية مادّية، أي أنّ العقل برمّته ماديّ وكلّ ظاهرة عقلية ترجع إلى قواعد مادية وأنظمة آلية.

 

ديكارت ونقد السلوكيّة

ثم جاء نعوم تشومسكي العقلاني، الأفلاطوني الديكارتي، فوجّه نقدا قويا إلى السلوكية ووصفها بأنها خلطت الموضوع بالمنهج، فموضوع علم النفس هو العقل، وهي قد استعانت بالسلوك لدراسة العقل، ثم قرّرت أن العقل هو السلوك. كما اتهمها تشومسكي بأنها استخدمت مصطلحات واسعة وفضفاضة، هي نفسها مصطلحات العلوم الطبيعية، والسلوكية حاولت محاكاتها محاكاة سطحية، وأدخلت في المصطلح ما ليس منه. هو هنا يشير إلى خلل قديم وقع عندما اختار العلماء تطبيق منهج العلوم الطبيعية على الإنسان.

Getty Images
نعوم تشومسكي

وقرّر تشومسكي أن السلوكيين عجزوا عن تحديد ملامح العقل، وعجزوا عن تحديد قدرة العقل في الجانب الإبداعي لاستخدام اللغة. هذه الفكرة أخذها تشومسكي عن ديكارت، فهذا الأخير أول من أشار إلى أن الاستخدام الإبداعي للغة هو خصيصة فريدة للعقل الإنساني. ولم يكتف تشومسكي بهذا التقرير، بل طوّر فكرة ديكارت في كتاب صغير بديع هو "علم اللغة الديكارتي" Cartesian linguistics صدر في 1965. في هذا الكتاب يتتبع تشومسكي تطوّر النظرية اللغوية من ديكارت إلى فيلهلم فون هومبولت، مرورا بعصر التنوير وحتى العصر الرومانسي من بعده. الفكرة المركزية في اللغويات الديكارتية هي أنّ السمات العامة للبنية النحوية مشتركة بين جميع اللغات. كما أنها تعكس بعض الخصائص الأساسية للعقل. استخدام العقل الإنساني للغة يظهر منه قدرات لا يمكن أن يقدر عليها الرجل الآلي. هناك الاستخدام اللامتناهي للغة، والجدّة والابتكار، والتحرّر من المنبّه، وملاءمة الموقف. كلها سمات يتصف بها العقل الإنساني للغة ولا يمكن لآلة أن تكتسبها.

عند تشومسكي لا أحد يتكلم بلغة سوى الإنسان. ما نسمعه من الحيوانات والطيور ليس لغة، بل يسميها "أنظمة سيميوطيقية"، أي أنها مجرد علامات تواصلية، أما لغة الإنسان فلا متناهية

عند تشومسكي لا أحد يتكلم بلغة سوى الإنسان. ما نسمعه من الحيوانات والطيور ليس لغة عنده، بل يسمّيها "أنظمة سيميوطيقية"، أي أنها مجرّد علامات تواصلية، فقط. أصوات الحيوان نمطية ومحدودة، أما لغة الإنسان فلا متناهية. الصفة الثانية عند تشومسكي وديكارت، هي أن الإنسان يجدّد استخدامه للغة ويبتكر أساليب جديدة للتعبير وبناء الجمل. الحديث هنا ليس عن الإبداع الذي هو خصيصة كبار الشعراء والأدباء، بل عن قدرات الإنسان العادي، في حين تفسّر السلوكية الأشياء في إطار العلاقة بين المنبّه والاستجابة. يوضح تشومسكي أنّ الاستخدام الإبداعي للغة يكشف أننا قد لا نحتاج إلى المنبّه، فاللغة تعبّر عن الفكر، والفكر قد يحدث من دون منبّه، وقد نرغب في التعبير عما في دواخل أنفسنا بلا سبب ولا حاجة. الصفة الأخيرة التي تظهر في استخدامنا الإبداعي للغة، هي ملاءمة الموقف. نحن نغير في كل لحظة طريقة تعبيرنا عما في عقولنا أو نفوسنا بحسب ما يقتضيه الموقف من فرح أو حزن أو خوف أو غضب، أو بحسب ما تتطلّبه الحاجة. يقول تشومسكي إن كلّ هذه السمات موجودة عند كلّ الأطفال مهما كان مستوى ذكائهم منخفضا.

في 1972 صدر لهيوبرت دريفوس كتاب بعنوان "ما الذي يعجز عن فعله الكمبيوتر" What Computers Can't Do ثم عاد بعد عشرين سنة في 1992 وألف كتاب "ما الذي لا يزال الكمبيوتر عاجزا عن فعله" What Computers Still Can't Do.

فكرته الأساس هي أن الأنظمة الحسابية في الكمبيوتر لا تستطيع القيام بدور الأنظمة الإدراكية في عقل الإنسان، فالأنظمة الإنسانية لا حدّ لفعلها بعكس الكمبيوتر.ثم إنه ركز على فكرة الإبداع، فالعقل الإنساني يفعل بأسلوب مبدع، وسلوكه قابل للتكيّف مع العالم، وهناك خبرة واعية يتميّز بها البشر، وقد زاد أخيرا من اتفقوا مع طرحه. الوعي الذاتي والإرادة الحرة هما خصيصتان إنسانيتان، ولكل هذا لا ينبغي أن نخاف من الآلة أكثر من خوفنا من ضجيج صدى أصواتنا.

font change

مقالات ذات صلة