عن إطلاق أول دبلومين للفلسفة والموسيقى في السعودية

إعادة التواصل مع إرث عريق

AFP
AFP
وزير الثقافة السعودي بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود

عن إطلاق أول دبلومين للفلسفة والموسيقى في السعودية

الرياض: شهد يوم الأحد الموافق 20 أغسطس/آب 2023 إطلاق دبلومين لاختصاصي الفلسفة والموسيقى لأول مرة في تاريخ المملكة العربية السعودية باعتماد من وزارة الثقافة ومؤسسة التدريب المهني والتقني "معهد يعقلون العالي للتدريب" بالدمام - المنطقة الشرقية، الذي سيقدّم الدبلومين الجديدين.

وحول هذه التطوّرات المهمة في مسيرة المملكة، تقول الرئيس التنفيذي لمعهد "يعقلون" الأستاذة آمنة بوخمسين، لـ "المجلة": "إن معهد يعقلون العالي للتدريب هو الأول من نوعه في المملكة والمرخّص في تخصصاته الرئيسية الثلاثة: الفلسفة والموسيقى والفنون. وقد قدّم المعهد برنامج دبلوم فلسفة أكاديمي يقع في سنتين ونصف إلى وزارة الثقافة واعتمد كبرنامج أكاديمي، وهو يسمح للخريجين إكمال دراستهم البكالوريوس والماجستير والدكتوراة ويؤهلهم للعمل في الميدان الثقافي. وفيما يخصّ دبلوم الموسيقى فقد صمّم المعهد برامجه ومناهجه من قبل فريق متخصّص مكوّن من أكاديميين متمكنين في مجالات التدريس والتصميم وكتابة المناهج وقد اعتمدت تلك البرامج والمناهج من قبل وزارة الثقافة".

وبالإشارة إلى المحاضرين في المعهد أضافت بوخمسين: "سيقدّم هذه البرامج التعليمية أكاديميون يحملون شهادة الدكتوراة في تخصصي الفلسفة والموسيقى. وأما الفرق بين الدبلومين فهو أن- دبلوم الفلسفة مدته عامان ونصف العام، والموسيقى عامان دراسيان تدريبيان. وبهذا فإن البرنامج يعادل من حيث الجودة البكالوريوس في جامعات عربية ودولية أخرى، وقد أعدّ ونظّم وفق معايير دولية ليتناسب مع الثقافة والفكر والهوية السعودية".

دبلوم الموسيقى التعليمية والتدريبية سيعلّم الدارسين العزف على آلتين ليصبح جميع المتخرجين والمتخرجات في نهاية برامجهم محترفين في العود والبيانو، إضافة إلى تمكنهم من التلحين، والإلمام بتاريخ الموسيقى

آمنة بوخمسين

ونوّهت بوخمسين إلى أن دبلوم الموسيقى التعليمية والتدريبية سيعلّم الدارسين العزف على آلتين ليصبح جميع المتخرجين والمتخرجات في نهاية برامجهم محترفين في العود والبيانو، إضافة إلى تمكنهم من التلحين، والإلمام بتاريخ الموسيقى العربية والغربية، وفلسفة الموسيقى والنظريات الموسيقية. 

  وكان وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، نشر عبر موقع "إكس"، تعليقا كان بمثابة تأثيث جديد لانطلاق الموسيقى السعودية قال فيها: "أُعلن صدور أوّل ترخيص لمعهدين موسيقيين في المملكة". وأتبعها بتغريدة أخرى فتحت الآفاق أمام المستثمرين: "أدعو جميع المهتمين في القطاعين الخاص وغير الربحي لتقديم طلبات تراخيص المعاهد في المجالات الثّقافية المختلفة، على منصة متخصصة ستبدأ عملها بعد 90 يوما". وإذا ما أضفنا هذا التوجه الرسمي الممثل في وزارة الثقافة فسنرى مستقبلا عالميا يفتح مصراعيه للاستثمار في جميع الفنون.

جيل من الفلاسفة والموسيقيين

وحول أهداف برنامجي الفلسفة والموسيقى، قال مدير الشؤون التعليمية بمعهد "يعقلون" الدكتور نور الدين السافي: "إن برنامج الفلسفة يهدف إلى بناء كفاءات سعودية شبابية متميزة في الدراسات الفلسفية قادرة على فهم التراث الفلسفي الإسلامي والإنساني القديم من جهة، وعلى فهم المدارس الفكرية والعلمية الحديثة والمعاصرة ونقدها من جهة أخرى.مما يجعل الدارس السعودي في علاقة مباشرة مع الواقع الفلسفي والعلمي المعاصر، وليتمكن بذلك من المساهمة الفعلية في إعادة بناء فكر الأمتين العربية والإسلامية أولا والفكر الإنساني تاليا، إضافة إلى تغذية سوق العمل بطاقات فكرية قادرة على العمل في قطاعات عديدة ومتنوعة حاملة في محتواها شروط التجديد والإبداع في عملها.في حين يهدف "دبلوم الموسيقى" إلى تخريج مدرّسين سعوديين متخصصين في الموسيقى والعلوم الموسيقية لتدريس المقرّرات التي تنتمي إلى حقل الموسيقى (العربية والغربية على حدٍ سواء) بمدارس التعليم العام.وربط المجتمع بتراثه الموسيقي من جهة، وبالواقع الموسيقي العالمي المعاصر من جهة أخرى تحقيقا للتعارف الكوني والمواطنة العالمية".

   يهدف برنامج الفلسفة إلى بناء كفاءات سعودية شبابية متميزة في الدراسات الفلسفية قادرة على فهم التراث الفلسفي الإسلامي والإنساني القديم والمدارس الفكرية والعلمية الحديثة والمعاصرة –


نور الدين السافي

بدوره، يوضح الدكتور فراس الطرابلسي أستاذ الموسيقى بمعهد "يعقلون" أن كادر دبلوم الموسيقى التعليمي بالمعهد يتكون من أساتذة حاملي شهادة الدكتوراه في مجال الموسيقى والعلوم الموسيقية وخبرة في التدريس والبحث العلمي وكتابة المناهج".

وأضاف لـ "المجلة": "يتكوّن برنامجنا من مختلف المقرّرات الضرورية القادرة على تثبيت الكفايات الموسيقية اللازمة لدى الطالب ليكون خير معّلم وفنّان ومبدع متجذّر في هويته العربية من جهة وهويّته السعودية الأصيلة من جهة أخرى، ومنفتح على الثقافات الأخرى تحت مظلة كونية الفكر والابداع بلغة الإنسان واللغة الموسيقية. كل ذلك سيتأتى وفق خطط وأدوات معرفية وبيئة تعليمية محفزة من شأنها أن تكوّن دفعة من ممتهني المجال الموسيقي لتغذية سوق العمل بالمملكة".

وتعود علاقة المجتمع السعودي بالموسيقى إلى أجيال مضت، فهي جزء من غنائهم اليومي، وأناشيد أفراحهم الأولى، وتعابيرهم وأغانيهم الوطنية، ومصطلحات تواصلهم، وموسيقى نشيدهم الوطني.

ولعلّ أول شهادة مدوّنة حول هذه المسألة تعود إلى العام 1814 حينما كتب الرحالة الغربي جون لويس بوركهارت الذي زار الجزيرة العربية عن انتشار الموسيقى وقد وثق في مذكراته شهادته حول أول نوتة سعودية والتي أطلق عليها حسب مذكراته "البنات يلعبن السمر" ومنذ ذلك التاريخ توالت النوتات السعودية الشعبية والفنية حتى جاء شهر فبراير/ شباط من العام 2020 ليشهد تأسيس "هيئة الموسيقى" ليكون من ضمن أولوياتها إنشاء البنية التحتية للثقافة الموسيقية في المملكة العربية السعودية، والتي ستسهم في تمكين الجميع من الحصول على فرصة تعلم الموسيقى، إلى جانب عملها على اكتشاف المواهب الموسيقية وتمكينها، كما تسعى إلى نشر الوعي بثقافة الموسيقى في المجتمع، وتأسيس قطاع يساهم في الاقتصاد المحلي، وذلك من خلال خلق فرص عمل لكلا الجنسين، وإنتاج العروض الحية الثقافية والتسجيلات الموسيقية ومراكز تعليم الموسيقى للهواة، وإحياء وتوثيق عروض الفلكلور والموسيقى السعودية لتنمية الحس الوطني والاجتماعي، وتطوير الهوية الثقافية الموسيقية للمملكة، ونشرها إقليميا وعالميا، وتأكيد مكانتها القيادية في العالمين العربي والإسلامي، لإدراج الوعي الثقافي الموسيقي ضمن متطلبات جودة الحياة.

  كان المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري يقول لي إنه يتوقع أن تشرق شمس الفلسفة عربيا من السعودية، بعد أن تقلص الاهتمام بها إلى حد بعيد في بلدان المشرق العربي

محمد سيد ولد أباه

ومما لا شك فيه أن هذا التوجه الوطني فتح للرواد والمهتمين والمنتمين إلى هذا المجال الفني الحيوي فرصا كبرى لم يكونوا بالغيها إلا بشق الأنفس. ثم أن تصبح للموسيقى هيئة خاصة فهذا يعني أننا أمام تحول ثقافي تقوده وزارة الثقافة بهيئاتها الفتية التي رشحت لها رؤساء تنفيذيين قياديين في عمر الشباب ويمتلكون الإرادة والشغف والطموح لصناعة فارق كبير بجودة عالمية وهوية سعودية وتوطين كل ما له علاقة بالهوية الوطنية والتطورات الإبداعية والفنية وقطاف ثمار المواهب الإبداعية السعودية القادرة على فرض وجودها ضمن مخرجات العالم.

برامج فلسفية

  وأما الفلسفة فقد تأسست في نوفمبر/ تشرين الثاني 2020 "جمعية الفلسفة" وهي جمعية أهلية غير ربحية تعنى بالمجال الفلسفي في السعودية، وتعد أول جمعية فلسفية تحصل على تصريح رسمي من قبل وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية. وتقدم جمعية الفلسفة والمركز السعودي للفلسفة والأخلاقيات 10 منح للدراسات البحثية الفلسفية بدعم وتمكين من هيئة الأدب والنشر والترجمة، بهدف إثراء الإنتاج البحثي السعودي وتعزيز الاهتمام العلمي بالفلسفة في السعودية.

وقد توجّهنا إلى رئيس الجمعية الدكتور عبدالله المطيري بسؤال حول تلقي المجتمع السعودي من مثقفين ومهتمين، وإقباله على الفلسفة كعلم وفكر له تاريخه وجذوره الضاربة في التاريخ الإسلامي.فقال: "المجتمع السعودي مثله مثل باقي المجتمعات لديه عناية أصيلة بالمعرفة ومن ضمنها المعرفة الفلسفية. الاختلاف الخاص بالمجتمع السعودي أن هذا الشكل من المعرفة الإنسانية لم يكن متوفرا بصورة طبيعية سابقا بسبب مواقف متشددة ضد الفلسفة. لكن أفرادا كثرا في هذا المجتمع لم يستسلموا لتلك الرؤى المتشدّدة وعملوا على تطوير ذواتهم في المجال الفلسفي. اليوم ومع التغيرات الكبيرة ضمن رؤية 2030 وجدت الفلسفة مساحة أكبر للحركة والتواصل مع أفراد المجتمع".

Alamy
المؤرخ السويسري يوهان لودفيج بوركهارت

وأضاف: "تعمل جمعية الفلسفة على تقديم برامج متعدّدة للمهتمين لتحقيق تمكينهم الفلسفي. هذه البرامج تشمل فرصا متعددة للتأليف والترجمة والتدريب على المهارات الأساسية للتفكير والكتابة الفلسفية وكذلك برامج المنح الفلسفية التي توفر التفرّغ والإشراف العلمي للباحثين. كذلك تشمل الفرص إمكانية المشاركة في المحافل الدولية من خلال دعم وشراكة نوعية مع وزارة الثقافة ممثلة في هيئة الأدب والنشر والترجمة. المجتمع السعودي كان حجز الزاوية في كل هذه الفعاليات والأنشطة، إذ عبّر عن شغف حقيقي بممارسة التفلسف".

استشراف الجابري

وقد انزرعت الفلسفة في أوساط المشاهد الثقافية العالمية وكان كثير من الدول العربية تنأى بمجتمعاتها عن الخوض في غمارها بحجج كثيرة، وكانت السعودية واحدة من الدول التي انتقلت إليها عدوى الحجج تلك ومع هذا ظلّ الكثير من مثقفيها يتأقلمون مع المشاهد الثقافية المنفتحة على علوم الفلسفة بل وتتوفر كتبها في رفوف الكثير من مكتبات المملكة حتى في أزمنة الصحوة وظل هذا الأمر مُقلقا بعض الشيء لكل من تعاطى منبريا مع ثقب الفلسفة الأسود الذي احتاج إلى عقود حتى رأينا ما وراءه.

ولعل أصدق من استشرف تلاشي ذلك الثقب وشروق شمس الفلسفة عربيا في السعودية المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري الذي انتقل إلينا استشرافه ذاك عبر الكاتب والباحث السياسي الموريتاني محمد سيد ولد أباه في مقالة له حملت عنوان "الفلسفة في السعودية" والتي قال فيها: "بحكم احتكاكي بالوسط الثقافي السعودي، أعرف حجم الاهتمام الواسع بالفلسفة والإقبال الكبير على كتبها في هذا الوسط، إلى حد أن المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري كان يقول لي إنه يتوقع أن تشرق شمس الفلسفة عربيا من السعودية، بعد أن تقلص الاهتمام بها إلى حد بعيد في بلدان المشرق العربي في العقود الماضية".
 

font change

مقالات ذات صلة